يستمد هذا الكتاب أهميته من أنه يعد من الكتب النادرة التي تنهض في وجه سلسلة الاصدارات التي انطلقت في الاعوام الأخيرة ضد العولمة وتجلياتها الاقتصادية والاستهلاكية، فهو يشدد على ان العولمة ليست شراً كلها كما يذهب البعض، وانها لاتعني بالضرورة المساس بالثقافات الوطنية، بل قد تؤدي الى تعزيزها. والمؤلف يناقش هذا كله من منظور محدد، هو صناعة السياحة. وفي الرحلة الهائلة عبر صفحات هذا الكتاب نحن على موعد مع تحليل مميز لما تعنيه السياحة باعتبارها أحد أهم مظاهر بدايات الاقتصاد المعولم ومع رؤية متكاملة لمد الجسور بين السياحة وإيجاد السلع وبينها وبين مفهوم الحداثة. يشير كيفن ميثان الى انه عارض صراحة التحليلات التبسيطية للسياحة ونبه الى المفاهيم المتشابكة للأصالة والموروث التراثي اللذين كانا موضوعاً سائداً في اطار التحليل السياحي واشار الى ان الكثير من الانتقادات للنمو السياحي تتجه لافتراض ان العصرنة كانت ظاهرة لها سلبياتها على نحو خاص وانها اثرت سلباً من خلال عمليات التسليع على اصالة الثقافات والاماكن ويحذر من انه عادة ما تقبل مشكلة التلوث الثقافي او اطلاق الاصالة من دون انتقاد باعتبارها شأناً عادياً من شئون الحياة الراهنة وكما ذكر كوبر كأن «باقي العالم محكوم عليه بما لا يقبل الشك بأن يكرر الدراما الثقافية التي لها بداياتها في الحاضرة الاولية». ويقول المؤلف انه حريص على طرح فكرة ان الاصالة، في اطار التحليل السياحي يمكن التكهن بها على اساس تصنيف ثنائي زائف ما بين غير العصري وينظر اليه على انه اصيل والعصري الذي ينظر اليه على انه غير اصيل واذا نظر الى هذه الثنائية على انها زائفة فإنها عندئذ تعد خطأ جوهرياً بأن نفترض ان هناك صنفاً كونياً للمصداقية مكوناً من السمات الداخلية والجوهرية الثقافية، وعلى ذلك فإن الاصالة تحتاج الى رؤية باعتبارها فئة انشئت واعيد انشاؤها في ظروف طارئة، واحياناً تقوم بدور دعم الاوضاع السياسية والايديولوجية مثل تجهيز السوق السياحية. الأصالة والتغريب تستدعي فكرة السياحة باعتبارها وسيلة للبحث عن الاصالة او لمواجهة التغريب وخسارة العصرنة تناول مسألة ما هي الأصالة بدقة وأين يمكن العثور عليها وفي جوهره لم يكن هذا الموضوع مثار اي تساؤلات او اهتمام في الفترة الحديثة ويعني الاهتمام بالاصالة في النشرات السياحية ان الاصالة تحتوي موضوعاً اكثر ثباتاً منذ ظهور هذا النمط ومثل هذه الاساليب الكثيرة فإن مثل هذه الاهتمامات ليست منفردة سياحياً ويمكن رؤيتها تكراراً لموضوع طويل جرى التطرق اليه كثيراً حتى الملل بخصوص الطبيعة المتراجعة للعصرنة على خلفية الحياة التقليدية التي لا توجد فقط في ملفات العلوم الاجتماعية بل في الاحاديث الشعبية وقد تم اقتباس ذلك بصورة مسهبة من بنات افكار الماركسية الخاصة بالعمالة المتغربة. ويوضح مؤلفنا ان هذه المقاربات اعتمدت بقوة على التحليل الاولي لماكانل واعيدت صياغتها في عدد من الصياغات منذ 1992 وينظر الى السياحة على انها بحث عن الميتافيزيقا سعياً وراء تحقيق الكمال للوصول الى صدقية المجتمع الاولي والعلاقات الثقافية واذا قبلت هذه الفرضية عندئذ فإنها تتبع بنهج منطقي القول بأن كل الحداثة تجلب معها بحكم التصريف ذاته «الزيف» والتغريب وغير الواقعي وغير الصدقي ولذلك فإن كل محاولات استعادة أساليب الحياة الصدقية هي آليات تعويضية تقوم بدور الاستجابات الفردية على بعض الاحتياجات غير المحققة التي تحدد هيكلياً وغير