يستمد هذا الكتاب أهميته من أنه يعد من الكتب النادرة التي تنهض في وجه سلسلة الاصدارات التي انطلقت في الاعوام الأخيرة ضد العولمة وتجلياتها الاقتصادية والاستهلاكية، فهو يشدد على ان العولمة ليست شراً كلها كما يذهب البعض، وانها لاتعني بالضرورة المساس بالثقافات الوطنية، بل قد تؤدي الى تعزيزها. والمؤلف يناقش هذا كله من منظور محدد، هو صناعة السياحة. وفي الرحلة الهائلة عبر صفحات هذا الكتاب نحن على موعد مع تحليل مميز لما تعنيه السياحة باعتبارها أحد أهم مظاهر بدايات الاقتصاد المعولم ومع رؤية متكاملة لمد الجسور بين السياحة وإيجاد السلع وبينها وبين مفهوم الحداثة. خلال رحلتنا مع مؤلف الكتاب الذي نناقشه هنا تناولنا تطور فضاءات السياحة باعتبارها ميادين الاستهلاك، والاحتياجات في السياق العالمي لانتشار الرأسمالية الاستهلاكية، ومسألة ان السياحة هي «تسليع الحياة الاجتماعية العصرية». ولكن قبل استطلاع ابعاد هذه الفكرة لابد من تفهم ما يتضمنه التسليع. من المعروف ان مفهوم السلعة او المنتج تم اشتقاقه وتوظيفه بصورة عامة من خلال العلوم الاجتماعية، من ماركس على وجه التحديد وجرى تفهم السلع على انها وحدات لم تنتج للاستخدام المباشر، بل من اجل القيمة المالية التي يمكن كسبها منها في السوق. لكن السلع تمتلك ايضاً قيمة استخدام، اي انها تلبي طلبات واحتياجات الانسان الاساسية. وما يميز النظام الرأسمالي عن الانظمة الاخرى هو ان قيمة التبادل هي العنصر المهيمن. وقد سبق القول ان وضع العنصرية يستند إلى تقسيم العمل الذي يغرب (من الغربة بمعنى الفصل) ويحرم الافراد من عمليات الانتاج نظراً «لأن العلاقات الانسانية تتراجع لتصبح من عمليات السوق». وبكلمات اخرى تصبح العلاقات بين الناس مقنعة او مشوهة، وكأنها علاقات بين الاشياء او السلع، وهو ما ينجم عنه اشكال من «تقديس السلعة» وكما كتب كالينيكوس يقول: «العلاقات الاجتماعية بين المنتجين يتوسطها تبادل منتجاتهم في السوق: وهذه هي السمة الحقيقية لاقتصاد السلعة الذي يسهل فهم الرأسمالية باعتبارها ظواهر طبيعية خارج السيطرة الانسانية». ان النقطة المهمة التي تؤخذ في هذه الفكرة هي الطريقة التي ينظر بها إلى السلعة باعتبارها شكلا من اشكال التزييف ان البشرية اصبحت بصورة متزايدة خاضعة لهيمنة عالم الاشياء وهي الوسائل التي تختفي وراءها الاوضاع الحقيقية. ومن الممكن ايضاً في اطار هذه الصيغة تحديد هوية عناصر الحنين إلى الايام التي لم تكن العمالة قد تغربت بعد وإلى الطوباوية، وهي نظرة مستقبلية للايام عندما كان تغريب العمل امراً لا يمكن ان يحدث ابداً. وتثبت مفاهيم التسليع والتغريب انها ذات اهمية عظيمة في الكثير من التحليلات الاجتماعية والانثروبولوجية، والسياحة ليست الاستثناء من ظل ذلك سواء كانت اشتقت من المفاهيم الماركسية ام لا. وعلى سبيل المثال فيما ينتقد ما اطلق عليه وصف «العدائية الماركسية» نحو رؤية السلع ليست اكثر من شكل من اشكال «التقديس»، فإنه لا يزال يتشبث برأي التغريب باعتباره قوة محركة ومحفزة تقف وراء السياحة. ولاحظ واتسون وكوباتشيفسكي ان مثل هذه الصياغات يمكن ان ينتج عنها «رأي تعميمي مبالغ فيه مفاده ان السائح المعاصر هو صورة تشبيهية للضحالة وعدم المصداقية، لها علاقة بموضوع خاص هو الحياة العصرية». ولرؤية عمليات «التسليع» كما لو انها بحكم تعريفها تعد تغريباً فإنها في الواقع تشكل ميزة لقيمة تبادلية وترى «الرغبة في البضاعة كشيء جليل او مغر» وتعكس في داخلها شيئاً مزيفاً وغير مرغوب اذا لم يكن مرفوضاً اخلاقياً وفي اطار مظاهرها