أكدت مصادر عليمة لـ «البيان» ان عددا من المواطنين الاردنيين يعمدون الى اتلاف العديد من الآثار والشواهد التاريخية التي تقع على اراضيهم خشية من ان تقوم الجهات الرسمية المختصة باجبارهم على اخلاء او ترك منازلهم على اعتبار انها مناطق تاريخية لا يجوز العبث بها او السكن فيها. وعلمت «البيان» من المواطنين انهم والذين شددوا عدم الاتيان على اسمائهم انهم قاموا باتلاف الكثير من اللوحات الفسيفسائية واخفاء معالمها، ذلك بانهم كانوا قد اقدموا على شراء قطع ارض لم يكونوا على علم بأنها مناطق اثرية الا انهم وبعد ان بدأوا في بناء بيوت في هذه الارض وحفر الاساسات اكتشفوا ان ارضهم عبارة عن مستودع تاريخي من الفسيفساء والاثار والصخور متعددة الأشكال والألوان. ويعزو المواطنون سبب اتلافهم لهذه الذخائر الوطنية الى اسباب تتعلق بعدم تشجيع الجهات المختصة لهم اذا ما ابلغوا عن اكتشافهم لهذه الآثار وانهم على العكس من ذلك يتعرضون الى الملاحقة والمساءلة والعقوبة احيانا اذا ما تبين انهم ـ اي المواطنون ـ قاموا دون علم منهم باتلاف شيء من هذه الآثار. يقول أحد المواطنين انه وبعد سنين طويلة من العمل الشاق وجمع أموال من اجل شراء ارض والبناء عليها لبيت يأويه هو واطفاله بعيدا عن جور وتعب الايجارات واثناء قيامه بحفر أساسات البيت تبين له ان ارضه عبارة عن متحف اثري قديم فيه العديد من اللوحات الاثرية والفسيفسائية. وأضاف هذا المواطن ان عامل الجرافة التي كانت تحفر للاساسات جاء يسأله ماذا سنفعل بكل هذه الآثار وهذه اللوحة الفسيفسائية الضخمة فاشار له بان يقوم على الفور بجرفها واضاعة معالمها. وردا على سؤال حول السبب الذي دفعه ليقوم بهذا العمل الذي بالتأكيد كان خسارة للبلد ولآثاره قال لو انني قمت بالابلاغ عما وجدت لادخلت نفسي في دوامة المساءلة والمماطلة وربما العقوبة وبعد كل ذلك لن اخسر الا أرضي ومالي الذي ادخرته سنين طويلة. ويعرب هذا المواطن وهو رجل متعلم يهوى الاماكن التاريخية ويعشق جمع التحف عن حزنه لما هو مضطر ان يفعله ويقول كنت امام خيارين اما ان ابقى تحت رحمة الايجار واصحاب الملك الى الابد اوان اسكت عما وجدته واتخذ قرارا سريعا باتلافه خشية ان يتم فضح الأمر. ويؤكد هذا الرجل انه ليس الوحيد الذي فعل هذا الامر، بل ان كل المواطنين ابناء منطقته قد اعتادوا على هذه المسألة لانهم يجدون في الالية التي تقوم الجهات المختصة بها عند الابلاغ عن اكتشاف معلم اثري او لوحة فسيفسائية الكثير من التعقيد والتعب بالإضافة الى خسارة المال او جزء منه على الأقل ويرون ان سكوتهم عن الأمر اجدى لهم. الا ان مديرية سياحة مأدبا ولدى عرض عليها ما سبق أكدت انه لا يمت للحقيقة بصلة. وقال لؤي فراج من المديرية انه من المستحيل ان يكون المشهد على هذه الصورة فالقوانين اولا وقبل كل شيء لا تسمح للمواطنين في المدينة بالبدء في عملية البناء اصلا الا اذا ما تم الموافقة الخطية من قبل مديرية السياحة والاثار في مأدبا كون المدينة اثرية وتكثر فيها مثل هذه المكتشفات، حيث تقوم المديرية وبحسب المخططات الموجودة لديها بالكشف فيما اذا كان في المنطقة فعلا موقع اثري ام لا وتأسيساً على النتيجة يتم الترخيص بالبناء او لا. في حين اكد فراج انه اذا ما تبين انها ارض توجد فيها مواقع اثرية فان مديرية السياحة تثمن الارض وفقا لتوصية من قبل دائرة الاراضي والمساحة وتقديراتها للثمن فيما يعطى المواطن فرصة للتسوية مع المديرية فاذا ما علم ان الارض تحتوي على مكتشفات اثرية قابلة للنقل والعرض في مكان اخر فان ما يتم فعله هو نقلها دون الحاجة الى ذات الارض المعنية اما اذا ما كان لابد من الاحتفاظ بقطعة الارض نظرا لان ما يوجد فيها موقع اثري كبير لا يمكن نقله فاننا ـ والحديث لفراج ـ نقوم بالطلب من دائرة الاراضي والمساحة بتثمين الارض وشرائها من صاحبها. وبحسب موظف مديرية السياحة في مأدبا فانه يستحيل على المواطنين الشروع في البناء دون ابلاغ الجهات المختصة بذلك خصوصا وان مدينة مأدبا صغيرة ولا يمكن اخفاء الامر بسهولة. وأكد الموظف المسئول في المديرية بان المديرية تتعامل بحزم مع اي مخالفة ترتكب من قبل المواطنين ضد