قابلة للحل وبهذه الطريقة فإن المعاصر والتقليدي ينظر اليهما وكأنهما يمتلكان سمات جوهرية ومشتركة على نحو خاص، فالعصرنة مكان سيئ الطالع في حين ان السياحة مدينة فاضلة. وليس هناك ادنى شك في ان ثقافات معينة واكثر من ذلك دقة مقاصد تصور على انها غريبة وتصور من خلال ادبيات الترويج على انها امكنة ذات خصوصية بعيدة عن العصرنة، حيث يمكن للسائح ان يقابل غير المروض والبدائي في طبيعته الخاصة وموطنه الاصلي، وعلى مستوى آخر فإن رؤية ثقافات اخرى وكأنها أثمال عصر ما قبل الثورة الصناعية ترقى الى اكثر بقليل من تهييم مطرود لحياة تقليدية وينظر الى العصرنة بصفتها نقيضاً ومدمراً نقيضاً للأصالة وتحتوي ادبيات السياحة على كم كبير من التحذيرات الشديدة من الانهيار الثقافي او التلوث الذي سيحدث بصورة حتمية مع وصول السياحة وما ان يكتشف «فردوس» حتى تدوسه افواج من العصريين المتغربين او تلوث الثقافة الاجنبية وحتى عندما يستحث معنى الاصالة فإنه يفترض جدلاً حالة من عدم الصدقية او الاصالة التي يمكن قياسها ومقارنتها بالنقيض حتى وان كان ذلك فقط بأسلوب انطباعي او سطحي. بالطبع، فليس الناس هم المشكلة فقط، بل كل هيكل العصرنة ويعتقد فينليسون ان هناك تضارباً بين الاتجاهات التنموية للمجتمع بكامله والتراث الثقافي التقليدي التي تمثله وعلى الخصوص فإن هذا التضارب يمكن تطبيقه على عمليات التسليع لكل من التراث الثقافي والناس لخدمة احتياجات النظام السياحي، ان هذه الجدليات تفترض ان مظاهر حيوات الآخرين مثل الطقوس تنتزع من السياق وتصبح بذلك غير أصيلة وتبعاً لذلك فإن الفنون الأصيلة والمشغولات اليدوية تصبح مزدراة اذا لم يتم انتاجها للاستهلاك الداخلي بل من اجل استهلاك السائح الاجنبي وباختصار فإن التراث لا يمكن شراؤه وبيعه بدون اي ذيول سلبية. يبدو الآن على السطح، ان مثل هذا السيناريو له جاذبية واضحة وبعض السلطة الايضاحية وهو ما يعطي تفسيراً للأسباب التي تجعل هذا السيناريو مقبولاً بصورة عامة باعتباره وصفاً راهناً. واذا قبلنا بهذه المقدمة فيبدو عندئذ انه يوضح النظام السياحي برمته من حيث انه بسيط سبباً من السهل فهم تفسيره وهو يتطور كالتالي: ان تقسيم العمل في اطار المجتمعات الرأسمالية العصرية يسبب التغريب والى خسارة العلاقات الاجتماعية الأصيلة والتراث الثقافي المادي الأصيل ويؤدي ذلك بدوره الى الحاجة لخلق احتياج الى «الكأس المقدسة» للغيرية الأصيلة، ولكن وفقاً لطبيعية العصرنة المتغلغلة فإن الكثير من العناصر الأصيلة للثقافات اما فقدت مع عدم القدرة على استعادتها او انها في حالة خطر من ان تتعرض للزوال ويتبع ذلك قلق من اجل الاصالة من جهة وظهور انتقاد للعصرنة ودعوة الى انقاذ ما يمكن انقاذه خشية من ضياعه واندثاره وتعتمد المشكلة هنا في افتراض ان الاصالة ينبغي ان تكون اولاً وهي من السمات الجوهرية لنقيض العصرية، وثانياً مبدءاً رئيساً في تنظيم السياحة في حد ذاتها وجوهراً وكما كتب اوري يقول: «من غير الصحيح الافتراض ان البحث عن الاصالة هي القاعدة من اجل تنظيم السياحة». وعلى ذلك فإن هناك عدداً من المشكلات في التعامل مع هذا السيناريو. ان فكرة فقدان المعنى بالنسبة لكل من السكان الاصليين والسياح تثير مشكلة وتتهم الفئة الاولى بأنها تسلع وتبيع تراثها الوطني او توصف بأنها ضحايا سلبيون للعصرنة في حين ان الفئة الثانية هم اما تعرضوا للتضليل بواسطة الوطنيين الاصليين او انهم يضللون انفسهم اذا اعتقدوا ان