الاكثر بعداً، مثل النظرية النقدية لمدرسة فرانكلين، فإن الجماهير ينظر اليها كأنها تعرضت لغسيل الدماغ. وتعتمد مثل هذه الصيغ ايضاً على انقسام اولي ما بين الاقتصاد والسياق التراثي الاوسع نطاقاً الذي يقع في حدودها. وللنظر إلى عمليات التسليع بهذه الطريقة فإما ان يتم تجاهل القيم التراثية القائمة في انتاج السلعة والاستهلاك او النظر اليها على انها ذات اهمية ثانوية. وبسبب ذلك هناك ميل عام، بالطبع في اطار علم الاجتماع، ولكن بشكل اقل من ذلك في علم الانثروبولوجيا، للتركيز على قضايا الانتاج بدلاً من قضايا الاستهلاك. وفي السنوات الاخيرة تعرض هذا الاتجاه إلى التحول العكسي، واتسعت مفاهيم طبيعة السلع من تركيز على انتاج واستهلاك بضائع مادية إلى التركيز على اشياء غير مادية او عنصر رمزي يتصل بدوره بالاساليب التي اصبحت بموجبها عوامل كهذه اكثر اهمية من الناحية العملية والنظرية على حد سواء، وقد سبق لنا ان رأينا كيف لفت المؤلف الانظار إلى الاساليب التي تستخدم فيها السمات غير الملموسة للامكنة من حيث ايجاد الفضاءات السياحية. وتقع الاهمية المعاصرة للسلع في قيمة علامتها كما في استخدامها او قيمة تبادلها، وهو ما اوضحه ليفيفر بقوله ان: «الانسان يستهلك العلامات كما يستهلك الاشياء» واوضح ميللر هذه القاعدة بالقول: «يصبح الاستهلاك طليعة التاريخ». ثنائية الانتاج والاستهلاك يتقاطع التركيز على الاستهلاك، كما انتاج المكان، مع الحدود الانضباطية ولذلك فإنه يرتبط بالجدليات المتنوعة ذات الصلة بكل من العولمة وما بعد الحداثة. ولكن دعنا نركز حاليا على العلاقات ما بين الفوردية وما بعد الفوردية، وكما يشير آلن فإن مفهوم الفوردية يمكن ربطه بالعصرنة من حيث انها تمثل تقدماً وتحكماً وعقلانية وعاملا في نمط جديد ونوعاً مختلفاً من اساليب الحياة وشكلاً محدد للدولة والمجتمع المدني. وفي هذا الاطار فإن المفهوم يستخدم لوصف كل من تقنيات الانتاج الجماهيري ووضح معايير وانماط الاستهلاك الجماهيري ايضاً. ويرسم آلن صورة تفصيلية لاربعة معان متداخلة ومختلفة للاصطلاح. اولاً، بصفته نهج عمل يتضمن انتاجاً على نطاق كبير. ثانيا بصفته قطاع نمو متقدم في الاقتصاد. وبكلمات اخرى هيمنة الفوردية في اطار الاقتصاد الشامل. ثالثاً، بصفته ممارسة تأثير مثل تنظيم العمل فيما وراء حدود الانتاج الصناعي وفي القطاعات الاقتصادية الاخرى. واخيراً كنموذج للتنظيم. وتستحق هذه النقطة الاخيرة نظرة مفصلة بشكل اكبر. لتكوين مفهوم خاص بالفوردية كوضع تنظيمي يتعين دراسة مظاهر اوسع للاقتصاد السياسي وبصورة خاصة الاساليب التي تنشط من خلالها السياسات الحكومية لضمان التوازن ما بين الانتاج على نظام كبير والاستهلاك على نطاق كبير. وعلى سبيل المثال الاساليب التي من خلالها تقوم كل من القوى العاملة ورجال الصناعة بتنظيم نفسها جزئياً. وتحتاج كل من الاجور والارباح إلى التحكم بشكل او بآخر لدفع كل من الانتاج والاستهلاك في اطار حدود الدولة القومية. وترتبط مباديء الفوردية ايضاً بكل اشكال المركزية والطبقة الحاكمة وهي من السمات التي تصفها باعتبارها جزءاً من العصرنة. ان هذه المباديء جدلاً تتسلل إلى ما وراء حدود التصنيع الذي يعتبره موريه يمنح نهوضاً للتراث الاقتصادي الذي يمتد إلى ما وراء تقصيد الصناعات التجميعية. وانسحاباً على امثلة متنوعة فإن تومبسون يعرض كيفية توسع اوضاع مماثلة للتنظيم وكيف تتحول إلى مجال للنشاط التراثي والعطلات التي تقيد، على مستوى الدولة لتتحول إلى امتدادات شاملة للمساعدات الاجتماعية وإلى عطلات مدفوعة الاجر