في مشهد لم يسبق له ان تكرر في تاريخ المافيا الايطالية كان المئات يتكدسون في قاعة المحكمة الشبيهة بمستودعات الفحم فيما كانت مناظرهم توحي بان هؤلاء المتهمين، ربما تم استدعاؤهم من مكان مثل هوليوود وانهم في غالبيتهم يقومون بادوار شبيهة بالادوار التي يقوم بها رجال العصابات الاشرار بعضهم كان يرتدي بنطلونات قصيرة ويتقاطر عرقه على ملامح تنبيء بانه لم يحلق ذقنه لايام وكانت تهديداتهم المرعبة ترسل من داخل الاقفاص الحديدية المدعمة وفيما تمكن كل منهما من ادانة 300 متهم من رجال المافيا صدرت ضدهم احكام في سنة 1987 الا ان فالكون وبور سيلنيو دفعا في النهاية الحد الاقصى من الثمن الذي يمكن ان يحصل عليه قاض يقوم باطول محاكمات للمافيا في تاريخ القضاء المعاصر. المافيا الجديدة تعيش فيما يبدو توجها جديدا يقتضي التحاق افرادها من الشباب بكليات ادارة الاعمال وتقلد النساء لمناصب عليا في سلمها الوظيفي لكن هذه المسرحية التي يعاد انتاجها في كل مرة هل تصل الى نهايتها السعيدة حقا؟ فيما كان العالم يتصور انها المحاكمات الاطول في التاريخ لعصابات المافيا الاكثر خطورة على مستوى العالم في منتصف الثمانينيات كانت المحاكم الايطالية تستجوب مئات المشتبه بقيامهم بجرائم تتراوح ما بين القتل الى الارتباط بجماعات ارهابية اجرامية وفي جزء منها كانت تلك الاستراتيجية الخطيرة التي طالت فيما وصلت اليه عصابات كوسا نوسترا في عقر دارها تشير الى انتصار ساحق اكتسح في ذلك الوقت كل من استطاعت ان تمتد اليه ايدي قضاة محنكين من امثال جيوفاني فالكون وباولو بورسلينو. اليوم وبعد مرور عشر سنوات على حادث مقتل كل منهما على يد رجال المافيا يعترف خبراء الجريمة المنظمة بان احدا من افراد العصابات الاجرامية لم يعد يشبه سابقه الذي تمت مقاضاته في تلك المحاكمة الطويلة في تاريخ ايطاليا. لالقاء نظرة على المشهد الجديد يقول هؤلاء ان شخصية رجل المافيا قد بدأت بالتغير منذ الثمانينيات فيما يمكن ان يطلق عليه الوجه المعاصر لرجل المافيا الذي يختفي وراء قناعين احدهما لخريج جامعي انيق المظهر والآخر لرجل «عصامي» استطاع ان يشق طريقه بصعوبة بالغة ليتبوأ مركزا قياديا خطيرا في شبكة منظمة للجريمة. هذا الوجه الجديد على الرغم من انه يبدو اقل قسوة الا انه ليس اقل خطورة وكل ما هنالك هو ان المافيا قد بدأت بتغيير استراتيجيتها. ويكفي ان ايطاليا كانت قد تلقت انذارا شديد اللهجة قبل اسابيع بان العنف سيستمر في كونه اداة رئيسية من ادوات الجريمة المنظمة وان الموجة الجديدة من استقطاب العناصر النسائية لا تعني على الاطلاق التحول من مؤسسة للعنف الى مؤسسة ملتزمة اخلاقيا. جدل طويل ووسط موجة من الجدل حول اهمية الدور الذي تلعبه المرأة في استراتيجياتها الجديدة نشر خبراء الجريمة المنظمة تقارير تفيد ان اقتحام المرأة هذا المجال اصبح كفيلا باخراجها حتى عن دورها التقليدي في الهيكلة الداخلية لشبكات المافيا وفي بلدة قريبة من نابولي ابلغ رجال الامن المحليون بوقوع اشتباك بين عدد من النساء العاملات في صفوف المافيا فجره عداء قديم بين عائلات هؤلاء النسوة. وبوصفه حادثا غير مسبوق فقد كان ذلك هو اغرب ما حدث في تاريخ عصابات المافيا وفي اعقاب تبادلهن