ما يحصلون عليه هو الشيء الحقيقي او الاصلي ان كلا الوضعين يخاطران بالسقوط في وضع رعاية النخبوية التي ترى ثقافات الآخرين بأنها امتلاك لسمات أصيلة جوهرية وتحتاج الى ان يتم الحفاظ عليها ببساطة من اجل عيون السياح ويفترض هذا الموقف ان مثل هذه الثقافات معزولة وفي اسر الماضي ولن يكتب لها التطور وعلى مستوى آخر يفترض قبول التغريب باعتباره الحافز الاول وراء خيار الفرد فئة كونية اخرى اي «السائح» وهذه الفكرة عطفاً على ما ذكر في الفصل الاول تحداها كوهن، الذي يثير مقولة ان التغريب قد يكون عاملاً حفازاً لبعض مجموعات السياح، ولكن ليس للآخرين ولكي يتم حل هذه المشكلة يفترض كوهن دراسة تصنيفية تسعى للتفريق بين انواع مختلفة من السياح واشكال مختلفة من السياحة التي يمكن تصنيفها وفقاً لنوع السائح: (وجودي، تجريبي، ترويجي او محب للاطلاع على الماضي) وتصنف الفئة الاولى بالنسبة للتغريب الاعلى والادنى بالنسبة للفئة الاخيرة، اما من الاصالة فإن الفئة الاولى مركزية والفئة الاخيرة غير مهمة والنوع الاول هو نخبوي ومستقل بينما النوع الاخير يفضل الرحلات الجماعية. ثلاث مقاربات للأصالة يمكن ملاحظة ان هذه الدراسة التصنيفية لم تتخلص من المفهومين الثنائيين للتغريب والأصالة بل ترى فيهما استمرارية ويتراوح ذلك من السياح الوجوديين التغريبيين بدرجة عالية، الذين يسعون عن قصد نحو الآخر الاصيل، وهم يرون انفسهم مسافرين وليسوا سواحاً، الى غير التغريبيين من السياح المحبين الاطلاع على الماضي الذين لا تشكل الاصالة بالنسبة اليهم وصفاً مهماً، وكما لاحظت في الفصل الثالث فهناك دليل مؤكد يفترض ان بعض السياح يشعرون بالحافز للبحث عن «الحقيقي» و«الأصيل» ولكن ما اذا كان ذلك مكاسب شخصية او وجودية او لاغراض جمع بعض الاشكال الثقافية او الاجتماعية الهامة فإن ذلك مطروح للنقاش. ويبني وانغ في مراجعة حديثة وشاملة للأصالة في السياحة على هذه الفروقات او التباينات ويرى وانغ ان هناك 3 مقاربات تعريفية عريضة لمشكلة الاصالة: الموضوعية، والبنائية والوجودية اولاً: التعريف الموضوعي للأصالة يطبق في الاوضاع، حيث تحتاج اصول المشغولات اليدوية الى الترسيخ في متاحف، على سبيل المثال، وتحتاج اصول المشغولات اليدوية لأغراض البحث التاريخي الى الترسيخ بدون ادنى شك وعلى المستوى القاعدي يتضمن ذلك بعد الاشكال الفردية والمتفردة، وجذوة اصيلة يصعب تكرارها بدون خسارة وكما يلاحظ وانغ فإن الاضطراب غالباً ما يظهر عندما يطبق هذا النوع من التعريف على مواقف واوضاع اخرى مثل التراث الثقافي الشامل او النظام السياحي وكأن ذلك هو المعيار الوحيد للأصالة. اما الشكل الآخر للأصالة فهو الذي يسميه وانغ بالبناء، اي الاصالة التي تعرف بالعلاقة بـ «المعتقدات ووجهات النظر والسلطات» وبمعنى آخر فإن الاصالة هي مسألة نقاش او معان انتمائية وهي اما ان تكون محصورة في تراث ثقافي محدد او قطاع فرعي او تجمع اجتماعي، اي انه لا ينبغي القول ان مثل هذه المزاعم الخاصة بالاصالة هي في ضوء ذلك مزيفة او خاطئة والمهم هنا ليس ما اذا كان الشيء او الطقس او التراث الثقافي المعني يناسب اي مقياس لمعايير موضوعية خارجية فيما يتفق مع اصالتها، ولكن ما يتناسب مع شكل القيمة الرمزية المبنية على اجماع اجتماعي وتماثل هذه الصيغة مفهوم «الأصالة الناهضة» التي اقترحها كوهن و«ابتكار التقاليد» وان ما يرقى إليه القول ان التقاليد او الفنون الشعبية قد ينظر اليها كتجسيد للأصالة