من طريف ما يروى، ان احد كبار علماء اللغة، عكف على دراسة الحرف «حتى»، حتى ظن انه اتى على كل ما يتعلق بها من معان واستعمالات، ولكنه بعد ذلك وجد نفسه يفكر فيها، ويعيد النظر في احوالها، فقال: «أموت وفي نفسي شيء من حتى». هذه المقولة الشهيرة يتجاوزها المحدثون ويرون انه يكفينا من «حتى» المعاني والاستعمالات الواضحة التالية: 1ـ حتى حرف جر: اكثر استعمالات «حتى» استعمالها حرف جر، بمعنى «الى» اي للانتهاء والغاية، كما في قولنا: سنجاهد حتى الرمق الاخير، وسنحرر ارضنا حتى آخر شبر فيها. ونلاحظ هنا ان «حتى» لا تجر إلا الاسم الظاهر الذي يكون نهاية لما قبله اي آخراً له، او متصلا بالآخر، وخير شاهد على ذلك الآية الكريمة: «سلام هي حتى مطلعِ الفجر» . 2 ـ حتى حرف عطف: وهنا تكون بمعنى وبمنزلة حرف «الواو» ويشترط في هذا الاستعمال ان يكون المعطوف اسما ظاهراً وجزءاً من المعطوف عليه حقيقة أو تأويلا، وغاية له في الرفعة أو الضعة، أو في الزيادة أو النقص. ومن امثلة هذا الاستعمال قولنا: وسع قلب الرسول كلّ الناس حتى العصاةَ «بنصب كلمة العصاة عطفا على المفعول به كل». ومن الامثلة الشعرية قول الشاعر: قهرناكم حتى الكماة، فأنتم تهابوننا حتى بنينا الاصاغرا 3 ـ حتى الابتدائية: في هذا الاستعمال تكون «حتى» حرف ابتداء غير عامل، تستأنف بعدها الجمل، سواء أكانت اسمية ام فعلية فعلها ماض او مضارع، ومن امثلة ذلك قول الفرزدق متعجباً من جرأة قبيلة كليب عليه: فواعجبا، حتى كليب تسبني كأن أباها نهشل او مجاشع من ذلك ايضا قول حسان بن ثابت مادحا الغساسنة: يغشون حتى ما تهر كلابهم لا يسألون عن السواد المقبل ومن اوضح الامثلة التي جرت مثلا قول الشاعر: هم يحسدوني على موتي فوا أسفي حتى على الموت لا أخلو من الحسد مثل السمكة: جمعا للمعاني والاستعمالات الثلاثة للحرف «حتى» يردد النحاة مثلا تصلح فيه «حتى» بكل المعاني يقول: اكلت السمكة حتى رأسِها «بجر كلمة رأسها على اعتبار حتى حرف جر»، وأكلت السمكة حتى رأسَها «بنصب رأسها على اعتبار حتى حرف عطف»، وأكلت السمكة حتى رأسُها «برفع رأسُها على اعتبار حتى ابتدائية، ويكون المعنى: حتى رأسُها أكلته». حتى ونصب المضارع: يشيع بين المبتدئين ان «حتى» من حروف نصب الفعل المضارع، مثل ان ولن وكي، غير ان العلماء المدققين يقولون: ان الفعل المضارع ينصب بعد «حتى» بأن مضمرة، فيكون قولنا مثلا: «سأسهر حتى يطلع الصباح» معناه «سأسهر الى ان يطلع الصباح». وعلى كل حال فإنه يشترط لنصب الفعل المضارع بعد «حتى» ان تكون «حتى» بمعنى «الى» اذا كان ما بعدها غاية لما قبلها، أو تكون بمعنى «كي» اذا كان ما قبلها سببا فيما بعدها. فمن شواهد ورودها بمعنى «الى» قوله تعالى: «وكلوا واشربوا حتى يتبين لكم الخيط الابيض من الخيط الاسود من الفجر» اي الى ان يتبين لكم. ومن ذلك قول المثل العربي: «لا يقطع الهندي حتى يشهَر» اي لا يقطع السيف، الى ان يشهر. ومن امثلة ورودها بمعنى «كي» قولنا: اسلم حتى تدخل الجنة، نبني جيشا قويا حتى نحمي الوطن، اي «كي تدخل الجنة» و«كي نحمي الوطن».