قضية المرأة في عالمنا العربي تتم المتاجرة بها علناً وعلى مستويات عدة من الرجال: أدباء، كتاب، شعراء أو من المبدعين المختلفين في الفكر والمدارس الفنية على أشكالها وألوانها، وحتى من النساء أنفسهن حيث نجد ان البعض منهن يتحمسن في الحديث والحوار حول حقوق المرأة وضرورة المساواة بينها وبين الرجل ثم يمارسن أفعالاً تتنافى تماماً مع ما ينادين به في الجامعات والمنتديات واللقاءات الصحافية والتلفزيونية وغيرهما. ولكن أعمالنا الفنية السينمائية والتلفزيونية تهمل تجسيد هذه الصور المقلوبة عند الرجل والمرأة واليك عزيزي القاريء هذه المشاهد الدرامية من الواقع: ـ أديب كبير ومشهور تعلمت منه ومن كتاباته معاني عظيمة عن الحياة والثقافة والأدب وعن الحرية بشكل خاص وعندما تعرفت عليه عن قرب ودخلت منزله ذات يوم رأيت صورة معكوسة تماماً خصوصاً فيما يتعلق بالمرأة فهو لا يسمح لزوجته أو ابنته ان تتحدث بالهاتف أو تشاهد التلفزيون إلا في حضوره، حيث انه يغلق بالمفتاح غرفته الخاصة بالبيت وهي تحتوي على المكتبة والفيديو والتلفزيون والهاتف.. وعند دخولي أو خروجي معه يصفق مرتين كاشارة منه لأن تخلي زوجته أو ابنته الطريق، فهناك رجل قادم أو راحل! وعندما ناقشته مرة في هذا الأمر قال لي: الكتابة والأدب والشعر بالنسبة لي مهنة أمارسها خارج البيت فقط! وطبعاً هذا الكلام ليس للنشر! ـ رجل دين عقلاني ومحبوب من جميع أهالي القرية زوّج بناته الثلاث عنوة من رجال غرباء لا يعرفونهم ورفض جميع أقاربه من أجل المال، لكن الزيجات الثلاث باءت بالفشل بعد أقل من سبع سنوات ومازالت قضايا النفقة ورعاية الأطفال أمام المحاكم وهو لايزال يواصل خطب الوعظ والارشاد عن حقوق المرأة المسلمة وأبسطها حق اختيار الزوج! ـ ثلاث فنانات محجبات شغوفات بالظهور على الشاشة الصغيرة كلما أمكن والقيام بدور الداعية الاسلامية، ويقمن بالوعظ والتوجيه ومرة تصرح وأخرى تلمح ان الفنانات غير المحجبات عاصيات ويطلبن من الله لهن الهداية، رغم انني في المرة الوحيدة التي قابلت فيها المرحوم الشيخ محمد متولي الشعراوي سألته عن هذه القضية وتردد وتحفّظ كثيراً في الفتوى ثم قال: ان توبة الفنانات المحجبات لا تقبل إلا بشرطين أساسيين: أولاً أن تتبرع كل واحدة منهن بكل المال الذي كسبته من الفن في أعمال الخير ولا يحق لها ان تأكل وتلبس وتسكن من هذا المال. وثانياً ألا تقوم بدور الخطيب أو الواعظ على شاشات التلفاز وتعتكف نهائياً عن ذلك، لأن صوت المرأة عورة وهنا تكون توبتها مقبولة! والأمثلة كثيرة والصور متعددة ونراها يومياً تحدث في كل مكان لكنها بصدق تعكس حالة مرضية خطيرة ومزمنة يعيشها الانسان العربي، انها حالة انفصام حاد في الشخصية الثقافية والفكرية واضحة المعالم وهي السبب الأساسي والمباشر في تخلفنا، كما أرى حيث أصبحت التجارة في كل شيء من أهم سمات هذا العصر حتى الافكار والمباديء والقيم! وإذا كان الفيلسوف الفرنسي رينيه ديكارت قد قال منذ أربعة قرون مضت: «أنا أفكّر إذن أنا موجود» فإن الشعار الذي يرفعه الكثير من مثقفي وفناني هذا العصر «أنا أتاجر إذن أنا موجود»! ـ لام ألف للأديب ولام ألف اضافية للفنانات المحجبات لأن الفن ضرورة كالحياة وعمر الفن يكاد يكون هو عمر الانسان. مسعد النجار