قبل اسبوعين من انطلاق الجدار الفاصل في طريق البناء لم يكن مسؤلون كبار في وزارة الصناعة والتجارة والزراعة والخارجية على علم بأي شيء يتعلق به، هذا ما يظهر على الأقل من بروتوكول اللقاء الذي عقده اعضاء المنتدى الاقتصادي، في المركز الاسرائيلي - الفلسطيني للابحاث والدراسات «ايباكري» الذي جرى في مطلع شهر يونيو في تركيا. اعضاء المنتدى اجتمعوا هناك في محاولة منهم لانقاذ ما تركه (الارهاب) وردود الفعل عليه من التعاون الاقتصادي بين اسرائيل والسلطة الفلسطينية، كبير المشاركين الاسرائيليين مجلي وهبه الذي كان في السابق مستشارا لشارون لشئون الشرق الاوسط وأصبح اليوم المدير العام لمكتب التنمية الاقليمي، يؤكد ان اللقاء جرى بترحيب من رئيس الوزراء الاسرائيلي، كما يؤكد ان شارون قد وافق على مشاركته ايضا في لقاء اقتصادي كان قد عقد قبل اسبوعين في القاهرة بمشاركة ممثلين عن مصر والاردن واسرائيل والسلطة. على حد قول كبير المشاركين الفلسطينيين في محادثات تركيا، نائب وزير الاقتصاد ماهر الكرد، فان عرفات يعلم بكل ما يجري بدقة، الكرد قال في الاجتماع انه ونظراءه في السلطة يبحثون منذ اسابيع وبلا جدوى عن ردود على اسئلة تتعلق بانتقال البضائع بين الجدار القديم المحيط بغزة وبين الجدار الجديد الذي يشيد حول الضفة أو لعملية النقل بين «الكانتونات في الضفة أو منها الى الاردن ومصر». يتبين ان كل الوزارات السياسية والاقتصادية لا تعرف شيئا عن الامر، وانه مسألة أمنية بحتة. «يقول الكرد ويؤكد انه لم يحصل على ردود اسرائيلية حول ما يترتب على انشاء معبر بيتونيا»: هل سيكون محطة جمركية؟ هل تعتبر هذه الحدود حدودا اقتصادية؟ هل يعني ذلك ضم المنطقة بين بيتونيا واللطرون؟«لا يوجد أي مؤشر في بروتوكول اللقاء يشير الى ان أحدا قد أعطى ردودا على اسئلة الكرد الصعبة هذه». مدير عام وزارة التنمية الاقليمية، وهبه، أكد بالامس ان مخططي الجدار يرون فيه مسألة أمنية صرفة، وانه لم يجر أي نقاش أو نصف نقاش حول التبعات الاقتصادية بعيدة المدى المترتبة على الفصل الامني، وهبه يحذر من ان خط التماس الذي حددته الجهات الامنية لحركة الناس والبضائع بين اسرائيل والسلطة سيتسبب في تحويل التعاون التجاري الى تعاون بين الجناة من العالم السفلي، وعلى حد قوله تحول التجار في طريقة «من الظهر للظهر» (أي نقل البضائع من شاحنة الى اخرى في منطقة الحاجز) الى فريسة حية لشره وطمع كل قائد حاجز محلي. وهبه يرفض التطرق لأسماء الجهات الامنية المسئولة عن تجاهل التبعات الاقتصادية المترتبة على الجدار، «لأسفي هناك في جهاز الدفاع أطراف تقوم بصب الزيت على النار بدلا من مساعدة الناس في المناطق والتفكير بالجوانب المدنية، اللقاء في تركيا برهن على وجود أشخاص ايجابيين يرغبون في الحفاظ على قنوات مفتوحة معنا في السلطة الفلسطينية، رئيس الوزراء والوزير روني ميلو يشجعانني على التعاون مع هؤلاء الاشخاص لتطوير أوضاع السكان الفلسطينيين، ولكن للأسف الشديد توجد في جهاز الدفاع أطراف تقوم بكل ما في وسعها حتى