بموجب قوانين العمل. وبموجب الاوضاع الفورية للانتاج والاستهلاك فإن المستهلكين كانوا يتجمعون في اسواق واسعة النطاق ويختلف الانتاج من واحد إلى آخر. ووفقاً لمعايير السياحة فيمكن طرح مقولة ان الاسبوعين التقليديين للاجازة على شاطيء البحر هما الانتاج القياسي واسع النطاق مع وجود منتجعات تفاضل نفسها عن منتجعات اخرى. وبينما يواصل سليتر الجدل فإن ذوق المستهلك يمكن ان يرسم فى خرائط على شكل انماط من الهيكل الاجتماعي مثل الطبقة. وكما سبقت الاشارة يمكن رؤية ذلك بالاساليب التي يتم بموجبها تصنيف المنتجعات حسب ابعاد الطبقة وانماط الاستهلاك المرتبط بهذه التقسيمات الاجتماعية ـ الفضائية، حتى وان كان الاختلاف والتمايز بين ما هو واسع النطاق وما هو ضيق النطاق ليست واضحة تماماً. وباختصار واحتمال المخاطرة بالتعميم، فإن الفوردية يمكن ان ينظر اليها كإنتاج على نطاق واسع لمنتجات قياسية للاستهلاك واسع النطاق في الاسواق المتجانسة نسبياً. ووفقاً لمعنى عمليات الانتاج، فإن ما بعد الفوردية تعني ادارة اصغر لاكثر البضائع تعديلاً. ووفقاً للتغييرات في التقنية وبصورة خاصة التصاميم، التي يتحكم فيها الكمبيوتر والتصنيع، فإن ميزان الوقت الداخلي في نسبة دخل المبيعات كلها ونسخة الوقت الاستراحة، ما بين التصميم والانتاج تعرضت كلها لتخفيض الوقت بصورة كبيرة ونتيجة لذلك فإن ذلك يعني ان تكاليف الانتاج للدفعات الاكثر صغراً وتعديلاً للسلع لم تعد اكثر غلاء، او ارتفاعاً في السعر بالنسبة لسلعة من السلع المنتجة في ظل نظام الفوردية. ونجم ايضاً عن زيادة تدفق وعلمنة المعلومات تقليص المركزية ولم تعد علمنة الانتاج مرتبطة بمواقع خاصة كما كانت من قبل. وتسير تقنيات انتاج ما بعد الفوردية وانتزاع الاقلمة يداً بيد مع القوة العاملة العالمية والاكثر حراكاً. تغير نمط الاستهلاك فيما طرأ تغيير على تنظيم الاقتصاد والفضاء الخاص بالانتاج، طرأت ايضاً تغييرات على نمط الاستهلاك. والنتيجة المنطقية لما بعد الفوردية هي التسويق المتخصص الذي يمنح فرصاً قطاعية مجزية، بموجبها تتجزأ أسواق الفوردية واسعة النظام إلى قطاعات او وظائف مخصصة للاشخاص الاكثر كفاءة وظيفية او قطاعات اسلوب الحياة. ولا تعرف هذه القطاعات بالديمغرافية الاجتماعية ولا بالطبقة بل بالمعاني التراثية التي تربط نسقاً من البضائع بصورة متماسكة. ومن جهة السياحة فإن هذه ادت إلى ظهور انماط اكثر مرونة لكل من السوق ولصناعة العطلات والعطلات الاسبوعية القصيرة ولنمو عطلات متخصصة. مثل اشكال السياحة الاقتصادية ونقلت هذا التأكيد بعيداً عن الاسواق الجماهيرية وهو ما ادى بصورة لا مفر منها إلى نشوء سياحة ما بعد الحداثة. وادى هذا التقسيم للفئات الراسخة في السياحة إلى ان تصبح غير مميزة عن اشكال النشاط الاخرى مثل التسوق والرياضة، على سبيل المثال. ويلخص هال النقاش بوضوح واقتضاب، قائلاً: «ما هو الآن سياحة وما هو الآن تراث ثقافي ليسا واضحين نسبياً». وقد يبدو الامر انه مع تفكك الحدود القديمة وجدنا انفسنا في موقف اصبح فيه اشباع احتياجات المستهلك عملية محكومة بالتقسيم الواضح وغير المحدود للاسواق وتحولها إلى قطاعات ومراكز اصغر. وفي هذا النمط الذي تتوقف فيه السياحة عن كونها نشاطاً متميزاً بحد ذاته هو يؤدي إلى ما يسميه اوري «نهاية السياحة» ان هذا التفكك الظاهري للفئات تمت معالجته بازالة التفاضل». وان ما يشير اليه هذا الطرح هو الاساليب التي من خلالها واجهت الانماط الراسخة للطبقات الحاكمة التحديات وضرورة اعادة التنظيم وادى ذلك إلى تنوعية وتجانس. وتبدو