لابد للأمر ان يحدث في يوم ما، سواء أكان القاء القبض على شخص يشتبه في اعداده لتفجير ضربة موفقة غير متوقعة ام لم يكن كذلك، او كان توجيه ضربة وقائية من الامور التي تعني الحكمة ام لا تعنيها، او كان تأسيس وزارة أمن عملاقة، في الولايات المتحدة تحركا صائباً ام لم يكن، فعاجلاً ام آجلاً ستكون هناك هجمة ناجحة. وبالطبع، فإن ذلك لا يعني القول ان جماعة «القاعدة» والجماعات المتحالفة معها او القريبة منها مستمرة في تحقيق الانتصار. الواقع انهم مستمرون في خسارتهم، وعلى وجه التحديد عندما عادوا الى استخدام الأساليب التي اختاروها في منفاهم في افغانستان فخسروا بشكل او بآخر منذ 11 سبتمبر الا انه حتى البقية الباقية ربما ترتبت عليها عواقب وخيمة. وخطة الحكومة البريطانية المتواضعة لتجميع قوة من جنود الاحتياط تتماشى مع هذه الحقيقة. والحقيقة التي لا ريب فيها تجعل من الامور الاكثر دقة انه يتحتم على الجهة التي ستوجه اليها هذه الضربات ان تكون قوية، وليس فقط ما يتعلق بإعدادها المسبق لبعض الوسائل المادية التي تمكنها من اصلاح ما يمكنها اصلاحه بعد وقوع الكوارث. ان ما يتوجب القيام به سيصبح ضرورياً لو لم يكن هناك شيء كتنظيم «القاعدة» فنحن ما زلنا لا نعرف شيئاً عن مدى اقتراب كل من الهند والباكستان من الدخول في الحرب خلال الأسابيع القريبة الماضية او مدى اقترابهما منها الآن. وربما كانتا اقل اقتراباً مما كان يتصوره البعض. لكنهما قريبتان بما فيه الكفاية بالتأكيد، حيث يتوجب علينا ان ندرك ان المشكلة التي نواجهها هي مشكلة سلسلة من الازمات يواجهها العالم تتجاوز قدرات الولايات المتحدة الدبلوماسية والعسكرية وغيرها من الامم فيما يتعلق بامكانية السيطرة عليها. الا انه الى الآن لا يوجد ما ينفي ان أزمات مثل تلك التي يشهدها جنوب آسيا والشرق الاوسط كانت قد اججتها ردود الافعال تجاه أحداث سبتمبر. لقد قاد ذلك الحدث في الواقع الى صراع اكثر حدة في كل من هذه المناطق، كما ان الانشطة والحسابات التي تقوم بها الجماعات المتطرفة تستمر في اعاقتها الجهود التي يقوم بها اي من الاطراف الاخرى التي تسعى الى التوسط. لكن هذه المواقف كانت ستتحول الى مواقف اكثر خطورة لو لم يكتب لنا ان نسمع عن تنظيم «القاعدة» ولو قدر لبرجي مركز التجارة العالمي ان يظلا في مكانهما الا انه بعد هذا كله لو ان تبادلاً للقصف باستخدام الاسلحة النووية بين الهند وباكستان كان قد وقع، فهل يمكننا ان نتصور اننا على الرغم من كل شيء سنظل نشعر بالقلق تجاه تنظيم «القاعدة»؟ ان عدداً كبيراً من هذه التنظيمات قد تبخر في الواقع وما بقي منها سيؤلف بلا شك عنصراً واحداً في منظومة نزعة التشدد، وجماعات الألفية والانتقام التي ستظهر بلا شك في كل مكان في العالم في حال اندلاع حرب كهذه. في نهاية الجانب الآخر من محور الأزمات هذا، وبينما لا يشكل الصراع العربي ـ الاسرائيلي سوى التسلح النووي من طرف واحد، فإنه لا يوجد ما يضمن لهذا الوضع ان يستمر طويلاً. فبعيداً عن الاحتمالات المتوقعة بأن يمتلك العراق أسلحة نووية هناك الجهود الايرانية التي تسير في الاتجاه نفسه، وهناك دول شرق اوسطية اخرى ما زالت تبقي الخيار مفتوحاً على الأقل. وشبح اتساع رقعة الدول التي تمتلك اسلحة نووية من تل ابيب الى شنغهاي ما زال يلوح في الأفق. لكن المؤشرات على ان فريق ادارة بوش غير واثق ومنقسم حول نوع القيادة التي يجب ان يطرحها تتزايد، كما ان الطاقات التي يجب ان تكون جاهزة للعمل لحظة البدء بتنفيذ المهمة الصعبة من اجل تحويل خارطة العالم السياسية كثيراً ما يتم استبدالها لاعتبارات دفاعية داخلية يمكن تأمينها للناس. ان لدى الادارة الاميركية خطة للأمن الداخلي، كما ان لديها خطة عسكرية وقائية ضد الدول المارقة واحداها الخطة البيروقراطية لاعادة التنظيم، التي ربما كانت مفيدة وربما لا تجدي نفعاً وربما تحولت الى نموذج تحتذى به دول اخرى. اما الاخرى فهي تقدم تعميماً يعرف جيداً انه سيكون مقبولاً من حيث المبدأ اما من الناحية العملية فلن يتحقق ذلك الا بعد التحقق منه جيداً. وبالتأكيد فإنها لن