العتبة الخضراء أشهر ميادين القاهرة وأعرقها تاريخياً، لم يبق من مجدها سوى الاسم وبعض المباني التي نجت من يد زحف القبح المعماري، وهوس «بيزنس» مرحلة الانفتاح الاقتصادي، فهي لم تعد خضراء سوى في النكات الشهيرة التي تدمغ كل ساذج بأنه «اشترى العتبة» على غرار الممثل الكوميدي الشهير اسماعيل ياسين في فيلمه «العتبة الخضراء». لم يبق في العتبة الخضراء وميدانها الشهير بالأوبرا، مبنى الأوبرا الشهير الذي التهمه حريق غامض، في النصف الاول من سبعينيات القرن الماضي، مثلما التهم قصر الجوهرة، كما زحفت المباني لتلتهم حديقة الازبكية، وتترك بالكاد مساحة صغيرة تذكر بها. تحولت العتبة الخضراء من متنزه القاهريين على مدى خمسة قرون الى سوق ضخم يجمع ما بين الباعة الجائلين وأحدث محلات التجارة في كل شيء من الملابس والعطور وحتى الأجهزة الكهربائية. ولعل التحول الذي شهده الميدان الشهير من السياحة إلى التجارة هو السبب الرئيسي في الزحام الحالي كما أن موقعه الفريد الذي جعله منفذا لأهم الأسواق مثل الموسكي والرويعي وشوارع عبد العزيز والأزهر وبورسعيد ومحمد علي كان سببا إضافيا لهذا الزحام، ولكن مهما كانت الأهمية التجارية التي إكتسبها هذا المكان فإن التاريخ الحافل له على مدار حوالي خمسة قرون والدور الذي لعبه في وجدان المصريين كمتنزه ومكان للمتعة والتسلية يظل هو الأهم، ولعل ما كتبه المؤرخون عن الأزبكية والعتبة يؤكد على أهمية هذا الدور ونحن هنا نحاول أن نستعرض بعضاً من تاريخ الأزبكية والعتبة وربما يكون الدور الفني الذي لعبه هذا المكان هو الأكثر حضورا في وجدان القاهريين. بركة الأزبكية هي البداية ظل حي الأزبكية لعدة قرون موطن النشاط الفنى بالقاهرة، فقد انتشرت حول بركة الأزبكية في المكان الذي يشغله الآن ميدان العتبة وميدان الأوبرا وحديقة الأزبكية أماكن للهو والسمر والمقاهي ومحال خيال الظل، وكان شعراء الربابة ورواد السيرة الشعبية والمطربون يسامرون رواد المقاهي والحانات، وعلى ضفاف البركة شيد أمراء المماليك والوجهاء. قصورا فخمة لسكناهم أحاطت بها البساتين والحدائق، وعندما جاءت الحملة الفرنسية إلى مصر أنشأ نابليون مسرحا كبيرا «بوجه البركة» مثلت فيه مسرحيات فرنسية للترفيه عن الجنود لكن المسرح تم تدميره خلال ثورة القاهرة الأولى عام 1799 وعندما تعرض الفرنسيون لنضال الوطنيين تقرر نقل الإدارات الفرنسية المختلفة والمخازن والجنود إلى وجه البركة حيث كان يقيم قائد الحملة نابليون، وعندما استتب الأمر لمحمد علي في حكم مصر أمر بتنفيذ مشروع لتحويل بركة الأزبكية تدريجيا إلى متنزه، وعند الشروع في عملية تنظيم ميدان العتبة وفتح شارع محمد علي «القلعة» هدم، جامع أزبك وكثير من البيوت والزوايا والحمامات والربوع والحوانيت وردمت البركة عام 1864 بعد أكثر من أربعة قرون من حفرها وشيدت حديقة الأزبكية في عهد الخديوي إسماعيل وأسندت هذه المهمة إلى مسيو دلشفياري مفتش المزارع الخديوية والأميرية، وأقيمت بالحديقة جبلاية صناعية وفي عام 1869 أنشئت دار الأوبرا الخديوية التي احترقت عام 1972 وفي عام 1873 نصب تمثال إبراهيم باشا ثم شيد فندق الكونتننتال عام 1899 وكانت مساحة الحديقة حوالي 21 