عبارة «نزع التفاضل» مضللة قليلاً نوعاً ما في ذاتها لانها يمكن ان تفهم ببساطة انها تدل على ان كل السمات المتباينة تتفكك تاركة نوعاً من غير التفاضلية طليقة بالكامل. في وقت سابق اقترح الحفاظ على المعاني والعمل عليها باستمرار، وفيما يتوقف العمل بالقيم والحدود وتختفي، فإنه جرى استبدالها واحلال مجموعة جديدة من القيم ومجموعات جديدة من الحدود محلها. وتصبح الطروحات التي تحيط بما بعد الجدلية الفوردية مماثلة جداً للنقاشات التي تحيط بكل من ما بعد الحداثة والعولمة. وفي بعض النواحي فإن اعادة التنظيم الذي يشيران اليه يمكن ان ينظر اليها كامتداد لعلاقات السلعة في المجال الاجتماعي وغير المادي واتساع علاقات السلع على الصدى العالمي.وعلى سبيل المثال يشير فيدزستون إلى ان هذا التوسع للتسلع من خلال الفوردية والادارة العلمية المنطقية يمكن تحليله باعتباره حرية تبادل للقيمة. اي ان كل مظاهر التراث الثقافي يمكن ان تتحول إلى سلع. ولكن علينا ايضاً ان ندرس العلاقة او القيمة الرمزية للسلع. ولن تتقلص طبيعة السلع إلى منتج لاستبدال القيمة وحدها، ولكن ينبغي تزويدها بمبرر وفقاً للسياقات الاجتماعية التي منها تستقي قيمتها الرمزية. والجدلية المطروحة ذات الصلة بانتاج الفضاء السياحي اي انها مادية، بقدر ما هي رمزية توفر مثالاً واحداً لعملية عامة للتسليع والحدود كلاهما الفكرية بقدر ما هي مادية ليست ثابتة كما قد تظهر وغير هذا التفكير هو ان يكون الانسان لا يدرك التاريخ على الاطلاق. وليس هناك من شك في ان عمليات التسليع قد تمددت في الحقيقة إلى مجالات الحياة التي كانت فيما مضى غير مسلعة نسبياً ولكن كما يشير سافيبح قائلاً أن «اكتشاف ما بعد الحداثة أخر بصورة واسعة الاعتراف من قبل اشكال السلوك الاكاديمية (وبصورة خاصة الاشكال المتنوعة للاستهلاك التجاري) التي توجد فعلاً منذ بعض الوقت. ونبه بنسون إلى اهمية هذه النقطة وعلق قائلاً انه في اطار الدراسات التاريخية يشاهد المجتمع المستهلك على انه يظهر في اي وقت من القرن السابع عشر إلى ثمانينيات القرن الماضي. وفي كل الاحوال فإن اظهار السبب الاول لا ينفي الايضاحات الاخرى ولا يثبت ايضاً اي شيء في ذاته. ويجوز ان جذور الاتجاه الاستهلاكي يمكن ان تكون اعتى من التفكير الاول او يمكن توقع اهميته وفقاً لكل من فيبلن وسيمل قبل قرن ومع ذلك فإن الادعاءات بأن مثل اعادة النظام هذه هي دليل على الانتقال الحقبي من وضعية إلى اخرى كما هو الحال بالنسبة لما بعد الحداثة التي ينبغي التعامل معها بحذر. وكما حذر سليتر ايضاً فإن الايضاحات التي اعدت وفقاً لمصطلحات عامة تميل إلى ان تكون غير واقعية كما لو اننا دخلنا مرحلة جديدة او وضعية تنظيم وللقيام بذلك فلابد من الاشارة إلى ان مباديء الفوردية يمكن تطبيقها على جميع الانشطة الاقتصادية وكمثال مقابل كل اشكال التصميم هذه يشير ايوناديز وديباج إلى ان صناعة الرحلات تظهر مجموعة اوجه، هي بالتأكيد ما قبل الفوردية ولكنها فوردية وما بعد الفوردية. وبمظهر مماثل واظهر بوكيه ووينثر في دراسة عن توفير المبيت وطعام الافطار بين العائلات الزراعية في ديفون بالمملكة المتحدة كيف دمج هذا العمل في التقسيم المحلي للعمل في اطار الاسر التي هي بدون شك ما قبل الفوردية وليس لاي شيء آخر. وعلى الرغم من ان بعض مظاهر النظام السياحي قد يعرض في الحقيقة الفوردية وحتى سمات ما بعد الفوردية مثل العطلات الجماعية من حيث انها سابقة والعطلات المتخصصة وفقاً لسماتها اللاحقة، لكن لا يمكن تعميم ذلك. وعلى الرغم مما قد يثيره ذلك من جدل فإن