عشت حياة شاقة لا مدارس في ذلك الوقت سوى بعض المتطوعين من (الشيبان) كبار السن الذين سخروا وقتهم لتحفيظ كتاب الله في الاحمدية والشندغة، فانا من اواخر جيل الغوص، توفي والدي وانا ابن 8 سنوات وكنت الوحيد بين 4 اناث، وبدأت في صيد السمك إلى ان اشتد عودي فعملت نوخذة في مراكب نقل البضائع، وتراوحت اسفاري بين البحرين والهند ومصر، وفي اواخر الستينات تركت مهمة نقل البضائع وانشأت مركبا خاصا واشتغلت في مهنة التجارة، وابتعثت ابنائي الصغار في ذلك الوقت إلى لندن للدراسة، واشتغلت في صنع الزجاج إلى ان تخرج الاولاد وتركت العمل لهم، ومنذ 4 سنوات تفرغت لمتابعة العمل الخيري باقامة مسجد ومدرسة دينية في منطقة سكن العمال بالقصيص. هكذا عرف حسن راشد العبار نفسه وهو يستضيفنا في مدرسته الخيرية بالقصيص، وكان ضيفنا في الوقت نفسه في «حديث الذكريات»: يقول شهدت صناعة السفن الخشبية في الفترة الممتدة من الخمسينات ومنتصف الستينات انتعاشا لا مثيل له ويرجع السبب في ذلك الى مهنة الغوص حيث ازدادت الحاجة الى المراكب الخشبية لنقل فرق الغوص الى البحر ليبحثوا عن اللؤلؤ، غير ان عهدنا مع البحر كان في نقل البضائع، حيث بدأت حياتي العملية مع البحر من القمة، إذ كنت صاحب محمل و(نوخذة) قبطانا على ظهر محملي 30 عاما، ذرعت خلالها البحار والمحيطات من موانئ دبي والشارقة ورأس الخيمة، وارتحلت في اسفاري بين البحرين والهند ومصر واليمن، وقطر، وكانت مليئة بالمجازفات والمغامرات من اجل الكسب، وكنت احصل على كل تولة ذهب اشحنها 10 روبيات هندية اتقاسمها مع من معي من البحارة، وكنا نحمل ما بين 20 إلى 30 تولة، حيث ان ربح بيع الذهب مضمون، كما كنا نحمل في بعض الرحلات خشب (الشندل) من مليبار في الهند إلى البحرين وقطر، وعادة ما تبدأ رحلاتنا مع أوائل وأواخر الموسم عندما يسكن البحر وتهدأ العواصف، ورغم بساطة (الماكينات) محركات الدفع وصغر حجمها مقارنة بحجم المركب إلا انها كانت تدفعه بالاحمال التي تنقل على ظهره والتي كانت تتراوح ما بين 40 إلى 50 طنا، حيث كانت تستغرق الرحلة من البصرة في العراق إلى الهند من 5 إلى 6 أيام متواصلة، مع ذلك لم تكن تخل من المخاطر والمعوقات التي تعترض سير الرحلة وتعرقل من اندفاعها إلى وجهتها. ويقول من بين الصعوبات التي لم تزل عالقة في ذهني إلى اليوم عندما رحلنا من الهند محملين بأخشاب الشندل في طريقنا إلى البحرين، حيث كانت الرحلة في اواخر موسم (البحر) التنقل، وبمجرد ان بلغنا ميناء عدن أغلق الموسم وكان لابد لنا من الانتظار مدة 3 أشهر قبل متابعة السفر، ورغم درايتي بخطورة المجازفة، وما اسداه البعض من نصح بعدم المجازفة إلا انني عقدت العزم على الرحيل وبالفعل غادرت ومن معي من النواخذة و(الدريولية) السائقين، ولم نصادف اية صعوبات إلى ان بلغنا رأس جبل في سيحوت، وإذا بالريح تشتد عن عهدها، فطابقت السفينة المرفأ وقمنا بتنزيل الركاب، ومع حلول الفجر، وقع ما لم يكن في الحسبان، إذ داهمنا الطوفان ونحن على ظهر المحمل، وامتد لسان الموج ليتلقف كل ما قمنا بانزاله من خشب الشندل، وقطع حبال (الباورات) ، فبقينا في الميناء مدة، ورغم المسافة البعيدة بين سيحوت وراس الحد، إلا اننا امضينا في الطريق إليها 3 أيام من قوة دفع تيار الرياح، حيث جازفت ومن معي بان نواصل المسير، وكان