المواقع الاثرية، حيث يخضع المخالف للمساءلة، الا انه استدرك قائلا ان اجراءات المديرية لا تسمح اصلا الى الوصول الى هذه المرحلة لانه لن يحصل على ترخيص بناء دون اتخاذ اللازم والتأكد بصورة قطعية ان المنطقة خالية من الآثار اصلا. وقال يحدث بصورة استثنائية ان نكتشف ان تحت هذا المبنى او ذاك موقع اثري فاذا ما استطعنا اخراجه دون ان نحدث اي تغيير في الموقع نفعل والا فاننا نقوم بشراء المبنى وهدمه واظهار الموقع الاثري الذي فيه، مشيرا الى ان المديرية تعمل وفق مبدأ ان اي مكتشف انما هو جزء من اسطورة تاريخية كاملة لا يجوز فقدان اي حلقة منها. ولكن ماذا عن الآثار المهملة والتي تحولت الى مجرد مكب نفايات! صدق او لا تصدق.. فان في الاردن ـ هذا البلد الذي يضع ثقلا مهما من اهتمام سياسته الاقتصادية على الاهتمام بالسياحة وعرض الآثار والمناطق السياسية على اكمل وجه وابهى صورة ـ يوجد به اثار مهملة.. بل واكثر من ذلك تحولت وعلى مدى سنين طويلة الى مجرد مكب للنفايات وحظائر حيوانات اليفة وغير اليفة واوكار لاعمال مشبوهة بكل ما يعنيه المشهد من رائحة كريهة ومنظر لا يمكن وصفه، ومشهد محير لمراهقين وعاطلين عن العمل يقضون وقتهم هناك.. انه ليس فقط تلوث بصري مقيت كان بالامكان بشيء من الاهتمام الى تحويله للوحة فنية.. تاريخية عابقة بالجمال، بل هو أيضا تلوث ثقافي ايضاً. تشعر بصدمة التناقض في البداية، وقليلا ما تتفهم المآل الذي صارت عليه هذه المنطقة الاثرية او تلك. وتتساءل: هل مرد ذلك لاننا نمتلك اعداداً كبيرة وشبيهة لهذه المناطق المنسية، مما يعني انه لا يوجد هناك طائل مادي منها فلدينا ما يكفي لنطلع السائح عليه، ام ان الامر يعود الى أن أحداً ما من علماء الآثار الاجانب لم يقرر بعد ان هذه المنطقة المنسية مهمة للغاية مما يعني مباشرة اهتمام المعنيين والمسئولين عنها ايما اهتمام؟ ام ان الامر متعلق بكليهما معا؟ الشواهد التاريخية على عصور مضت او ما يمكن تعريفها بمكب النفايات الفلاني او العلاني عريقة واصيلة انها ببساطة منازل تاريخية لاجدادنا او لجيراننا من الذين عاشوا هنا في قديم الزمان. يشير بعض المواطنين ان بعض الجهات المختصة تائهة الا ان اخرين يقولون ان التغافل عن مثل تلك المناطق مقصود نظرا لقلة ذات اليد، ولكن هناك العديد من الجهات المختصة التي يجب ان تفعل شيئا حيال ما يجري «في ومع» هذه الآثار والمناطق السياحية فاذا ما قلنا ان مديرية السياحة لا تستطيع ان تتكفل بكل حجر اثري وان الامر بحاجة الى طاقة مالية لا قدرة لها عليها فأين ذهب دور البلديات ولماذا لا تحرك ساكنا.. امام شباب عاطلين عن العمل والثقافة حولوا هذه الآثار الى خمارات واوكار مشبوهة، اما اذا ما نجت من مثل هذه الاشياء فانها بالتأكيد لن تنجو من ان تتحول الى زرائب للاغنام والحمير والارانب والدجاج والكلاب الضالة وغير الضالة. يقول أحد المواطنين الاردنيين بكثير من الحزن والاستياء وهو يشير الى احد المنازل القديمة المهجورة والتي تحولت إلى زريبة حيوانات.. هذه مآل المنازل القديمة التي عاش بها اهالينا واجدادنا قبل اكثر من قرن.. هنا استطاعوا ان يتأكدوا بان ابناءهم واجدادهم سيكونون اردنيين. ويضيف بعد ان تطورت الحياة بدل ان تتحول هذه المنازل التي مازالت واقفة وشامخة الى بيوت متاحف في كل مدينة هي فيها بعد ان تركها اصحابها وبنوا بعيدا عنها او بقربها منازلهم الجديدة اصبحت تستخدم لوضع نفاياتهم حتى تحولت حينا إلى اعشاش للحشرات الطائرة وغير الطائرة، والزواحف القاتلة كالأفاعي والعقارب وكذلك القوارض كالفئران الجرذان، حتى تحول بعضها الى خطر حقيقي على المواطنين وحياتهم.. وهذا المشهد ليس في الزرقاء «شرق العاصمة عمان» وحدها وليس في مأدبا «جنوب العاصمة» وحدها بل انه في معظم المدن الطفيلة الكرك ومعان «جنوبا» الى ام قيس «شمالا». وفي احيان كثيرة تتحول الى مناطق مشبوهة لشباب بحث عن ذاته فلم يجدها فقرر ان يدفن حاضره في منازل تحولت الى زريبة او مكب نفايات يتعاطون داخلها الخمور والمخدرات وممارسة مختلف الرذائل اضف الى ذلك كل اصناف ازعاج السكان من خلال تحويلها الى ساحات للقتال وتصفية الحسابات الشخصية.