الثقافية على مدار الأيام والزمن وان البحث عن الاصول او المسببات الاولى للفنون الشعبية او الطقوس كدليل على طبيعتها الأصيلة هو بالتالي تطبيق لتعريف المتحف للأصالة تجاه اوضاع هي ببساطة غير مناسبة. اما الصيغة الثالثة التي يحددها وانغ فهي الاصالة الوجودية التي لها صلة بالتجارب على المستوى الفردي، وهي صيغة قريبة جداً الى كوهن وكلاهما يتحدى الفكرة القائلة ان هناك فئة واحدة من السياحة ويجادلان بأن الدوافع لا يمكنها ببساطة ان توضع بواسطة اليد الخفية لنظام مجرد وهو ان الناس ليسوا مغفلين لكن قيمة هذه المقاربات هي انها تسمح لحقيقة ان بعض الناس قد يشعرون شعوراً جيداً بالتغريب ويرون في السياحة كوسيلة للتعويض من اجل هذا النقص المدرك لكن ذلك يصعب تطبيقه كفئة كونية. وتكرس مقالة وانغ اهتماماً كبيراً بهذه الفئة الاخيرة التي يبدو انه يصنفها بأنها اكثر اهمية ويرى كيفن ميثان ان المعاني الخاصة بالسلع ليست ثابتة وهي عرضة لاعادة التفسير على المستويين الفردي والاجتماعي. وفي ظروف معينة فإن الناس قد يعملون على هوياتهم من خلال بناء سرد شخصي من خلال التوسط الذاتي عبر اشكال السلعة واذا كانت هناك خطورة في هذه المقاربة فهي رفع مستوى المفاهيم الفردية والصيغ الفردية للاستهلاك واحالة العناصر الاجتماعية والمادية التي شيدت منها. ويؤكد ان الاصالة هي قيمة مبنية او مجموعة من القيم التي لا يمكن تعليلها دون الاخذ في الاعتبار السياقين المادي والاجتماعي التي تقع في اطارهما. العادات والتقاليد والتراث العادات والتقاليد مصطلح يستخدم لتبرير كل اساليب الممارسات الاجتماعية والمؤسساتية على قاعدة الادراك العام ونظراً لانها ثابتة منذ سنوات طويلة فإنها تمتلك قيمة جوهرية وحقيقية للتراث الثقافي الذي تقع في اطاره وباختصار فالتقاليد هي تجسيد لأساليب الحياة الأصيلة وفي الحقيقة فإن المفهوم الكلي للحداثة نفسها كشكل متميز للتنظيم الاجتماعي والثقافي والسياسي يمكن التكهن به على تباين مما ندركه باعتباره من الأساليب الاكثر تقليدية في الحياة. هناك عدد من المعالم التي تحتاج الى الدراسة بموجب عناوين التقاليد والأصالة آخذين في الاعتبار انها تتغير وفقاً لأساليب متنوعة اولاً، هناك التراث الثقافي في اوسع معانيه مثل اللغة والأدب والموسيقى والفنون وبالطبع التاريخ ثانياً هناك الحدود القومية والدروب التي تعد اراضي مقدسة وانماطا من الانتاج الزراعي وصيغا خاصة للتنظيم الاجتماعي والسياسي وهو ما يمكننا ان نشير اليه كثقافة قومية. ثالثاً: هناك اشكال معينة للثقافة المادية التي ترى على انها تجسد السمات الأساسية للاختلاف او التميز، أساليب اللباس والهندسة المعمارية المحلية واشكال معينة من الفن الذي نحتاج ان نضيف اليه انتاج الفنون الوطنية الاصيلة والقيم التذكارية رابعاً، هناك الوسائل اليومية للتغلب على روتين الوجود: أنماط العمل والترتيبات المحلية والمطابخ المتميزة وأشكال الدين والطقوس والاحتفالات والتقاليد من كل انواعها. وينبغي ان يوضع في الذهن ان قائمة كاملة يتعين ان تتضمن كل معالم النشاط البشري والانتاج المادي ولكن النقطة المهمة هي ان كلا من هذه او اي واحدة منها تمتلك الامكانية بأن تفهم على انها تجسيد أصيل للتراث الوطني والاقليمي والمحلي. انه من خلال انظمة التصنيف هذه لكل من الناس والاشياء يتم ابتداع الهويات والحفاظ عليها. ويمكن الجدل الآن بأن تلك التقاليد فقط التي تمتلك بعض الاصداء الناجمة عن احتياجات الناس وهوياتهم هي تلك التي تبقى و تستمر ولكن يبدو غالباً في الاحاديث الشعبية انه يتم تجاهل التقاليد التي لابد انها بدأت في مرحلة ما من الزمن، ولكن ليس كافياً قول ذلك ولذلك فإن جميع التقاليد ابتكرت، ولكن السؤال المثير للأهمية الآن من ابتدعها ولماذا تم ذلك؟ واكثر من ذلك نقول ببساطة انها ابتكرت لازالة الستار عن اصول التقاليد او حتى قبول انها ليست على الارجح خالدة ولكل زمان كما يصورونها في الغالب ولكن ذلك لا يوضح القوة التي قد تمارسها ولا القلق الذي قد يكنه الناس تجاهها وللكشف عن أصول تقليد معين فإن ذلك لن يضعف الدور الذي قد تمتلكه في حياة الافراد والجماعات، عندما ابتكرت لأول مرة. وبينما عادة ما يشير معنى التقاليد الى اساليب الحياة فإن التراث يشير بصورة مطابقة الى الثقافة المادية على الرغم من ان ذلك لم يعد صعباً وتبايناً سريعاً. وفي الاصل فإن التراث الثقافي طبق على مظاهر البيئة المشيدة والتي تعد ان لها اهمية عمرانية وتاريخية، وادى الاهتمام بالبيئة المشيدة والطبيعة فضلاً عن الثقافة في اوسع معانيها الى ان ينتج عنه تشريع وطني وعالمي للحفاظ والاحتفاظ بالتراث الثقافي الاصيل، ولكن ذلك ليس لأغراض سياحية فقط بل من اجل اغراض اكثر نفعاً سياسياً لخلق احساس قومي ومكان قومي والحفاظ عليه من خلال وسائل رمزية. لم يعد لاكتشاف او لايجاد التراث اهمية في الدول النامية، لأن العصرنة قد اكتسحت وجرفت كل شيء امامها، وكانت طبقت في البداية للحفاظ على النسيج التاريخي للبلدات والمدن. وعلى الرغم من انه يمكن اعادة ذلك الى القرن التاسع عشر، الا ان موضة الحنين لم تنتقل من كونها انشغالاً للنخبة الى مجتمع اكثر شعبية الا في عقد السبعينيات والثمانينيات. وبدورها انعكس ذلك في تغييرات الموضة مثل الديكور الداخلي واعاد تقويم الهندسة المعمارية المحلية وعمليات تحول الطبقة المتوسطة الى «اكابر» وهو ما حدث في اطار المناطق الحضرية بحد العالم النامي، ونجم عن ذلك اعادة تقويم وتجميل الامكنة كما تم الحديث عنه في الفصل الثاني.ورافق التغيرات في الذوق الشعبي تغيرات في التشريع القومي، ويمكن رؤية اهمية الدول في تعريف التراث بتطبيق قانون المحافظة على التراث. وصدرت عن البرلمان البريطاني سلسلة من القوانين التي تحدد التراث وتحميه من اجل الاجيال القادمة. ومنحت سلطات كبيرة للسلطات المحلية وخاصة سلطة تسجيل المباني التي صنفت على انها مهمة.واستند ضم اي فئة الى القائمة مبدئياً على صيغة تعريف متخفية ازاء الاصالة. وكان الاعتبار الأول يعود لتفرد الابنية التي تنعم بطراز متميز ومتفرد وكان ذلك الاعتبار الرئيسي. وخلال سنوات السبعينيات عندما اشتد عود فئة الاكابر الجدد انسحب ذلك ليطال بلدات معينة وتشكيلات من الابنية. وفضلاً عن ذلك فإن التراث الصناعي لحقبة بريطانيا الفكتورية اضيف الى تلك القائمة وحديثاً اصبحت الابنية المشيدة على الطراز التحديثي تستحق الضم للقائمة. وما نراه هنا هو توسيع الجدول التصنيفي. وما حوفظ عليه اعتبر تجسيداً اصيلاً للأمة. ويمكن رؤية انماط مماثلة للنمو في دول صناعية متطورة اخرى. ففي الولايات المتحدة تم انشاء سجل للأماكن التاريخية بعد صدور قانون المحافظة التاريخي القومي عام 1966 وتحتوي قائمة هذا القانون 68 الف بناء. ومرة اخرى نرى ان توسيع تصنيفات مثل تعديل 1980 لهذا القانون اضاف كل العناصر التي «لا تمس» وايضاً التقاليد الثقافية الاثنية والشعبية.