المحمل مندفعا بسرعة كبيرة يقطع خلالها ما بين 12 إلى 13 ميلا في الساعة، حتى ان بلغنا صور العمانية، ولدي معارف فيها لم يصدق أحد منهم اننا قدمنا من عدن، فأهل صور اعتادوا انه إذا (دار البحر عليهم) وانتهى الموسم لا يخاطرون بحياتهم، ولأننا لم نكن في ذلك الحين على دراية بالبحر خاطرنا. الشجاعة مطلوبة البحر شجاع ويحتاج إلى رجال شجعان يواجهونه، والسفينة تتعب إذا لم يكن على ظهرها من يساوم بحياته، وجميع البحارة في ذلك الوقت كانوا مواطنين من أهل البلد، وكان آباؤنا من أهل البحر ويسافرون على ظهور المراكب دون محركات دفع، وكان جيلنا محظوظا لانه جاء في بدايات انتشار (المكائن) المحركات في المنطقة، وكان العمل على ظهر المحمل بنظام (الزامات) الورديات حيث يتألف طاقم المحمل من 12 بحارا يتناوبون على ادارة دفة العمل، ويلتمسون سبيلهم على المعالم الارضية وحساب البحر، حيث تعلمت حساب البحر من أحد النواخذة من منطقة صور التي بلغتها على ظهر مركب صغير في بدايات عهدي بالبحر، فطلب البعض خدمة التوصيل إلى الهند، فسألت عن معلم يرافقني الرحلة ويعلمني حساب البحر، فكان معي راشد بن احمد بن عبدالرحمن، واستفدت منه الكثير من المهارات، وحملنا معنا شحنة من التمر إلى مومبي الهندية، وبعد ان قضينا 5 أيام في مسقط تابعنا الرحلة إلى مومبي، وبعد عدة أيام عقدنا العزم على العودة إلى الديار، فعرض علينا بعض تجار البحرين أن ننقل شحنة من الموز إلى محرق، وكانت كمية كبيرة بلغت تقريبا 45 طنا، وكان وزن وحجم الشحنة يفوق الطاقة الاستيعابية للمركب، ولم تكن الكمية محفوظة في صناديق، وكان ذلك ايام الرياح وموسم الاعياد، مع ذلك وافقت، وبمجرد ان حملت كامل الكمية غاص جزء كبير من المركب، وبدأنا المسير والموج يكاد يغرق السفينة، حتى بلغنا جوادر وكان من معي يأكلون الموز بما فيه القشور، إذ لم تكن هذه الفاكهة مألوفة في منطقتنا، ولم تكن منتشرة إلا بين بعض الطبقات، وبعد ان أخذنا الزاد واصلنا المسير إلى جاشي، وحملنا منها ببعض صفائح وقود الديزل وتابعنا المسير إلى دبي لاستبدال الديزل قبل ان نواصل المسير إلى البحرين، حيث بلغنا المدينة قبل غروب الشمس، وبلغت أحمد بن حارب وكان مسئولا عن البحر، ويعتبره جميع النواخذة أبا لهم، فسألني عن وجهتي قلت له البحرين، قال بل أعقل مركبك، وعد عن مواصل المسير إذ ننتظر طوفانا وشيكا سيضرب الساحل، وبالفعل ما ان حل الصباح حتى هاج البحر وارتفع الموج، وكان مهدي التاجر قد عين حديثا مديرا لجمارك دبي بدلا من راشد بن احمد بن عبدالرحمن، وكان المغفور له الشيخ راشد بن سعيد آل مكتوم (يبرز في الفرضة الصبح) ، وكانت رائحة الموز قد عمت المنطقة باسرها، فارسل في طلبي بعد ان سأل عن صاحب مركب الموز، وكانت لدي اتفاقية مشروطة بتوصيل الشحنة إلى اصحابها في البحرين في الموعد المحدد، كما تلقيت برقية من البحرين يطالبني فيها أصحابها بضرورة توصيل الشحنة إليهم فورا، مع ذلك فقد أرسل إليهم مهدي التاجر بأن يصلوا دبي للتصرف في بضاعتهم، فالموسم لم يعد مناسبا لمواصلة المسير، فجاؤا وباعوا الموز، وكانت في تلك الايام عزيمة ثاني بن عبدالله، وعزم الشيوخ على مأدبة الغداء وتربع الموز سفرة الطعام. أمضيت من حياتي 40 عاما في البحر، كنا ايامها زمرة من الرجال نتحمل المشاق واهوال