اهمية الفوردية وما بعد الفوردية قد يستقر جيداً ليس في تطبيقها الكوني لكل اشكال الانتاج والاستهلاك بل لانها اعتبرت مجموعة من المثل او وضعية مسيطرة للتنظيم والترتيب. اسرار عالم التسويق من نتاج القبول بمباديء ما بعد الفوردية الانتقال من الاسواق واسعة النظام إلى اسواق اصغر، وهو ما يطلق عليه «المواضع اللائقة او الملائمة» ووفقاً لمفاهيم السياحة لفت الانتباه سابقاً إلى التراجع النسبي للسياحة واسعة النطاق والنهوض الاخير لاكثر العطلات تخصصاً والاجازات القصيرة. ولكن علينا ايضاً قبول ان تلك التغييرات ليست فقط مؤشراً للتغييرات في تفضيلات الاستهلاك بل نتيجة لتقنيات تسوق مختلفة. ومن الناحية النظرية يمكن تجزئة سوق في عدد من الاساليب بافتراض ان تفضيلات المستهلك يمكن توقعها او التنبؤ بها من خلال حضور او غياب عناصر مثل الوضع الاقتصادي الاجتماعي او الجنس او العمر والاسرة وهيكل العائلة او ملكية الاسكان او «مؤشرات اساليب الحياة الاخرى». لو وضعت اثنتين او ثلاثة من هذه المتغيرات فسيكون لديك «مجموعة قطاعات». اي مزيج من السمات ترى وكأنها مرتبطة سببياً بالمستهلك المفترض او بتفضيلات اسلوب الحياة او المعيشة. وتظهر وثيقة حديثة خاصة بسياسة المملكة المتحدة كيف تم احتضان هذه السياسة المحافظة الجديدة على المستوى القومي. ويعرف ان مجلس السياحة البريطاني، وهو وكالة شبه مستقلة ذاتياً مسئولة عن تطبيق السياسة الوطنية في المملكة المتحدة، تهدف لتطوير ما يطلق عليه «تسويق العلاقة». ويشمل ذلك بناء سمات الزائر وفقاً لعوامل مثل العمل والوظيفة ومنطقة الاقامة وما إلى ذلك، لكي تقوم بتطوير وسائل تهدف إلى تحديد مجموعة من المستهلكين بدقة. وتلفت الوثيقة الانتباه ايضاً إلى الطبيعة المتغيرة لاستهلاك السياحة وسمات الزائر وتحدد ستة اتجاهات عريضة. اولاً السياح ليسوا فقط على جانب من اليسار المادي ولكنهم اكثر حيطة وحذراً بشأن نقودهم. ثانياً غالباً ما يكونون مسافرين وحيدين، ثالثاً ستكون هناك زيادة في عدد العطلات القصيرة. رابعاً سيكون للسياح وقت اقصر ولذلك فإنهم يسعون لرفع درجة تجاربهم إلى الحد الاقصى بينما يقللون إلى الحد الادنى من الجهود المطلوبة للعثور عليهم. خامساً يسعون للحصول على رحلات فردية اكثر من الرحلات الجماعية واخيراً وعلى الرغم من ان المسافرين سيكون اكبر سناً الا انهم اقل استقراراً. وتظهر أهمية هذه المقاربة، التي ترى التسوق القصير نتيجة واضحة لتجزئة الاسواق كيف تتشكل مباديء الاقتصاد السياسي لما بعد الفوردية ليس فقط داخل المملكة المتحدة بل في اماكن اخرى، وعلى سبيل المثال يظهر فوكنر كيف يجري التعامل مع موضوعات مماثلة بنفس الاسلوب في استراليا في حين ان مازانك يسجل استخدام التجزئة وفقا للاسلوب الاوروبي في النمسا ويؤكد مورجان على سياسة السياحة الاسبانية باعتبارها انموذجا آخر. ونتج عن انتشار السياحة العالمية ونمو فضاءات سياحية جديدة الى حدوث منافسة حادة بين بلدان الزيارة السياحية التي بدورها تتطلب زيادة تفضيلية في اطار السوق. وتحتاج البلدان الى سمات خاصة بها كما الاماكن في داخلها او سمة خاصة (علامة تجارية) التي تمثل مؤشرا او مرجعا لهوية المنتج وصمم ليحظى بقبول لقطاعات سوق عفية او مجموعة اسواق. وتعتمد التجزئة على التوليد او الاعتراف بالاختلاف والقصد منها هو تحقيق «فعالية اعظم في توريد المنتجات لتلبية طلب محدد». وبدوره يمكن انجاز ذلك فقط من خلال تنمية التجمعات المركزية وتحليل بيانات السوق، وبينما تطغى ما بعد الحداثة على السطح لتثير الاعجاب فان هذا الجيل