كان رئيس الوزراء الهندي اتال بيهاري فاجبايي ومضيفه نور سلطان نزارباييف رئيس كازاخستان منهمكين مؤخراً بجدول، أعمال مزدحم عندما اقتطعا ساعة من وقتهما للمشاركة في احتفال، كان سبب انشغالهما مشاركتهما مع أربعة عشر رئيساً ورئيس وزراء آخر في مؤتمر اجراءات التفاعل وبناء الثقة في آسيا وكان الاحتفال بمناسبة اعادة تسمية شارع فانفيلوف في ألما آتا كبرى مدن كازاخستان والاسم القديم أطلق تكريما لايفان بانفيلوف، أحد أبطال الجيش الأحمر، أما الاسم الجديد فهو شارع المهاتما غاندي. ومع ان غاندي الذي يعتبر أعظم انصار اللاعنف في القرن العشرين كان يتمتع بقدر لا بأس به من حس الدعابة، (سئل مرة عن رأيه بالحضارة الغربية فأجاب انه يعتقد انها قد تكون فكرة جيدة) فإنه ربما كان سيجد هذه الدعابة متكلفة ومبتذلة بعض الشيء، ومع ان غاندي كان يعرف الكثير عن معنى التناقضات، فإن هذا الاحتفال ربما كان متخماً بالمتناقضات الزائدة عن الحد حتى بالنسبة له، ناهيك عن ان رئيس كازاخستان بقساوته واستئساده على الضعفاء وهما من أكثر العيوب التي يمقتها غاندي، فإن المتحدث الآخر في حفل اعادة تسمية الشارع رئيس الوزراء فاجبايي هو زعيم حزب بهاراتيا جاناتا الذي كان من بين أسلافه السياسيين المتعصبون الوطنيون الهندوس الذين تآمروا على اغتيال غاندي في 30 يناير عام 1948، والأكثر من ذلك ان هذا التقدير لذكرى الرجل الذي عاش ومات من أجل السلام والأخوة جاء في لحظة كانت الهند تحشد فيها قواتها للحرب بسبب قضية كشمير، في حين كانت شقيقتها الصغرى باكستان تلمح إلى ان خياراتها الخاصة في حال تأزم الأمور قد تتضمن استخدام الأسلحة النووية، وبالنسبة لغاندي ربما كان يفضل ان يتم تكريمه باجراءات حقيقية لبناء الثقة، وربما أيضاً بتفاعل حقيقي بين بلدان آسيا وعوضاً عن ذلك سمي شارع باسمه، في حين تدبر فاجبايي والرئيس الباكستاني برويز مشرف ان يمضيا الجزء الأكبر من اليومين في القاعة ذاتها من دون ان يتحدث احدهما إلى الآخر أو حتى ان يتصافحا. افكار غاندي تعاني من تجاهل كبير في شبه القارة الهندية هذه الأيام، لكنه كان محقاً في العديد من الأمور، بما في ذلك الخطأين التاريخيين الرهيبين الذين يلامسان جذر الأزمة الراهنة. كان محقاً في معارضته في تقسيم الحكم البريطاني إلى بلدين تحت مسمى الهند وباكستان، في عام 1947 وافق جواهر لال نهرو وزعماء آخرون في حزب المؤتمر الوطني الهندي على مضض على خيار التقسيم لاعتقادهم بأن بديل ذلك هو اراقة الدماء لكن المذبحة التي تلت ذلك كانت أفظع من تخيلات الجميع باستثناء غاندي، واستمرت على نحو متقطع حتى الوقت الحاضر(مات مليون شخص في عام 1947 و1948 وبحلول عام 1949 كان نهرو يشعر بمرارة الندم على القبول بالتقسيم) والخط الآخر كان طريقة ترتيب كشمير، التي كان يفترض ان تكون جزءًا من باكستان في ضوء منطق التقسيم الموجع، فغالبية سكانها كانت ولا تزال من المسلمين ولكن أميرها كان هندوسياً، وتصرف هذا المهراجا