ودع إيف سان لوران، امير الازياء الفرنسية كما لقبه الكثيرون المهنة التي احبها وحملها الى القمة، مقررا في ذروة مجده وفي الخامسة والستين من العمر الانسحاب ، هكذا وبكل بساطة مخلفا الندم والحنين في عالم احدث فيه الثورة. أتقن هذا الرجل الكبير والخجول الذي ساد في عالم الموضة اضاءة جمال المرأة واناقتها مصمما لها ثيابا دخلت في التاريخ وكان من اعماله السموكينغ والتنورة البنطال، والصحراوي، والقباء وترانش كوت والزي الواحد للجنسين وفستان ترابيز او موندريان، خرجت هذه الازياء الى الشارع بفضل تشكيلة من الالبسة الجاهزة ذات الاسعار المعقولة مقارنة بالازياء العالية والفخمة. وقد وضع عرض ازياء استعادي مثير في جو من الانفعال الكبير بلغ حواف الدمع، حدا ختاميا للمغامرة الاستثنائية لهذا الخياط العبقري الذي صرح وبدون تواضع متصنع: «ادرك انني دفعت بأزياء العصر الى الامام وأتحت للمرأة بلوغ عالم كان ممنوعا عليها اردت ان اكون في تصرف النساء، في خدمة اجسادهن وحركاتهن وهيئاتهن وحياتهن اقول لنفسي انني بنيت خزانة المرأة العصرية وساهمت في الابداع في زمني. دوى التصفيق الحار عندما اعتلت المنصة الممثلة كاترين دونوف الزبونة الصديقة الابدية لايف سان لوران لتقدم واحدة من اجمل اغاني باربارا وعنوانها «اجمل حكايات حبي، هي انت» وكانت مبررا لاطلاق العنان للانفعالات العامة في حين كان ايف سان لوران يحيى للمرة الاخيرة 2000 مدعو لهذا العرض الاخير وفريق العمل معه في مركز جورج بومبيدو في باريس وقد تم نقل العرض على شاشات هائلة امام المركز ليشاهدها عدة آلاف آخرين من الحاضرين. قبل اسبوعين من العرض كان سان لوران قد اعلن عن قراره بالوداع وباقفال دار الخياطة خلال المؤتمر الصحافي الوحيد الذي اجراه طيلة حياته، وكان قد دعا له بمقر الدار الذي شيده منذ اربعين عاما مع المحسن والممول بيير بيرجي، جلس وراء مكتب صغير بسترة وبنطال وربطة عنق سوداء 0لون ازيائه المفضل وقرأ تصريحا مؤثرا بدأه بتكريم «شانل الذي حرر المرأة، وهذا ما اتاح له بعد سنوات منحها السلطة بمعنى ما، وعبر تحرير الازياء». لم يتردد في ذكر «القلق» و«الجحيم» الذي عاشه طيلة حياته و«الخوف والعزلة الموحشة» التي عرفها، و«سجن الانهيار العصبي وسجن المصحات ايضا» من كل هذه خرجت ذات يوم منذهلا لكن «خالي الوهم» في الواقع قال بيير بيرجي عن هذا المبدع انه «ولد مصابا بالانهيار العصبي» وهذا ما ادى به الى العيش بقلق دائم منسحبا غالبا من الجموع لكن لم يمنعه هذا من ان يعرف مصيرا استثنائيا حتى مغادرته «كسيد». ولد ايف ماتيو سان لوران في وهران (الجزائر) اول اغسطس 1936 وجاء الى باريس في السابعة عشرة من العمر تحت ابطه رسوم ازياء اعدها واصبح عام 1955 مساعد كريستيان ديور، احد اشهر خياطي زمنه لكن وفاة المعلم في اكتوبر 1957 دفعت به لان يكون مدير الدار الفني وكانت مجموعته تحت عنوان «ترابيز» في يناير 1958 حملت اليه التبجيل من على شرفة مقر ديور، استدعى عام 1960 لتأدية الخدمة العسكرية لكنه اطلق منها لاسباب صحية على اثر انهيار عصبي ولدى شفائه كان قد استبدل عند ديور بمدير هو مارك بوهان. ولم يهمه لان سان لوران اسس داره عام 1961 بالتعاون مع بيير بيرجي، حققت مجموعته الاولى التي عرضها باسمه 29 يناير 1962 نجاحا باهرا لم يخمد منذ ذلك الوقت ثم تتابعت الشرارات عام 1964 مع اول عطر تحت ماركة سYز وظهور فستان موندريان ومن ثم مجموعات تكريم بيكاسو وبراك وماتيس وفان غوغ، وايداع اول سموكينغ للمرأة عام 1966 وافتتح اول محل تجاري في باريس الضفة اليسرى واخرج مجموعة بامبارا عام 1967 المستوحاة من افريقيا وعام 1968 الزي الصحراوي وعام 1969 افتتح اول محل للثياب الجاهزة الرجالية واطلق عطر «اوبيوم» عام 1977 الذي عرف نجاحا لا مثيل له، عام 1981 صنع ايف سان لوران «الثوب الاخضر» للكاتبة الفرنسية مرغريت يورسنار، وكانت اول امرأة تدخل الاكاديمية الفرنسية وبعد سنتين من ذلك التاريخ كرس له متروبوليتان ميزيوم في نيويورك معرضا استعاديا وكانت المرة الاولى التي يكرم فيها خياط حي. امطرته الجوائز من كل صوب بما فيها اوسكار اعظم خياط لمجموع اعماله الذي استلمه في مبنى الاوبرا في باريس عام 1985 وجوائز مبدعي ازياء آخرين في اميركا. ايف سان لوران هو اول خياط استعان بعارضات ازياء افريقيات لتقديم ازيائه كما اخرج الديكور وصمم ازياء للمسرح وللباليه، وألبس نجوما من عالم الفن مثل ارلتي ومادلين رينو وكلوديا كاردينال والراقصة زيزي جانمير، وبالطبع كاترين دونوف. اكتفى سان لوران مبررا مغادته «والانفطار» الذي خلفه، «تؤلمني معركة الاناقة والجمال ولا يخصني عالم الزي الجديد الذي اصبح «تتميق اسلوب» لقد تخلينا عن الاناقة والجمال. كانت كلمة الختام في مقابلة قصيرة معه على التلفزة بعد الوداع اذ قال: «اخترت التخلي لانه لم يعد باستطاعتي تحمل القلق جسديا وهذا القلق تضاعف مع السنوات واصبح اليوم لايطاق». اما عن مشاريعه؟ فبعد فترة استراحة في منزله المدعاة للحلم في مراكش محاطا بمجموعته الفنية، «سيكتب وسيسافر وسيكتشف مصر والهند و... سيتعلم الرسم» ايضا!!