وهناك ادلة اخرى على قضايا اوسع تطال التاريخ الثقافي.كما صنفت البيئة الطبيعية ايضاً للتشريع من خلال انشاء حدائق وطنية على سبيل المثال والتي لم تكن حكراً على العالم النامي. مثل هذه المعايير تمتلك ايضاً مكونات سياسية باعتبارها تمثل الشرعية الرمزية والعملية للأمة ومصدرها وجود الحدود وترسيم ارض الوطن باعتباره وعاء لتاريخ مشترك. وبدوره فإن ذلك يعد اصيلاً وطبيعياً ومقدساً. واعتبرت قطاعات معينة من الاراضي مهمة اما لما شهدته في احداث تاريخية تمثل اهمية وطنية او لأنها تجسيد لبعض المفاهيم التجريدية. وعلى سبيل المثال فإن ماكدونالد يشير الى ان الاساليب التي زينت فيها النجود الاسكتلندية التي يحمل الكثير منها رموزاً واضحة باسكتلنديتها. في حين كتب جونز حول عمليات مماثلة في تحديد المشهد الثقافي النرويجي. وبهذه الطريقة فإن المشهد المادي يقوم بدور ايقاظ الامة الاصيلة. صور واماكن متخيلة يشير المؤلف الى ان فئة التراث قد تمددت لتجاوز الافكار الخاصة بالاصول الاصيلة للأشياء لتضم مظاهر اقل محسوسية من الثقافة والبيئة الطبيعية. وفضلاً عن المظاهر المادية الواضحة للتراث، نحن بحاجة الى دراسة المكونات المجازية والخيالية للأماكن لاعتماد السياحة الى حد بعيد على تسليع الافكار المثالية مثلما البيئة المادية. وعلى سبيل المثال فقد فحص شورت العلاقة بين المشهد والمجاز في الادب والفنون ومظاهر كيفية ارتباط كل ذلك الايديولوجيات السياسية كي يبدو فيلم الغرب الاميركي كأسلوب لاخراج الافلام التي تجسد قصصاً خرافية عامة عن البراري والريف وبصورة خاصة «الايديولوجيات الاميركية لبناء امة». وبطريق التضاد فإن اظهر كيفية كشف الاساليب المتلاحقة في أستراليا لجداريات الطبيعية تحولاً في المفاهيم من الرومانطيقية والفكر الاوروبي الطابع للمشهد الطبيعي الى مشهد رسومات تحمل طابع ابناء الشعب الاصلي الاسترالي المعروفين بـ «الابورجينز» الذين عكسوا مشهداً اصيلاً ومتميزاً لخصوصية الثقافة الاسترالية، على الرغم من ان انتاج مثل هذه الاعمال لم تكن خالية من التناقضات. والانموذج الآخر لهذا الشكل من التسليع يمكن رؤيته في اليابان حيث تمكن اليابانيون من ان يستوردوا بنجاح اشكالاً تراثية من هولندا وبريطانيا وتركيا في اشكال من ثقافة موضوع المتنزهات لاستهلاكها الداخلي في اليابان. وبشكل متطابق فقد لفت بريتس انتباهنا الى تطور سانتا كلوز السياحي والى الجدليات الخاصة بالبلد الذي يزعم انه الوطن الاصلي لهذه المادة التسليعية الموسمية التي اصبحنا نراها في كل مكان. ويعد ايجاد هذه الاماكن الخيالية او السرد الفضائي واحد من الادوات القياسية في السياحة، ويمكن ان يعتمد على التأثير الكلي للفيلم والتلفزيون بقدر الطباعة. فالسلطة السياحية البريطانية على سبيل المثال تنشر خارطة سينمائية تضاهي الافلام عن المواقع التي التقطت فيها الصور السينمائية. اما الوجه الاخر للنمو والتطور الذي يعود بالفضل الى الخيال يمكن ان يوجد في مراكز التراث العديدة حيث تتلاقى تقنية موضوع المتنزه مع التاريخ. ويفخر «مركز جارفيك» في يورك، وهو الاول من نوعه في المملكة المتحدة بأصالته وتفصيلاته البديعة وحتى روائحه التي تحاكي الروائح الاصلية فيما يقدّم مركز روبن هود في نوتنغهام سلسلة من التابلوهات معتمدة على الحكايا الاسطورية عن بطل شعبي، اما التنويع الاخر لهذا الموضوع فهو اعادة تمثيل احداث المستوطنين الأوائل في الولايات المتحدة في القرن السابع عشر، مع ملابسهم التقليدية