بعصبية واضطراب واندلع قتال عنيف كانت نتيجته تقسيم كشمير ليصبح الجزء الأكبر منها في أيدي الهنود.. تقسيم داخل تقسيم، جرح داخل جرح. ترى باكستان انها في الصراع الحالي تدافع عن مبادئ تقرير المصير وحكم الأغلبية في حين ترى الهند انها تدافع عن فكرة كبيرة من أفكار الديمقراطية وعن المبادئ القائلة بأنه لا ينبغي مكافأة الارهاب أو السماح بتغيير الحدود بالقوة. كل من الطرفين يخشى بأن «خسران» كشمير سيكون بمثابة ضربة مميتة لهويته الوطنية، باكستان بوصفها دولة مسلمة والهند بوصفها دولة علمانية، ورغم تحالف حكومة الهند الحالية مع الأصولية الهندوسية، فإن تصور الهند لنفسها لا يزال يقوم على أساس ترسيخ مجتمع متعدد الاثنيات يشد قوامه عقد سياسي ديمقراطي واجتماعي، وبالنسبة للهند فإن التخلي عن كشمير سوف يشجع على انهيار التجربة الوطنية بأسرها، وفي المقابل فإن معضلة باكستان ـ حاجتها لمقاومة ومزاملة واسترضاء التيار الاسلامي في الوقت ذاته ـ لا تقل ارباكاً عن أزمة الهند، إن لم تزد عنها، وبالطبع فإن ما يجعل الوضع خطراً على نحو خاص هو امتلاك كل من الطرفين ترسانة نووية ومع ان كل طرف قادر على تدمير الطرف الآخر كمجتمع فعال، فإنه لا يمكن الاعتماد على منطق الردع النووي. لقد بذلت الولايات المتحدة والاتحاد السوفييتي جهداً عظيماً لتجنب وقوع حرب مباشرة بين جيشيهما، لكن حروب 1947 و1965 و 1971 بين الهند وباكستان لم تكن باردة بل ساخنة، وجنودهما كانوا يتبادلون اطلاق النار والقذائف ويسقط منهم قتلى في هذه اللحظة على طول خط الهدنة الذي يقسم كشمير، هناك تفاوت كبير بين البلدين فباكستان أضعف من الهند في كافة النواحي في القدرة العسكرية والموارد الاقتصادية والاستقرار السياسي والقوة المدنية والنتيجة هي يأس يفضي إلى التهور والاشتعال على جانب وتعجرف على الجانب الآخر كما انه بحسب ما تشير العديد من التقارير فإن أياً من البلدين لا يملك أي تصور واقعي عن شكل وأهوال الحرب النووية. في صراع الشرق الأوسط الجميع يعرف ان مبدأ الخلل يجب ان يكون: الأرض مقابل السلام، أما في كشمير فليس هناك مثل هذه الصيغة الواضحة، من الممكن تصور ترتيب مستقبلي، تبقى بموجبه كشمير جزءاً من الهند، وفق صيغة كونفدرالية معينة، لكنها تتمتع أيضاً بدرجة عالية من الحكم الذاتي وتحظى بارتباط سياسي رسمي مع باكستان لكن للوصول إلى هذه المرحلة سيكون على العالم ان كشمير ـ مثل الشرق الأوسط ـ تحتاج إلى اهتمام وانخراط دولي فعال وكما هي الحال في الشرق الأوسط يتعين على العالم، بقيادة الولايات المتحدة توفير غطاء للطرفين لانجاز تسويات ليس بوسعهما التوصل إليها بمفردهما. يبدو ان حدة الأزمة انحسرت خلال الأيام الماضية وقد توجه مساعد وزير الخارجية الأميركي ريتشارد ارميتاج ووزير الدفاع دونالد رامسفيلد لشبه القارة الهندية في محاولة لاقناع جنرالات وزعماء البلدين انهم لا يعرفون شيئاً عن المعنى الحقيقي للحرب النووية. ترجمة: علي محمد عن «نيويوركر»