الدلالات في اليمن أسواق متنقلة يأتين الى المنازل في القرى والمدن على حد سواء يعرضن بضائعهم وسلعهم على ربات البيوت، مظهرهن اليومي، وهن يحملن أكياساً مملوءة بأنواع السلع والبضائع يجبن الشوارع وصولاً الى المنازل والبيوت المقصودة هو مظهر مألوف يطبع الحياة اليمنية ببساطتها ومشقتها اللا متناهية في زمن العولمة والتسوق عبر الانترنت وفي زمن التحولات والمتغيرات هذا الذي تتبدل فيه طرق العرض وأنواع الأسواق وفخامتها وأبهتها لتواكب التقليعات والموضة وتلبي الرغبات والأذواق المتباينة. تطالعك «الدلالة» بوجه مكدود وملامح الاعباء وسط صخب وضجيج السيارات والمارة في شوارع العاصمة صنعاء لنحكي بذلك استمرار مهنة احترفتها المرأة اليمنية منذ القدم لتداري بها حاجتها وسد رمقها او رمق من تعيل من ابنائها لتظل حاضرة باقية ورغم تطورات ومتغيرات العصر اللا متناهية بل ان اعداد الدلالات من النساء في تزايد كما يقول عبد الباقي سيف المدرس في التعليم الاساسي ويرجع سيف هذا التزايد الى الظروف الاقتصادية الصعبة التي يعيشها المجتمع اليمني خلال السنوات العشر الماضية موضحاً ان مهنة الدلالة عرفت تراجعاً ملحوظاً قبل ان تدخل اليمن في الظروف الاقتصادية الحالية التي افرزت واقعاً اجتماعياً تزايدت فيه نسبة الفقراء. اما قبل هذه الظروف الاقتصادية الصعبة فكانت هذه المهنة محصورة بنساء محدودات للغاية توارثن هذا العمل ابا عن جد وسميت اسر بهذا الاسم الذي يشير الى امتهان الام او الاخت او الاب هذه المهنة وظل الامر على ما هو عليه الى ان تزايدت المصاعب الاقتصادية التي أدت الى قسوة الحياة على العديد من الأسر اليمنية. قسوة الظروف اضطرت الكثير من النساء في الأسر التي واجهت قسوة تلك الظروف الى امتهان هذا العمل وهو عمل شريف ويدر دخلا مهماً ويضيف سيف ليس عودة مهنة الدلالة نابعاً من ظروف ذاتية فحسب بل وظروف مجتمعية لان الفقر وتعقد الحياة المعيشية اضطر الكثير من الأسر الى الشراء من الدلالات نظراً للتسهيلات التي تقدمها الدلالة للزبائن الذين يكونوا في العادة من النساء ويجدن في الشراء من الدلالة تسهيلات وميزات قد لا تتوفر في السوق ومن هذه التسهيلات والميزات البيع بالتقسيط المريح وتلبية الرغبات العاجلة والملحة لربات البيوت التي تحتمها ظروف طارئة مثل وجود ضيوف او الخروج الى حفل عرس او لتلبية دعوة وهذه حالات تكون فيها المرأة بحاجة ماسة الى بعض مستلزمات الزينة لها او لبناتها او بحاجة الى ادوات للطباخة لتلبية احتياجات الضيوف من الملاعق، كثيرا ما تكون موجودة لدى الدلالات اللواتي يتوافدن بشكل دائم على المنازل والبيوت في مثل هذه الظروف الطارئة والمستعجلة ويبعن سلعهن بالسلف المقسط والمريح. وكان الكثير من الأسر اليمنية ان لم يكن اغلبها باتت تعاني من تراجع السيولة النقدية تجد في الشراء من الدلالة عرضاً مغرياً حتى وان كانت الأسعار المطلوبة لسلعها مرتفعة نسبيا مقارنة بما هو عليه الحال في السوق لكن البيع بالاجل المقسط يغري على الشراء واقتناء الحاجات التي قد تكون في بعض الأحيان غير ضرورية لكن التسهيلات المقدمة تدفع الى اقتناء النساء لتلك الحاجات. أم عبدالله دلالة مشهورة وبضائعها وسلعها المعروضة هي من الاكسسوارات والملابس للأطفال وقباضات الشعر وغيرها تقول، انها تنطلق من منزلها كل صباح الساعة