التي تمثل تلك الحقبة، ويجسد ذلك موقع بليموث بلانتيشن في الولايات المتحدة. وفي هذه الحالات نرى كيف يتم تسليع التراث لأغراض سياحية. اماكن تسعى لتمييز نفسها عن اماكن اخرى بابداع حكايات وسير لماض متخيل يعرض كشيء حتمي مع سمات جوهرية اصيلة. وتقترب تلك الحكايات الخاصة بالمكان لتدعم رأي اوري حول الرؤية السياحية، وهي ادلة اخرى للأساليب التي يتم من خلالها دمج اشكال من الرمزية الثقافية بصورة حازمة في الاقتصاد السياحي. بين التراث والسياحة تضم فكرة التراث الوطني افكار المشهد الطبيعي وافكاراً خاصة بالجنس البشري. وعند وضع عناوين او لافتات لكل موضوع ومبنى او موقع باعتباره جزءاً من التراث فإن هذا المكان يرتقي به الى ما وراء الحدود الدنيوية للاشياء فتصبح رموزاً للأمة او الشعب، لقد اصبح عادياً ان لم يكن حقيقياً لدى البعض القول ان الامم هي بني او هياكل خيالية، تعرف ويحافظ عليها جزئياً من خلال الوسائل الرمزية، مثل الراية والنشيد الوطني والطقوس والتقاليد. وترتبط ايضاً فكرة الامة لا محالة بفكرة المكان في درجات مختلفة بالفضاء وبوجود تراث قابل للتحديد والتعريف بهويته الخاصة. وعند القول ان تراثاً متميزاً يوجد في مكان منذ القدم هو في بعض النواحي يهدف الى تكريس انمائه الى تاريخ معين وكما يوضح هال فإن الجدليات الخاصة بطبيعة التراث هي في حدودها الاوسع تتناول التاريخ ليصبح علاقات متشابكة بين الارض والانسان والتراث والثقافة. ويتابع هال قائلاً ان «الثقافة والتراث هما مصدران يخصان اي بلد ولا ينبغي ان ترى فقط بأنها تخدم احتياجات صناعة السياحة». وعلى الرغم من ان التراث هو عامل مهم في الاقتصاد الثقافي للسياحة، فإنه يمكن ان يخدم اغراضاً اخرى ايضاً او عدة اغراض على الفور. وعلى الرغم من ان التراث يمكن ان يبدو وكأنه يدور حول تحويل افكار مجردة الى اشكال مرئية فإنه يمكن ايضاً ان يكون مفتوحاً على تفسيرات متضاربة. ففي الفصل الاول كيف يمكن ان يكون الفضاء خاضعاً لتفاسير عدة او قراءات تخص اهميته الرمزية. ولننظر الى تاج محل الذي يعد واحداً من افضل المباني المعروفة واكثر مناطق الجذب السياحي في العالم شهرة. ويلاحظ ادينسور ان هناك الكثير من التفسيرات المختلفة حول الشيء الذي يمثله تاج محل وبعض هذه التفسيرات مشحونة بالمبالغات الدينية والسياسية لكل من الهندوس والمسلمين اذا لم يكونوا يتنافسون على زعم احقية كل منهم بالموقع ولا شك فإن ذلك يختلف عن التفسيرات التي قد تصدر عن السياح الذين يزورون المكان. والمثال الاخر للعلاقة بين المكان والتراث والسياسة تجسده دراسة ليواندوسكي (1984) عن الفن المعماري والتخطيط الحضري في مدراس في فترة ما بعد الكولونيالية. وترى ليواندوسكي انه عندما استولى الحزب القومي التاميلي على السلطة في مدراس عام 1967 لم يغير اسم الولاية التاميلية الى تاميل نادو، ولكنه سعى الى القيام بمساع واعية لخلق تراث تاميلي محدد من خلال اعادة تسمية الشوارع والطرقات ومنح ألقاب الفخامة للكتاب التاميل وتعظيم شأنهم وتشجيع كل اشكال الفن المعماري التاميلي في المباني والمنشآت العامة. واكدت ايضاً ان مثل هذه العمليات يمكن مشاهدتها في اقاليم وولايات اخرى من الهند حيث اشكال الهندسة والفن المعماري اقل ارتباطاً بالنماذج الاوروبية والاساليب ليصبح فناً اصيلاً ومتميزاً. ومن خلال هذه القضية نستطيع رؤية محاولات واعية لفرض وخلق بعض اشكال التلاحم السياسي والثقافي وينصب ذلك على استغلال