بيان الكتب: في هذا الكتاب سيذكّرنا أمجد ناصر، الشاعر والصحافي المعروف والمقيم بلندن منذ سنوات بالرحالة العرب الذين تنقلوا في مختلف اصقاع العالم، ليعطوا قراءهم وصفاً مذهلاً للمراكز الحضرية وحياتها الصناعية والزراعية والاجتماعية في تلك الازمنة الغابرة التي كانت امكانية الانتقال فيها محدودة وصعبة للغاية.. وهنا سيركب دروبهم ذاتها، ولكنه سيختلف عنهم في شيئين اثنين: اوّلهما انه يسافر في زمن الطائرة والفضائيات التي مسحت كل صغيرة وكبيرة على وجه الارض وداخل البحر وفوق اقاصي الجبال، وثانيهما انه لن يكتفي بتقديم صورة حسيّة وصفية للمكان واهله، وانما سيفتح عوالمه الداخلية لقارئه ليجول فيها ويتعرف اليه في صورته الجديدة، فنقرأ نصوصاً ابداعية رائعة عن المدن التي عاش فيها زمناً، او تلك التي مرّ بها لتغطية صحافية او لندوة ادبية، فتنقلنا اللغة الجميلة نحو لحظات خطيرة من تاريخ هذه المدن الحيّ، حيث في كلّ مدينة ستقع على مكان محبب زرته او عشت فيه، او شخص قريب منك التقيته في مقهى او فندق، فتدرك ان هذا الكتاب يعينك بالدرجة الاولى، وربّما هو بعض تاريخك ايضاً، فتعصف بك الذكريات والعواطف. من آرثر رامبو الى عبدالفتاح اسماعيل انها عدن القابعة في ذاكرتنا الجمعية، عدن الشاعر الفرنسي رامبو، وعدن عبدالفتاح اسماعيل وتلك اللحظات العاصفة من تاريخ هذه المدينة الشبيه كل الشبه بتراجيديا اسطورية تنطلق من لحظة حلمية لتنتهي بأنهار من الدماء، وسيدفع بنا الكاتب قسراً لتذكّر تلك الايام التي توجّهت فيها انظار اليسار العربي نحو عدن الثورة وقلعة الماركسية، التي ابى قادتها إلا ان يحسموا صراعاتهم الداخلية بالبندقية وليس بالحوار، فكان ما كان من قتل ودماء وتخريب وتشويه لهذه المدينة الجميلة، او على الاقل ايقاف سيرورة التطوّر فيها ريثما ينتهي الاخوة الاعداء من حروبهم، فتأسف لتلك اللحظات التي اعتقدت فيها انه يمكن للاشتراكية ان تبنى في بلاد متخلفة، وذلك هو حال كاتبنا الذي سافر اليها في تلك الايام العاصفة بالشعارات، وليس ثمة وقت للتفكير برامبو وغيره، وها هو الان وبعد خمسة عشر عاماً يعود اليها ليقارن بين الزمنين، وستقول له احدى المثقفات: كأن عشرين سنة من الاشتراكية لم تكن شيئاً، والموجة السلفية اكتسحت كلّ شيء، وسيقول له مثقف آخر: هذه ليست وحدة، انها الحاق وضمّ بقوّة السلاح، وهو الى ذلك سيتنقل في ارجاء المدينة التي يعرفها جيداً، وخصوصاً في «كريتر» مركز المدينة القديمة، هناك حيث عاش رامبو في وكالة تجارية فرنسية في نهايات القرن التاسع عشر، سعياً لاقامة تجارة تؤمّن له حياته في مجتمع بورجوازي لا يرحم امثاله، او هرباً من سياسات بلاده التي كانت تستعد للانقضاض على العالم فتحيله الى مستعمرات ومناطق نفوذ، فكان شاهداً على كلّ ذلك، ورسائله التي كتبها من عدن تؤكّد ذلك. وهاهم مثقفو اليوم يتنادون للالتقاء في عدن، تكريماً للشاعر الروائي صاحب «المركب النشوان» و«ما يقال للشاعر عن الازهار»، وسيعملون جاهدين لمعرفة مكان سكنه وتحويله الى مركز ثقافي برغبة قوية من المثقفين الفرنسيين وحكومتهم. واذا كانت الرحلة الى عدن اخذت جانباً كبيراً من الكتابة، الا انه سيكمل الرحلة نحو صنعاء، والى ذلك سيفتح الذاكرة الى اقصاها فيستحضر الشاعر امرئ القيس وقرية «عندل» وسيتحدث عن الجبال اليمنية التي عملت فيها ايدي اليمنيين منذ فجر التاريخ لانتزاع التربة من الصخر لزرعها، الامرالذي يعكس جانباً عملياً ودأباً كبيراً من حياة اليمنيين والذي تجلى بشكل واضح في العمارة اليمنية.. «كلّ بيت كان قطعة فنية تشبه الاخرى وتختلف عنها، بيوت من طبقات مشيّدة من الحجر وكأنها لوحات خرجت لتوّها من معجم ياقوت الحمويّ، او من ألف ليلة وليلة يمانية: الابواب الخشبية، النوافذ، التناغم الكبير بين الكتلة والفراغ وبين الالوان المنبعثة من القمريات والعقود البيض، لهذا المعمار روح تلمس وحضور طاغ كأنه كائن حيّ». بيروت نجمتنا الاخيرة بيروت التي اقام فيها بضع سنين ابان السبعينيات واوائل الثمانينيات، ثم رحل عنها قسراً في عداد من رحلوا من اعضاء المنظمات الفلسطينية بعد الغزو