اللكمات والتهديدات في احد صالونات التجميل في عطلة نهاية الاسبوع بدأت مجموعات اخرى من قريباتهن بالتوافد على الصالون باعداد كبيرة ثم قامت باطلاق النار من اسلحتها الاوتوماتيكية فقتلت ثلاث منهن وبقيت اثنتان في حالة حرجة. وسواء تمت تسوية النزاع في مركز الشرطة واحتجاز بعض هؤلاء النسوة فان مسلسل العنف الذي تورطت فيه المرأة لم ينته. تصريحات دامية وربما كانت هذه الصراعات الدامية لا تمثل سوى البداية بالنسبة لبعضهن فحتى اليوم لم تكف قوائم شبكات الجريمة المنظمة عن اصدار تقارير تتضمن صراحة الاشارة الى ان اعداد النساء اللاتي بدأن بالتقدم نحو الحصول على مناصب اكثر اهمية آخذة في الارتفاع وان تلك المناصب تشكل قوة حقيقية بالنسبة للنساء اللاتي اصبح بعضهن يرثن المهنة عن ازواجهن او اخوتهن الذين يقبعون وراء القضبان. وفيما يحتدم الجدل حول الدور الذي تلعبه المرأة في عصابات المافيا الايطالية يزعم البعض بان امرأة مثل نينيتا باغاريلا زوجة احد كبار زعماء العصابات التي عرفها تاريخ ايطاليا كانت هي العقل المدبر للممارسات الوحشية التي قام بها زوجها. يقول احد المسئولين ان دور امرأة المافيا يتجاوز حدود دورها التقليدي كزوجة وربة اسرة مسئولة عن بيتها هؤلاء النسوة لا يقتصر دورهن في الحصول على الاذن بل يشمل منحهن الآخرين اياه. حقيقة اخرى اكثر اهمية تطرح نفسها عندما يعرف المرء ان الهدف الرئيسي الذي تركز المافيا على الوصول اليه لم يعد هو الحصول على الاسلحة الضرورية للقيام بعملها بل تحقيق المكاسب المالية بعملها والحصول على الربح بأي وسيلة كانت وبالتالي فان صورة رجل المافيا القوي لم تعد تشبه سابقتها التي تعود الى مرحلة الثمانينيات وبالمقابل فهناك رجل اعمال ناجح شديد الاناقة شديد الارتباط باسرته يقف على اهبة الاستعداد للمشاركة في اكبر المشروعات واكثرها اهمية بالمساهمة في مشروعات جريمة منظمة تدر الارباح بطريقة خيالية. علاقات عريقة ضمن دفعاتها الاخيرة تخرج الجامعات الايطالية اعدادا من الشباب الذي ينتمون الى عائلات عريقة معروفة في تاريخ المافيا ويعلق احد المسئولين بجامعة باليرمو على هذا التطور غير المسبوق بقوله «ان ابناء هذه العائلات المافيوزية كلهم من الشباب الذين يحملون مؤهلات علمية عالية انهم مبرمجون ليعملوا على هذا النحو». وعلى نحو اكثر مأساوية تحمل اعداد كبيرة من هؤلاء الخريجين مؤهلات عليا في مجال القانون الامر الذي يسهل للمافيا الحصول على جيوشها من المحامين والمترافعين عنها امام المحاكم المختلفة «لقد توفرت لعصابات المافيا كل احتياجاتها من المحامين، وهناك تشكيلات اخرى من افرادها العاملين في مجالات ادارة الاعمال والهندسة وبرمجيات الكمبيوتر والبنوك والتجارة هذه هي الوجوه الاكثر معاصرة لرجال المافيا وبالنسبة للقانون فهم مجرمون متهمون بالقيام بكل انواع الجريمة. اخيرا يعقب جيوفاني كولوسي الخبير في شئون الجريمة المنظمة على التغيرات الراديكالية التي خرجت من خلالها عصابات المافيا بوجه جديد اكثر اثارة للجدل بقوله عبارة بسيطة ان المافيا ستبقى هي المافيا لايمكنها ان تتحول الى اي شيء آخر. نفس الحبكة شخصيات جديدة ومازالت نهاياتها السيئة تراوح في مكانها». مريم جمعة فرج