من الاختلاف قد يكون فعلا التطبيق لعقلانية عصرية من قبل المنتجين. عنصر التحكم او الخيار لذلك قد يبدو ان انماط الاستهلاك، بينما تظهر انها تعرض بعض افكار الاختيار ومن هنا تعكس تحكما فرديا، قد لا تكون سوى مجرد صياغة اتجاهات هيكلية اعرض في داخل المجتمع، ومن جهة ثانية، هناك ايضا اشكال تحليلية قد ترى الاستهلاك ومن هنا السياحة، ببساطة مسألة خيار حر «وانموذج للحرية وسمة الخيار الشخصي للفردية الغربية». ولكن مايلز ينبه الى انه لا وجود لاسلوب نزيه ومستقيم لتحديد طبيعة المقاربة الصحيحة. ومع ذلك فان الخيارات تكون دائما مقيدة وكما نبه ديلارت فان اتخاذ القرار السياحي يتضمن قرارات معقدة وذات اوجه عديدة وقد تتضمن 3 انواع من القيود التي تقع خارج نطاق تحكم الافراد، اولا تلك التي يفرضها القانون او المؤسسات التي تتضمن عوامل مثل ساعات فتح المحال والحانات والنوادي وما الى ذلك، ثانيا الصعوبات التي تواجهها الاسرة والاصدقاء والزملاء وثالثا عوائق السعة التي تتضمن توفر خيارات الرحلات وتوفير اماكن الاقامة وبالطبع المصادر المالية. وربما في احسن الاحوال من الممكن القول ان الاستهلاك هو محدد جزئيا ولكن ذلك يتضمن عناصر هيكلية كبيرة مثل نتائج العولمة وادارة الاقتصاد السياسي فضلا عن العوامل الاجتماعية او الفردية مثل الثراء المالي المتوازن في مواجهة قلة الوقت. وبأساليب معينة فإن هذه الصيغة تلخص موضوعا مطروقا جيدا في العلوم الاجتماعية ذاك الخاص بالتوترات ما بين الهيكل والوكالة او اذا كنت تفضل بين المجتمع والفرد، اما الشيء الذي لا يمكن تجاهله فإن الكثير من اجازاتنا وتجاربنا في قضاء العطلات تخضع للتحكم .. ويلاحظ هانيجان على سبيل المثال ان ما هو مهم ليس دور الاستهلاك في المساعدة على تأكيد المكانة والهوية بل حقيقة ان الاستهلاك يحدث مرارا وتكرارا في اطار سياق تجارب العطلات المبرمجة.ويمكن القول جدلا ان جميع الرحلات السياحية الجماعية، في جانب من جاذبيتها، هي تجمع الرأي القائل بأن كل شيء قابل للتكهن وتحت السيطرة. اما غير المتوقع والذي تنطوي على المخطار فهو مستبعد وبصورة مماثلة فان جميع انواع الخبرة المطروحة من قبل مخيمات العطلات هي ايضا قابلة للتكهن الى درجة ان جميع الانشطة مخططة سلفا ومبرمجة، ويمكن بهذه الصورة للرحلات الجماعية ان ترى كتطبيق للعقلانية في كلا الانتاج والاستهلاك ويستطيع السياح عن طريق تطوير جداول منظمة بدقة كما هي الحال بالنسبة للسياحة على متن الحافلات، تغطية مناطق اوسع في رحلاتهم البرية ورؤية مواقع سياحية اكثر مما لو قاموا برحلات فردية، والمنتجون اي منظمي الرحلات السياحية باستطاعتهم الاستفادة بهذا الشكل من ميزان اقتصاديات كل من الفضاء والوقت في حين ان المستهلكين يستطيعون زيادة اوقات عطلاتهم بشرائهم خبرات تنظيمية. وبهذا المعنى فإن منطق «التسليع» والذي ينطبق على الانتاج ينطبق ايضا على الاستهلاك كما بصورة فعالة ايضا قيام السياح بازالة الخطر والغموض بترتيب رحلاتهم الخاصة وعرضها على وكلاء السياحة ووكلاء السفر. ومن النقاشات الحالية في اطار علم اجتماع الاستهلاك الذي يركز على هذا المظهر المتحكم به للاستهلاك ما عرضه ريتنرر الذي صاغ المصطلح القريب الذي يمكن ترجمته بـ «المقرنة» اي تعميم ظاهرة «ماكدونالد» ويرى ريتنرر انه على الرغم من مظهر الخيار الذي يبدو الاستهلاك انه يوفره فهو في الواقع يصبح معولما بشكل اكبر وقياسيا واعتمادا على مفهوم ويبدر في العقلانية فان ريتنرر يجادل بأن هذه السلسلة من مطاعم الوجبات السريعة المعولمة يمكن ان تشاهد ليس سوى