يصبح الوضع أكثر سوءا». ماهر الكرد نائب وزير الاقتصاد الفلسطيني قال في لقاء تركيا ان أحدا لا يتخيل حجم الانفجار الذي سيحدث اذا تركت اسرائيل المعابر في الحدود مغلقة بشكل محكم. وقال «ان الفلسطينيين كانوا قادرين على السير في أعقاب الاردن ومصر اللتين قطعتا اغلبية العلاقات الاقتصادية مع اسرائيل، ولكن الجيران العرب الآخرين يستطيعون التحرك على ارضهم بلا عوائق، أما تجار الأثاث من نابلس فلا ينجحون طوال شهر كامل في ارسال مقعدين جديدين الى مكتب نائب الوزير الموجود في رام الله حتى يضعهما مكان المقعدين المحطمين في عملية السور الواقي». الكرد يقول ان المستوطنة الاسرائيلية المسماة «يهودا والسامرة وغزة» قد حولت إثر سياسة الطوق الى ثماني مناطق طبيعية محمية في الضفة و3-4 مناطق في غزة، وهو يقول ايضا ان عددا من ضباط الادارة المدنية الاسرائيلية قد تم استدعاؤهم للعودة الى مناصبهم، وأنهم قد وضعوا لهم مكاتب في بيت ايل، بعض رؤساء البلديات مثل رئيس بلدية طولكرم ورام الله استدعوا اليهم حيث وعدوهم بحل كل المشاكل اذا توجهوا اليهم مباشرة، أي بدلا من التوجه لاجهزة السلطة، والامور المترتبة على اعادة الادارة المدنية ستتجاوز حدود المجتمع الفلسطيني لتصل الى العالم العربي كله وللأسرة الدولية ايضا، هذه حكاية جديدة كليا. نبأ عملية مفترق مجيدو وصل الى المسئولين الاقتصاديين الفلسطينيين والاسرائيليين وهم في طريقهم الى غرفة الاجتماعات في تركيا، الممثلون الفلسطينيون عزوا الاسرائيليين وشجبوا الارهاب عموما وهاجموا العمليات الانتحارية على وجه الخصوص وأوضحوا ان كل ذلك يحدث بسبب المعاناة التي يلحقها الاحتلال في كل بيت في المناطق، من هنا كانت طريق الاقتصاديين قصيرة للوصول الى المفترق الذي يلتقي فيه المال والارهاب، فؤاد جابر الذي يترأس المنظمة العليا للبنوك الفلسطينية قال: «أنا أفهم ان الامر الوحيد الذي يفكر به الاسرائيليون هو ان يتم تخصيص المال الفلسطيني الذي يحتفظون به لأنشطة معينة» وجابر قال «ان هذا المال مخصص لشراء الأدوية». رئيس الجمارك الفلسطيني ناصر طهبوب قال: سأحاول صياغة ذلك بأكثر الطرق دبلوماسية، اذا كان أحد ما بحاجة الى مصادر لتمويل العمليات الارهابية فقد وجدها، علينا ان لا نكون ساذجين، التمويل يمكن ان يأتي من كل مكان في العالم، من السخيف الادعاء أنك اذا كنت تدفع لعائلة الشهيد فأنت انما تمول الارهاب، كم هو المبلغ المخصص: 300 دولار؟ 400 دولار؟. الاقتصادي رافي بنفنستي الذي كان مستشارا لبيريز عندما كان وزيرا للتنمية الاقليمية عدل قوله: «50 ألف دولار» طهبوب: 50 ألف دولار ليست آتية من الفلسطينيين، وهذا ما أحاول قوله بطريقة دبلوماسية.. العراق هو الذي يدفع، أنت تستطيع ان تحصل على أي مبلغ تريده، نفترض ان 10 في المئة أو 20 في المئة (التي صادرتها اسرائيل) من هذا المال قد حولت - كما يمكن لكل واحد ان يدعي - لتمويل عمليات ارهابية، هذا الامر توقف نحن الذين نتحكم بذلك اليوم. طهبوب اشتكى من ان المال الذي تتحفظ عليه اسرائيل (600 