المفاجآت، ولكن البحر أوكل اليوم إلى عاتق الاجانب، فاصبحت البحارة والنواخذة جميعا من الآسيويين وغابت عنه اعين الرقيب. ان تطبيق قانون الصيد من جانب الصيادين المواطنين يعتبر من الخطوات المهمة للقضاء على الممارسات السلبية، ودخول مواطنين جدد إلى البحر وممارسة مهنة الصيد والتي تعتبر مهنة الآباء والأجداد، فابحار القارب من خلال صاحبه أو من ينوب عنه من المواطنين فيه مصلحة كبيرة سوف تعود عليهم في المستقبل من جميع الجوانب والحد من عمليات السرقة وتدمير المعدات المملوكة لهم من قبل الآسيويين. ان هناك جهودا كبيرة وطيبة من حرس الحدود لمنع القوارب المخالفة من الإبحار، رغم وجود محاولات من جانب بعض الصيادين للإبحار بدون نوخذة مواطن وارتكاب بعض المخالفات إلا ان حرس الحدود لم يسمح بذلك، وقد أحسست فعلا بأن البحر رجع لأهله بعد فترة لم نجد فيها هناك الكثير من الشباب المواطنين على استعداد للاشتغال بالمهنة والابحار نيابة عن أصحاب القوارب كبار السن والذين لا يستطيعون الذهاب إلى البحر ولكن في مقابل راتب شهري مجز ولا أظن ان هذا الراتب كبير بالنسبة لأصحاب القوارب مشيرا إلى ان عدم استثناء بعض الفئات سوف يؤدي إلى الجدية في توطين المهنة ويجب أن تدرس كل حالة على حدة. ثم عملت لمدة عام في صناعة المراكب مع محمد سعيد الملا قبل ان اودع البحر نهائيا إلى غير رجعة. وقد مضى علي حتى الان اكثر من خمس سنوات منذ ان بدأت العمل الحر بعيدا عن متاعب البحر واهواله. وقد هيأ الله في كل زمان من اهل الخير من يرعى حفظة كتاب الله ويعلم دينه فأسست المدارس الخيرية التي كانت ومازالت منارا للعلم والدين وحفظ القران الكريم ومركزا للدعوة والارشاد ابتغي بها رضوان الله عز وجل. وقد علمتني الحياة ان أكون رجل خير يعيد الفضل إلى وطنه، فبينما ازور (المعشرة) المقابر، واتردد على بيوت الله أرى من الاطفال اولادا وبنات من يمد يد الحاجة فاشفقت لحالهم، وقررت ان ابدأ مشروعا لتعليم من تقطعت بهم السبل في الدراسة من الاطفال الايتام والفقراء، وبدأناها في يوليو 2000 بدورة صيفية لتحفيظ القرآن الكريم إلتحق بها حوالي 90 طالبا وطالبة واثمرت عن حفظ البعض لكامل كتاب الله، ثم جاءت نقطة التحول من مشروع صغير لتحفيظ القرآن الكريم إلى مدرسة أهلية افتتحها المستشار ابراهيم محمد بو ملحة النائب العام لامارة دبي مع بدء العام الدراسي 2000 - 2001، وانتظم في فصولها الدراسية 120 طالبا وطالبة، ارتفع العدد فيما بعد إلى 180طالبا وطالبة، حيث خصصت الفترة الصباحية للطلبة والفترة المسائية للطالبات، واستمرت حتى نهاية العام الدراسي في 30 مايو 2001، وتلاها فتح باب التسجيل لتحفيظ القران الكريم خلال 3 اشهر الصيف، وألتحق بها 135 طالبا وطالبة من مختلف الفئات والمراحل الدراسية ومع بدء الدراسة للدورة الصيفية بلغ عدد المسجلين على قائمة الانتظار 500 طالبا وطالبة، غير انه مراعاة للطاقة الاستيعابية للفصول الدراسية تم اختيار 125 طالبا وطالبة اضافيا من قائمة الانتظار، ثم شمل المدرسة مشروع التوسعات الذي رفع العدد إلى 425 ثم 440 طالبا وطالبة. وتأتي الجهود المبذولة لانشاء هذه المدرسة وتأسيس مناهجها للاسهام في شرف خدمة القرآن الكريم، فجزى الله خيرا كل من ساهم في انجاح هذه المشاريع الدينية الخيرية وجعلها الله في