الاسرائيلي عام 1982، سيعود اليها هذه المرة بعد اربعة عشر عاماً من الغياب، وستعصف به الذكريات، سيما وانها بيته العائلي الأول، ولما كان المقام هنا هو مقام الذكرى والحنين الى ايام اشعلها في نهاراتها ولياليها، فانه سوف يحاول تركيب الصورة الجديدة على الصور الباقية في الذاكرة، سيبحث عن المقاهي التي ارتادها مع اصدقاء لم يعد لهم وجود، فلكل واحد منهم قصته مع هذه المدينة التي رفعت رأسها من بين المدن العربية كأم كبيرة قادرة على العطاء أبداً بفيوض من الامومة، فجاءها المثقفون والشعراء الفنانون الحالمون، والى جانبهم ايضاً جاءت الاحزاب والميلشيات. لقد كانت اماً كبيرة كما اسلفنا، ولكنهم كأبناء يتامى العدنيين كبروا عنها، فسعوا لتغيير صورتها، وعندما لم تستجب ذبحوها من الوريد الى الوريد، ثم سلخوا جلدها ليكتبوا عليه ملاحم انتصاراتهم المزعومة، لقد ماتت بيروت قبل ان يقطع ما تبقى من اوصالها جيش شارون بسنين، وها هي اليوم تنهض من بين الانقاض ضعيفة ومنكسرة، كأنها خرجت للتو من بين مخالب وانياب وحش كاسر، ولا قدرة لديها لاحتضان ابنائها التائبين، فماذا سيفعل الشاعر العائد لزيارتها بعد 14 عاماً، والى اي اطلال سيقف ويلقي قصائد الحنين؟! واذا كان ثمة تشابه في المصائر بين سيرتي عدن وبيروت، فماذا عن دمشق عاصمة العرب الاولى ومنطلق فتوحاتهم نحو العالم؟ ثمّ ماذا عن الصور الاولى القابعة في ذاكرة المؤلف عن هذه المدينة؟ سيحدثنا عن كل ذلك مطوّلاً، وسيعتبر ان دمشق تحوّلت الى حاضنة بديلة بعيد سقوط بيروت، فأمّها المنفيون والمتعبون من ليل العروبة الطويل، يقول: «لم اكن اصدق ان سقوط بيروت تحت فوهة «الميركافا» ومناظير ارييل شارون المقربة، هو في وجه من وجوهه، مثل سقوط غرناطة، نهاية حلم ومشروع وزمن، الا بعد ان سقطت فعلاً. كان الجرح ساخناً ولم يكن ممكناً تقدير عمقه. وفي ظلّ هذا الوضع الذي كان عليه العالم العربي يوم ذاك، وربّما لم يزل، كانت دمشق هي العاصمة الاقرب الى بيروت على غير صعيد، ولهذا السبب تلقت من دون العواصم الاخرى القسط الاكبر من استحقاقات الاجتياح الاسرائيلي للبنان». بحثاً عن السكينة وفي جانب اخر من الرحلة سيتّجه الكاتب نحو الجامع الاموي الكبير برفقة الاعلامي منير عبيد، وسيكتب وصفاً اخاذاً وزخارف الجامع الذي بناه الوليد بن عبدالملك، وسندرك لاحقاً ان الشاعر الكاتب هنا، لم يقصد المسجد الجامع بدمشق لغاية سياحية، وانما بقصد العلاج الروحي لنفسه المرهقة بما حملته من شعارات ومثل علمانية، وما تحمّلته من هزائم وانكسارات، وهو الى ذلك سيقول: «لا شيء تغيّر في جامع بني امية، فرخامه لا يزال يمتلك تلك اللمعة الكابية نفسها، التي تعني ان الايام توالت عليه بتصميم قاس لا يعرف الكلل.. الذي تغيّر هو انا زدت اثنين وعشرين عاماً، اقل براءة ودهشة مما كنت، واشد حاجة الى سكينة الاعماق..» فيدخل الجامع وتتسلمه السكينة من الباب، فتقوده في رحاب المسجد وداخل احرمه هناك حيث ضريح النبي يحيى او يوحنا المعمدان. والبحث عن السكينة سيفضي به اخيراً الى ضريح الشيخ محيي الدين بن عربي، هذا المتصوّف الكبير الذي جاء الى دمشق من الاندلس فأقام فيها حتى وفاته فدفن فيها، وبات ضريحه مزاراً يؤمه الباحثون عن السكينة من افراد الشعب ومثقفيه على السواء، وسيوضّح الكاتب ذلك في قوله: «ولكن هذه الزيارة ـ السياحية لم تكن لتتم لولا انني صرت قريباً من ارض «الشيخ الاكبر» قرباً لا استطيع تحديده الان.. وقد يحتاج الامر الى استعداد خاص لولوج تلك الاماكن التي تخفّ فيها الانفس.. اتصوّر ان اهتمامي بصاحب «الفتوحات المكيّة» لن يتوقف عند حدود ضريحه ونتق من سيرته وفكره، فأغلب الظن اني سأذهب ابعد من ذلك، ولكن الى اي حد؟ الله اعلم»! والى جانب المدن التي توقفنا عندها سيضم الكاتب ايضاً زيارات لكل من سلطنة عمان والمملكة المغربية وكندا، وبذات الطريقة المحببة في التناول والسرد بالدمج بين الذاتي والموضوعي، والتعبير بكل صدق عمّا تطرحه الامكنة وشخوصها وسياقاتها التاريخية والاجتماعية من اسئلة مباشرة او غير مباشرة وتلك هي مأثرته. انه كتاب ممتع وننصح بقراءته. عزت عمر