انتشار لعقلنة العصرنة وتطبيق مباديء الفوردية على الانتاج الجماهيري للغذاء، وفي صياغة لاحقة تحدث ريتنرر وليسكا ايضا عن تعميم ظاهرة ديزني (ماكديزيشن) واضافا ان مثل هذا الوضع يمكن ان يطبق ايضا على السياحة، وفي موقف مغاير لأوري ومزاعمه، وهو ما يثار في الكتاب، ان السياحة شيء منفصل عن كل ما هو دنيوي مثل مشكلات الحياة. ويعتقد ريتنرر وليسكا ان الكثير من الناس يبدون انهم يريدون القيام بعطلات سياحية، وهو امر متوقع جدا وفعال للغاية ومحسوب جيدا ومنظم تنظيما عاليا وليس هناك من شك في ان اشكالا معينة من السياحة الجماعية هي من هذا النوع بالضبط وتعرض منذ وقت طويل وفي الحقيقة منذ الايام المبكرة للسياحة. وهناك ايضا اشكال من السياحة تسعى عن قصد لايجاد تجارب جديدة واماكن جديدة. ونحن في الحقيقة نتعامل مع اشكال سياحية وليس سياحة بفئتها المفردة. استهلاك المناظر ليس هناك من شك في ان المكونات المرئية للسياحة والمناظر هي عنصر رئيسي في الاستهلاك السياحي في العام 1976 كتب ماكانل يقول: «مشاهدة المناظر الطبيعية هي من الطقوس تمارس تجاه تفضيلات المجتمع وتلك هي صيغة طورت لاحقا في استعارة مجازية لاوري وتجسدت في عبارته «رؤية السائح»، ان ما يجمع هذه المقاربات هو التأكيد الذي يلقونه على المظاهر المرئية للمشاهدة كسمة جوهرية ومحددة للسياحة مثل تلك العبارة التي تصفها باعتباره شكلا متباينا من اشكال النشاط الاجتماعي، كما تتقاسم تلك المفاهيم الفكرة القائلة بأن تحديد سمات الاماكن او المواقع باعتبارها متميزة، لكونها مختلفة عن روتين الحياة اليومية، يعني حسب كلمات اوري ان العلامات التي يجمعها السياح: «ينبغي ان تكون غير عادية» او روتينية تشبه تضاريس الحياة اليومية وعلى الرغم من انتقادات ابرامز الذي يؤكد ان صيغة اوري تبالغ في التأكيد على اهمية المشهد لكنني لا ازال ارى ان الرؤية عند اوري او دلائليات الجاذبية هي العناصر الاساسية في النظام السياحي. ان تمييز الاماكن او المواقع على انها متميزة او مختلفة هي سمة ضرورية ومحددة للسياحة ولكن لدى شكوكي ايضا بأن هذه هي القصة بكاملها. وبصرف النظر عن تفضيلات الأماكن بانها متميزة ومقارنتها بأشياء يمكن تفحصها والنظر اليها فان اوري يحدد 3 مظاهر اخرى لهذا التحديق بالمشهد. اولا: المحترفون يقومون بوعي ذاتي بانتاجها تلك هي العوالم المتخيلة للاحاديث الشعبية للرحلات ثانيا: هم مخولون بأحاديث مختلفة. ثالثا: هناك فرق بين النظر الغرامي والجماعي. المظهر الاول هو على الاقل اثارة للخلاف من الثلاثة الاخرى وهناك ايضا الكثير من الدلائل التي تدعم هذا القول، وفوق كل ذلك ينبغي على اولئك المسئولين عن انتاج النظام السياحي بالضرورة ان يهتموا بموضوعات قابلة للملاحظة على مستوى الحس العام. اما النقطة الثانية فهي اكثر اثارة للمشكلات وتتطلب بعض الايضاحات وعند احد المستويات تعني المشاهدة ان الصور والاشياء الخاصة «التحديق» السياحي مستقاة من تنوع اكبر للتقاليد او الاساليب التي تخص الطبيعة والوظيفة السياحية. وتشمل هذه علي سبيل المثال السفريات الكبرى وقضاء عطلات للعناية بالصحة مثل حمامات البحر او الاستمتاع المطلق بالبحر والشمس والوجه الحسن. مثل هذه الاساليب لا تقفز الى الوجود تلقائيا بل هي ناجمة عن عمليات تاريخية بدورها يمكن ان ينظر اليها على انها ترتبط بتشكيلات اجتماعية خاصة وهي بالتأكيد بنى رمزية. وعلى الرغم من ان الفكرة القائلة بأن العوالم الرمزية هي تاريخيا وثقافيا طارئة هي تعبير دقيق في الواقع فلا يمكن الا ان تكون كذلك وتتضمن صياغة اوري