مليون دولار بعد خصم الديون الفلسطينية التي تدفعها المالية الى جهات اسرائيلية) قد تآكل وخسر 80 في المئة من قيمته، قبل 18 شهرا أرسلت السلطة رسالة لوزير المالية سيلفان شالوم وفيها طلب لاستثمار المال في برامج ذات فائدة وقيمة تراكمية، المحرر ورجل الاعمال حنا سنيورة أنهى فصل الارهاب والمال: «يبدو أننا لسنا قادرين على اتخاذ قرار بشأن المال المجمد، ولكن من الممكن اجراء عصف أدمغة مشترك حول الامر» سنيورة قال: يبدو ان الفصل غير قابل للتوقف، ولم يتبق الا محاولة فهم كيفية تأثيره على الناس الذين يعيشون من على جانبي الجدار. الوزير ايفي ايتام اتهم أصحاب فكرة الجدار الأمني مؤخرا بالقول انهم «يفرطون بأمن 200 ألف اسرائيلي» الذين يعيشون في الجانب الشرقي للجدار، ولكن بحثا أجري في السنة الاخيرة يشير الى ان ايتام وقلة قليلة من المستوطنين الايديولوجيين هم الذين يفرطون بأمن اغلبية الاسرائيليين القاطنين في الجانب الغربي للجدار في داخل اسرائيل. هذا البحث الذي سينشر في الاسابيع القريبة يشير الى ان أقل من 10 في المئة من المستوطنين (5 آلاف عائلة) قد ردوا بالنفي على سؤال اذا كانوا على استعداد للعودة الى اسرائيل مقابل تعويض معقول، وعندما سينشر هذا البحث سيتبين لمواطني اسرائيل ان 180 ألف شخص في المستوطنات موجودين هناك كرهائن بيد الحكومة. في أواخر عام 1993 بعد اوسلو بفترة وجيزة بادر عضو الكنيست يوسي كاتس من حزب العمل الى اعداد برنامج تعويضات للمستوطنين الراغبين في الرحيل كاتس يقول انه فعل ذلك بناء على توجهات كثيرة وصلته من مستوطنين كثيرين في المناطق وبفضل خطة كاتس هذه حصلت كل عائلة عادت الى اسرائيل على 800 شيكل شهريا كمساعدة في أجرة الشقة. في عام 1999 بعد ان أفشلت اغلبية في الكنيست تمرير قانون تعويض المستوطنين قررت عضو الكنيست عنات ماؤول تجربة فكرة اخرى بعد ان وصلتها توجهات من سكان مستوطنة ريمونيم، حاييم رامون صاحب فكرة اخلاء المستوطنين الموجودين خارج الكتل الاستيطانية المجاورة للخط الاخضر ومثله كل اعضاء حزب العمل لم يتعاونوا مع ماؤور. رامون يقول ان سن قوانين شخصية فردية ليس ملائما لتحقيق مثل هذا الهدف الا انه يشجع رفاقه في المبادرة لوضع خطط لاعادة توطين المستوطنين الراغبين في الانتقال. رسالة أرسلت في الشهر الماضي الى مراكز الابحاث الذي يعكف على اعداد حلول لمشكلة اللاجئين الفلسطينيين والمستوطنين الاسرائيليين تشير الى ان المسألة تشغل بال الادارة الامريكية ايضا في بداية رسالة مرديت لوبيل من وحدة الابحاث في معهد (Ashoka( المختص في المشاريع الاجتماعية والجماهيرية في أرجاء العالم جاء ان «موظفي الادارة الأميركية الكبار الذين يتابعون عملية السلام» طلبوا من رئيس المعهد وليام دريتون ان يقوم بطرح أفكار قد تساعدهم في مهمتهم، وفي المعهد يعدون في هذه الايام «رزمة توطين لأبطال السلام»، الى جانب المساعدة في السكن والتعليم والعمل، وتقترح الخطة تحويل اللاجئين والمستوطنين من ضحايا للسلام الى حملة راية السلام. عن «هآرتس»