الثامنة محملة بصرتها تلك لتبدأ الطواف اليومي على حي بعينه تحدده سلفا في المساء ويكون الهدف هو استخلاص الديون السابقة التي مضى عليها اسبوع او اكثر وايضا عرض سلع جديدة وتؤكد ام عبدالله انها بعملها هذا تفادت مذلة السؤال للناس وانها لم تخرج الى هذا العمل الا منذ اربع سنوات بعد ان تركها زوجها ورحل عن الدنيا مخلفاً وراءه اربع بنات وثلاثة صبيان. وتضيف لو لم أعمل بهذه المهنة لطردنا صاحب البيت المؤجر لنا المنزل بستة الاف ريال ولتشردت انا واطفالي لكن الحمد لله بعد ان بدأت بهذا العمل استطعت ان احافظ على الأسرة والبنات اثنتان تواصلان دراستهما واحدة في الصف الاول الثانوي والثانية في ثالث اعدادي اما البنتان الكبيرتان فتعملان في المنزل لاعداد الطعام والأطفال الثلاثة يدرسون واحد في الصف الاول اعدادي والاثنان الاخران في صف خامس ورابع ابتدائي. وتقول ام عبدالله انها مثلما تبيع بالتقسيط تشتري من تجار الجملة بالتقسيط الذين هم بدورهم يراعون ظروفها مضيفة: على هؤلاء التجار ان يحمدوا الله حيث نقوم بتصريف سلعهم وهذه هي الحياة يا ابني فانا ابدأ عملي في الصباح من الساعة الثامنة وأعود الى المنزل الساعة الواحدة لتناول الغذاء والانتباه على الأطفال ثم أعود للعمل الساعة الرابعة الى حدود الساعة السابعة مساء وأحياناً الى الثامنة وهناك بعض الأيام التي أتغدى فيها عند بعض الزبونات الطيبات ممن صار يربطني بهن صداقة ومودة. زيادة ومشاكل ووفق ام عبدالله فان السنوات الاخيرة شهدت تزايداً في اعداد الدلالات وكما نلاحظ فان الشوارع مليئة بهن والمنافسة كبيرة لكن المعرفة واللباقة والاخلاق مع الزبونات لها دور في تفضيل واحدة على اخرى والرزق في النهاية هو بيد الله. وعن المشاكل التي تواجهها في عملها قالت ام عبدالله المشاكل هي مماطلة بعض النساء في دفع ما عليهن وهذا يضطرني الى التردد عليهن اكثر من اللازم ويضيع علي الكثير من الوقت فبدلاً من ان اذهب في وجهتي المحددة اضطر للمرور على من عليهن ديون ويماطلن في دفعها ومن المشاكل ايضا هو انتقال بعض الاسر الى مساكن جديدة فهذا يتطلب مني وقتا اضافيا للبحث عن المدينات المتنقلات الى بيوت اخرى حيث يضطرني الامر لسؤال الجيران والبحث عن العنوان الجديد واحيانا ينتقل البعض الى مدن اخرى وبالتالي لا اعرف لهم عنواناً لكن الحق يقال هناك من هؤلاء من يترك ما عليه عند الجيران وهناك من لا يترك شيئاً. اجمالاً يمكن القول ان تلك الوجوه الشاحبة لكثير من الدلالات اللائي يجبن الشوارع والاحياء داخل المدينة او بين القرى البعيدة مكدودات منهكات من الاعياء والتعب لا شك ان كل واحدة منهن مثلما ام عبدالله تخفي وراء حضورها اليومي غياب معيل الاسرة او تخفي اسباباً لا يعلمها سوى الله وحده والظاهرة في حد ذاتها تعبير عن المصاعب الاقتصادية للبعض لكنها ايضا للبعض الاخر ليست كذلك بل مهنة متوارثة تجد فيها صاحبتها متعة تدر عليها علاقات طيبة كما هو الحال للدلالة «محصنة» التي ظلت شهرتها تجوب الافاق تحسب النساء فيها روح الدعابة والنكتة ولولا ان الموت قد واراها مؤخراً لظلت احدى علامات الحي واستمراره على الرتل الذي الفه سكانه ولهذا فهم يجدون عزاءهم في ابنتها التي حملت الكيس من بعدها لكنها ليست بروح والدتها التي احبتها النساء في الحي وربما في كل الاحياء التي تتردد عليها.