ميزان حسناته صدقة جارية له ولاهله إلى يوم القيامة، وتتضمن فروع المجمع مدرسة بلال بن رباح الخيرية للبنين، وتضم 250 طالبا منهم 190 طالبا ينتظمون للدراسة في الفترة الصباحية، و60 طالبا يدرسون مساء، ومدرسة بلال بن رباح الخيرية للاناث وتضم 300 طالبة منهن 200 طالبة ينتظمن للدراسة خلال الفترة الصباحية، و100 طالبة في الدراسة المسائية. دورات صيفية كما تنظم المدرسة خلال فترة الصيف وعطلة المدارس دورات صيفية لتحفيظ القرآن الكريم والتجويد، وتضم 100 طالب وطالبة، وتبدأ الدراسة يوميا من صلاة العصر إلى المغرب باشراف أفضل المحفظين من دائرة الاوقاف والشئون الاسلامية بدبي، فضلا عن دورات تثقيفية عامة للكبار في العلوم الشرعية للمسلمين الجدد والشباب. وتضم المدرسة حوالي 500 طالب وطالبة من الفقراء والمساكين والايتام على اختلاف اعمارهم، ويشرف على المدرسة حوالي 30 معلما ومعلمة من اصحاب العلم والفضيلة، وتقوم المدرسة على احدث التجهيزات المدرسية الحديثة وتقدم الكتب والكراسات والمستلزمات والمساعدات واللباس والهدايا التشجيعية والمواصلات مجانا. وتتضمن المناهج القائمة عليها المدرسة في فصول المبتدئة تلقين جزء عم للحفظ، وتعليم القاعدة النورانية في قراءة القرآن مع التجويد بالنظر وهو مقسم إلى خمسة أجزاء، وتعليم مجموعة من احاديث رسول الله صلى الله عليه وسلم مع الشرح والحفظ، وتعليم اللغة العربية للصف الاول من منهاج الوزارة، وتعليم الحساب للصف الاول من منهاج وزارة التربية والتعليم والشباب، تعليم الاناشيد الدينية والادعية، وفي الفصول المتوسطة حفظ جزء «عم» ، و«تبارك» ، و «قد سمع» ، وقراءة القرآن بكامله بالنظر، وتعليم مجموعة من احاديث رسول الله صلى الله عليه وسلم مع الشرح والحفظ، ويلحق مع كتاب اللغة العربية للصف الثاني كتاب دروس واشياء، ومحاور للتقوية، واما كتاب الحساب للصف الثاني فهو من منهاج وزارة التربية والتعليم والشباب، وبالاضافة إلى ذلك يتعلم الطالب تعلم العلوم الشرعية عقيدة وفقه. بينما في الصفوف المتقدمة يطالب الطالب بالتفرغ لحفظ القرآن الكريم كاملا من الصباح ولغاية المساء، بالاضافة إلى المقررات الرئيسية الاخرى مثل دراسة اللغة العربية للتقوية محادثة وقواعد، ودروس في الاخلاق دراسة وحفظ، وممارسة الخطابة، والعلوم الشرعية دراسة العقيدة والفقة، وتعليم علوم الحاسب الالي وممارسة تطبيقاته. ومن اهداف المدرسة تعليم القرآن الكريم قراءة وتجويداً، وتعليم العلوم الشرعية عقيدة وفقه وحديث، وتعليم الخطابة والتربية الاخلاقية للطلاب والطالبات، والاشراف على غرسها في عقولهم ونفوسهم، وتعليم مبادئ علم الحاسب الالي وتطبيقاته لتمكين الطلبة من مواكبة متطلبات العصر، والاهتمام الكامل ببناء شخصية الشاب المسلم الصالح، وكذلك بناء شخصية الفتاة المؤمنة التي ستكون اما مربية صالحة. ومن بين المشاريع الحالية والمستقبلية بناء وقف عبارة عن مبنى تجاري استثماري للانفاق على المدرسة والطلاب والطالبات، وبناء مدرسة كبيرة متكاملة من دورين فيها 26 فصلا للذكور، وهي تحت الانشاء حاليا، وبناء مدرسة مماثلة للاناث مستقبلا، واعداد وانشاء حديقة بجانب المدرسة متكاملة لانشطة الطلبة، وتوسعة المسجد الحالي لتزايد عدد المصلين يوم الجمعة والعيد إلى ألفين و500 مصل. حوار : خالد درويش