للتحديق اننا جميع نقوم بتحليل الرسائل ذاتها وهنا نرى ان التحديق اتخذ طابعا كونيا. وان ما يسعى اليه السائح هو في مجموعة من الصور المزكاة وتجمع بعدئذ في الصور الفوتوغرافية. ولا يختار التحديق ما يمكن ان يفحص وينظر اليه بل يصبح السبب كله من اجل السياحة ذاتها لان «التصوير يمنح هيئة للسفر وهو استراتيجية لجمع الصور» وعلى الرغم من ان اوري يعترف بأن السياحة بطريقة ما تخلص التقسيمات الاجتماعية، فان «التحديق» مع ذلك يفترض فئة مثالية للسائح الذي يستطيع ان يستجيب فقط لمجموعة من المعاني المقررة تفك رموزها في الاحاديث والصور. في الفصل الثاني من هذا الكتاب لفت المؤلف الانظار الى مشكلات افتراض ان القراءات يمكن استقاؤها من البيئة بأسلوب بسيط دون السعي الى وسائل من خلالها يمكن التوسط عبر عوامل اجتماعية متنوعة وبكلمات اخرى فان «التحديق لا يمكن ايضاحه بصورة كافية بأنه متعدد ومختلف وجملة تفسيرات متضاربة بعيدا عن تلك التفسيرات التي عرضها الانفصال التهكمي لموضوع ما بعد الحداثة». ان هذا الفرد المنكود الذي فرض عليه أن يهيم على وجهه من منبه الى منبه آخر يعلم ان كل شيء هو نسخة او نصف فوق نصف آخر حيث المزيف او المزور يبدو اكثر واقعية من الواقع وذلك في الحقيقة قاعة ملاه ساحلية مليئة بالمرايا. وقد لا توجد اية امكانية لقراءات مختلفة ولكن قد يتضارب فعليا معها او تعزز كل قراءة الاخر بأساليب معقدة وعلى الرغم مما ذكر فانه جرى الحديث عن هذه المشكلة بلطف كبير. اما المظهر الثالث فهو وجود تحديقتين مهمتين، وهما ايضا مثار للاشكاليات وجرت مساواة التحديقة الغرامية بالوحدة والعزلة الخصوصية، وبمعنى آخر فهي نخبوية وتتطلب شكلا خاصا من المعرفة الاجتماعية وعلى النقيض فان التحديقة السياحية الجماعية تتطلب حضور سياح آخرين او اشخاص على شاكلتك وسويت هذه التحديقة بالسياحة الجماهيرية، والمشكلة هنا هي انقاسم الظاهرة المعقدة الى اما او وتمييز ثنائي. وكما يشير فراو فان الرومانسية والجماعية ليست بالضرورة ذات خصوصية، وفي الحقيقة فإن الحديث عن الجماعية في هذا المعنى «تفرز كونية زائفة» والآن وبينما كانت الجدلية القائمة في الماضي ان السياحة كانت بصورتها المهيمنة غربية اي ان السائح يصدر الى العالم فاذن قد يكون لهذه التحديقات شكلا من الكونية التاريخية، ومع كل ذلك فانه وفقا لاستطلاع النظام المعلوم فان هذه الافكار لا يمكن ان يكون لها مصداقية، وكما ذكرت سابقا فان الدول الآسيوية ذات التصنيع الحديث، اصبحت هي ايضا مصدرة للسياح. ولا تتوفر اي دلائل او سبب لكي تعترف على سبيل المثال ان عملية «التحديق» في الثقافة القومية للآخرين هي من الناحية الجوهرية نفسها في اي مكان آخر وحتى لو اننا سمحنا لانفسنا بالامتناع بأن هناك تحديقات مختلفة في التراث الثقافي المختلف للشعوب الاخرى فالسؤال المثير للاهتمام عندئذ هو ما هي الاسس التي يمكن ان تتشكل عليها، وفي عالم معولم، وكيف تتفاعل هذه التحديقات؟ ولكن النقد المطروح هنا سبب غير كاف لرفض الفكرة برمتها، وبالتأكيد فان كل من اوري وماكانل على صواب في لفت الانظار الى العناصر المرئية من السياحة وهي بوضوح مكونات رئيسية. ولا يمكن الانكار ان اماكن يمكن ان تتحول الى سلع لاجل الاستهلاك السياحي الذي يتضمن مكونا رؤيويا والحقيقة فان تلك الاشكال او المكونات تتحول الى مشاهد وموانع وبشكل اكثر وضوحا فان تميزها الرؤيوي هو الذي يمنحها خصوصيتها التي تجعلها اماكن مختلفة ولا ننكر هنا ايضا ان احاديث السفر تلعب دورا في الحوافز لدى السياح ومن هنا ينشأ النمط الاستهلاكي