تميز الفضاءات. اما السعي الاخر لايجاد او بدقة اكثر التحكم بأشكال متميزة للفن المعماري المرتبطة ارتباطاً مباشراً بالسياحة فهو النموذج الذي طرحه وليمز وبابا ميشيل في دراستهما عن بلدة بلاييا ايبدهفاروس التي يعتمد اقتصادها اعتماداً كبيراً على السياحة، ففي العام 1984 صدر مرسوم رئاسي طالب بوجود تناغم ما بين انواع خاصة من الهندسة المعمارية المحلية وانشأ المرسوم مناطق محظورة في البلدة في جانب لتوفير مشهد للمواقع الاثرية القريبة. واسفرت هذه القيود عن اثارة غضب الاهالي لأسباب عدة. اولاً لأن هذه الشروط فرضت نتيجة لاستثمارات خارجية. ثانياً فإن العروض تتعارض مع الانماط الثابتة حول استخدام الارض لاغراض البناء واخيراً ما نظر اليه على انه «تراثي» لم يكن غامضاً فقط بل لا ينسجم مع ما يمكن ان يوصف بأنه معلم معماري محلي اصيل. ومن هذه الامثلة، التي لا تعد متفردة ووحيدة نرى الربط الواضح ما بين بناء التراث كتعبير عن الهوية الوطنية والاقتصاد السياسي والثقافي. التراث العالمي تتصل أفكار الاصالة ومظهرها مجسداً في الموروث التراثي اتصالاً وثيقاً بفكرة الدولة القومية او ربما بالمزاعم المتنافسة للتجمعات الاجتماعية والدينية المختلفة وبالقدر ذاته بتنمية الاقتصادات المحلية والاقليمية او بالاحساس بالتميز. ولكن كما هي الحال بالنسبة للكثير من مظاهر الحياة المعاصرة فإن الموروث الثقافي هو ايضاً شأن عالمي. ففي العام 1972 تبنت «اليونسكو» قراراً يشمل 150 بلداً لتحديد مواقع طبيعية وثقافية ومختلطة حددت بأنها ذات اهمية دولية، ولذلك فهي تستحق الحفاظ عليها. وعندما تم تطبيق القرار في العام 1975 نمت القائمة لتضم 378 موقعاً منها 276 ثقافياً و 87 طبيعياً و 15 مختلطاً. وتضاعفت هذه القائمة في العام 1997 لتصبح 552 موقعاً وفي ديسمبر العام 1998 وصل مجموع المواقع الى 582 موقعاً منها 445 موقعاً ثقافياً و 117 موقعاً طبيعياً و20 مختلطاً وشملت هذه المواقع جراند كانيون (الوادي الكبير) في الولايات المتحدة وانجوروات في كولومبيا وكاتدرائية دور هام وستون هيندرج في المملكة المتحدة واوسوفيتز في بولندا وتاج محل في الهند وجزيرة روبن في جنوب افريقيا وجميعها تشكل مواقع سياحية من الطراز الاول. وتمنح قائمة المواقع هذه ذات الاهمية العالمية وضعية الانضمام الى مجموعة النخبة من الامم التي لا يمكن لاصالتها الثقافية ان يداخلها اي شك. وعلى الرغم من التنامي السريع لهذه المواقع المحددة فإن اليونسكو تعترف بأنه بداية هناك ميل باتجاه ما يمكن تسميته «بالرؤية العظيمة والنظرة الجمالية لرائعة فنية» التي لم تحظ من خلالها افريقيا ولا جنوب شرق اسيا بحقها من الاعتبار والتقديم. وبكلمات اخرى فإن نظام القيمة الذي تجري فيه عملية تقويم المواقع تهيمن عليه فئة من علماء الجمال الغربيين الذين بدورهم يميلون الى تأكيد التعريف المتحفي للأصالة. ويتحمل مسئولية هذا الموقف جزئياً التطورات الحديثة التي تشمل هما مثل الحفاظ على تراث يحرم المساس به اكثر قبل اللغات والموسيقى وحتى «الثقافات الحية» التي كما رأينا فهي اتجاه عالمي. ويدخل في قائمة التراث العالمي مواقع ينبغي ان تلبي شروط الاصالة في التصميم والمواد والابداع البشري واما ما يخص المشهد الثقافي فينبغي ان تكون له سمات مميزة ومكونات خاصة به ايضاً. ان الهدف من هذا التعريف هو تجنيب ادخال نسخ عن الاصل، او مواقع معاد بناؤها مالم يحدث ذلك دون تخمين او اعتماداً على الحدس.