فدانا وفي عام 1954 بعد قيام ثورة يوليو بعامين امتد شارع 26 يوليو يخترق الحديقة ويقسمها إلى شطرين وفتحت أبواب الحديقة للجماهير بعد أن أزيلت أسوارها وأقيم بها مسرح العرائس ومسرح الطليعة بجوار المسرح القومي وكان الهدف من إقامة المسارح هو الرغبة في إستمرار الدور الفني الذي لعبه حي الأزبكية. من زرقاء الى خضراء وإذا كان الناس يتذكرون جيدا اسم العتبة الخضراء كجزء من تراث قديم معتقدين أن هذا الاسم مرتبط بمساحات كبيرة خضراء كانت تحيط بالمكان فإن ما جاء في كتاب «أسماء ومسميات» في القاهرة يشير إلى قصة طريفة لهذا المسمى كان بطلها الخديوي عباس حلمي الأول، فقد جاء بالكتاب بعض التفاصيل عن سبب التسميه بدأها المؤلف بما ذكره ابن إياس في حوادث عام 880 هـ والذي يقول أن الأرض التي كان يشغلها الميدان منذ ما يقرب من خمسمئة عام كانت مجرد بركة يغذيها بالماء خليج كان يسمى خليج «الذكر» وعرفت هذه البركة وقتها ببركة بطن البقرة وأن أزبك بن ظعج وهو من مماليك الأشرف برسباي وصهر الظاهر جقمق هو الذي بدأ في عمارة الأزبكية بعد أن كان كيمانا وأرض سباخ فمهدها وجدد حفر البركة وعمارة قنطرة خليج الذكر وبني رصيفا أحاط بالبركة وبلغ ما أنفقه أزبك على عمارة الازبكية التي إنتسبت إليه بعد أن كان اسمها بركة «بطن البقرة» حوالي مئتي ألف دينار ثم شرع الناس يبنون على حافتها القصور الفاخرة والدور الجليلة حتى صارت مدينة على إنفرادها وأنشأ الأتابك أزبك جامعا كبيرا وربوعا وحمامات قياسر وطواحين وكان الناس في كل سنة يضربون حولها الخيام في موسم الفيضان ويقع من القصف واللهو مالا يزيد عليه، وعند دخول العثمانيين مصر عام 923هـ 1517 م بنى رضوان كتخدا الجلفي دارا عند الحافة الشرقية للبركة محل بيت «الدادة الشرايبي» وكانت هذه الدار معروفة عند العامة وأولاد البلد باسم «العتبة الزرقاء» وظلت هذه الدار قائمة حتى آلت في عهد محمد علي إلى طاهر باشا ناظر الجمارك ثم إلى الخديوي عباس حلمي الأول بن طوسون فهدمها وأعاد بناءها وأطلق عليها اسم العتبة الخضراء لأنه كان يتشاءم من اللون الأزرق وفي تنظيم ميدان العتبة في عهد الخديوي إسماعيل أصبحت هذه الدار وسط الميدان تقريبا فأطلق على جزء من الميدان العتبة الخضراء وعلى الجزء المتبقي ميدان أزبك، ثم أصبحت الدار مقرا للمحكمة المختلطة عند إنشاء القضاء المختلط في مصر ثم شرع في توسعة الميدان فهدمت الدار وانتقلت المحكمة المختلطة إلى مبنى بشارع فؤاد الأول 26 يوليو حاليا، وهو الآن مقر دار القضاء العالي، ولما تزوج الملك الراحل فاروق من الملكة فريدة أطلق إسمها على ميدان العتبة ولكن بعد ثورة يوليو أعيد إلى الميدان اسمه. متنزه الاكابر وحي الملذات وقد شهد لهذا المكان المؤرخون والرحالة والشعراء الذين أبدعوا في وصف بركة الأزبكية فقال عنها الأديب والرحالة الفرنسي «سافاري» عند زيارته لمصر عام 1776 والتي استمرت ثلاث سنوات أن أكثر الزحام كان عند الأزبكية وهي أوسع مناطق المدينة ويبلغ محيطها نصف فرسخ، والبحيرة رحبه محاطة بقصور البكوات وهي أجمل بيوت المدينة وتضاء بأنوار مختلفة الألوان وتسبح فوقها آلاف من أضواء متحركة تتغير مشاهدها كل لحظة وعند قدوم