تتمكن من اضفاء الشرعية مقدماً على هجوم تشنه على العراق، مثلاً وفي الوقت الراهن فإن الولايات المتحدة تعطي تشجيعاً حذراً للاسرائيليين او الهنود ليبدأ اي منهما ضربة وقائية لحسابه. وبالتالي فإن لدينا خططاً لا تترابط الا بأوسع المعاني في وجه أخطار محددة، الا اننا لا نرى خططاً محددة للتعامل مع الازمتين اللتين تطلان علينا. ان مستقبل افغانستان قد تم تعريضه للخطر بالصفقة التي ابرمتها الولايات المتحدة مع الزعماء المحليين في كلا الجانبين الواقعين هناك على الخط القديم الفاصل بين المعسكرين، من اجل الحصول على المساعدة في العثور على «القاعدة» وطالبان وفي محاربتهما، ولان الولايات المتحدة لم تكن مستمتعة باستدراجها الى المشاركة في الوصاية العسكرية الدولية حتى لو كان ذلك على نحو غير مباشر، وهي مسألة يبدو فيها ان الفوائد المرجوة من المساعي قصيرة الاجل ربما ترتبت عليها عواقب طويلة الاجل. ومع ان الاميركيين يبدون الآن وكأنهم قد نجحوا في تهدئة الاوضاع المتعلقة بالمواجهة بين الهند وباكستان في الوقت الراهن، وهو ما نشكرهم عليه بلا شك، الا انهم مع ذلك كانوا يعاملون كشمير على انها دليل على اتساع رقعة الارهاب في العالم يستوجب تطبيق المبدأ المعروف، اي ضرورة الرد العسكري المبرر، لا التهدئة بالمفاوضات. وللأسف، فإن ذلك التوجه سيستمر في تهديده بالحرب الى ان تحصل باكستان على الأقل على ارضاءات محدودة. على الرغم من انه من غير الواقعي توقع قيام الهند بتقديم تنازلات الآن، الا ان ذلك سيتحقق عند نقطة محددة في المستقبل القريب، اذا رغبت الهند بتحقيق نوع من انواع التسوية، والولايات المتحدة هي البلد الوحيد الذي يمكنه ان يقنع نيودلهي بالقيام بذلك. لكنه من غير الواضح ان كانت قد قررت القيام بهذه المحاولة. واذا كان غياب الخطة هو ما يبعث على القلق في منطقة جنوب آسيا فهو يتجلى على نحو أكثر وضوحاً في الشرق الاوسط، فمنذ ان ادلى بوش بحديثه في شهر ابريل الماضي مطالباً اسرائيل بالانسحاب من الاراضي الفلسطينية استمر ارييل شارون رئيس الوزراء الاسرائيلي في العمل بنجاح على اعاقة وتأخير ظهور اي خطة سياسية متماسكة مقنعاً بوش بتبني شروط مستحيلة او غير مناسبة قبل الشروع في اي محادثات سياسية. وبمساندة حلفائه في واشنطن تمكن من المراهنة على الاصلاحات الفلسطينية، وعلى الشخصية الخارقة المزعومة للرئيس عرفات والى الحاجة الى وضع حد لكل الهجمات حتى قبل التفكير في المفاوضات، ومن وضعها في طريق مسدود. وعلى الرغم من ان وزير الخارجية كولن باول يعرف جيداً ما يهدف اليه شارون الا ان بوش ما زال منحازاً الى جانب رئيس الوزراء الاسرائيلي، واذا استمر في ذلك فإن ذلك سيقود الى الحرب لا الى السلم، والى التحول الكبير لأصدقاء اميركا العرب.ان ادارة بوش تتحدث بشكل مباشر عن الزعامة الأميركية الا انه لا واشنطن ولا بقية عواصم العالم يمكنها ان تتصرف كما لو ان الولايات المتحدة كانت مجرد دولة اخرى. وبالطبع، فإن غالبية من ينتقدونها لا يفعلون ذلك بسبب مطالبتهم لها بعدم التدخل في شئونهم وانما لأنهم يريدون ان يروا هذا التدخل او الضغط يسير في اتجاه مختلف. وبالنسبة للعالم فإن هناك وقوداً اكثر اهمية من النفط نطلق عليه اسم التفاؤل يكمن في ادراك ان الامور ما زالت تحت السيطرة، وانها في طريقها الى الحل، او على الاقل الاحتواء. وقد مررنا بهذه التجربة في الحرب العالمية الثانية عندما كان الحلفاء يسعون الى هزيمة المانيا واليابان، ومررنا بها في مرحلة الحرب الباردة، فيما تقبلت القوى المتصارعة الحقيقة القائلة بأن النصر هدف محفوف بالمخاطرة وانه حتى مجرد المنافسة العنيفة على الجبهات المنعزلة كان مساوياً للوجود المشترك. لقد تكرر ذلك مرة اخرى في التسعينيات فيما كانت بعض الجهود تبذل من اجل التعامل مع المشكلات التي تم اهمالها في حقبة الحرب الباردة او التي اوجدها ذلك الصراع او ادى الى تأزمها اما اذا كانت هذه المشكلات موجودة الآن فإن هذا هو السؤال الأكثر أهمية، والسؤال الذي ما زلنا لا نملك له جواباً. ترجمة: مريم جمعة فرج عن « جارديان »