الليل نرى من المراكب ذهبية اللون الخاصة بكبار الشخصيات يتنزهون بها مع زوجاتهم ولا يمضى يوم دون أن تطلق فيه الألعاب النارية، أو تسمع فيه عزف الموسيقى وتفتح المشربيات والستائر وترى في النوافذ كثير من سيدات الطبقة الراقية، إن منظر البركة في الليل واحد من أجمل المناظر التي يمكن للعين أن تراها وعن الأزبكية قال الحسن بن محمد الوزان «ليون اللإريقي» الذي شهد الفتح العثماني لمصر عام 157 في سفره الفريد وصف أفريقيا إنها ساحة كبيرة يوجد بها قصر فسيح ومدرسة عجيبة بناها مملوك اسمه يزبك كان فيما مضى مستشارا لأحد السلاطين وسميت الساحة من أجل ذلك بالأزبكية يجتمع فيها عادة جميع سكان القاهرة كل يوم جمعة بعد الصلاة والخطبة لأنهم يجدون فيها بعض المسليات، ويجتمع أيضا في الساحة عدد كبير من البهلوانيين وبالأخص من يرقصون الإبل والحمير والكلاب وهو منظر ممتع حقا. وأشار الكاتب والرحالة «دي تيفيو» الذي زار القاهرة عام 1656 وتحدث عن مشاهداته القاهرية في كتابه «رحلات في أوروبا وآسيا وأفريقيا» فقال: بالقرب من الطريق المؤدي إلى بولاق استرعى إنتباهي حي أسماه «لزبيكه» وقصد به «الأزبكية» وقال أن الماء يبقي فيه حوالي أربعة أشهر كل عام وقد شيدت حول البركة قصورا رائعة الجمال للبكوات وأمراء البلاد والذين يذهبون إليها طلبا للراحة والاستجمام وقد أشار المؤرخ العظيم «الجبرتي» إلى شهرة الأزبكية كمركز للتنزه والملذات والمتع الليلية في وقت الفيضان، ومن أشهر الدور والقصور التي أوردها الجبرتي في وصفه للأزبكية والتي كانت تشرف على البركة مباشرة دار محمد بك الألفي وكانت من قبل ملكا للسيد إبراهيم بن سعودي فهدمها الألفي وشيدها من جديد لكنه لم يهنأ بها فقد اغتصبها منه الفرنسيون واقام بها نابيلون وجعلها مقراً لقيادة الحملة الفرنسية ومن الدور الشهيرة أيضا حول البركة دار الشيخ عبد الله البراوي شيخ الأزهر ودار السيد الدمرداش والشيخ حسن المقجسي والشيخ المرحومي كما شيد علي بك الكبير لزوجته الست نفيسة قصرا فاخرا عام 1770 وكان بها أيضا قصر لرضوان بك، وكانت مدرسة الألسن عند إنشائها تطل على البركة عندما كان رفاعة الطهطاوي ناظرا لها إلى أن أغلقها الخديوي عباس حلمي الأول عام 1850 وتحولت إلى فندق للقوات البريطانية القادمة من الهند عرف فيما بعد بفندق شبرد، وكان يشرف على البركه حي «الأقباط» المعروف بحارة النصاري وكانت دوره مزينة بالمشربيات الرائعة وكان بهذا الحي عدد من الفنادق وكثير من الحوانيت والمقاهي، وفي تقرير لقنصل الولايات المتحدة بتاريخ 9 نوفمبر عام 1872 أرسله لوزارة الخارجية الأميركية أورد فيه وصفا لمنطقة الأزبكية قال فيه كانت البقعة الشاسعة المعروفة بالأزبكية تقوم على جوانبها مجموعات من الدور الأوروبية يتألف منها الحي الأفرنجي ولم تكن هذه البقعة أيام الفيضان إلا بحيرة واسعة فإذا إنحسرت المياه أصبحت مأوى للكلاب ومسرحا للجنايات ومجتمعا للسوقة وقد تحولت اليوم إلى حديقة عمومية رائعة الجمال ذات ممرات رملية وطرقات ظليلة ومروج خضراء، ومما يأخذ فيها الألباب بحيرة صناعية آية في الجمال وتحف بهذه الحديقة أبنية أخاذة المنظر منسقة على طراز واحد. القاهرة ـ مكتب «البيان»: