لا يزال العالم بأسره يشعر بالاعتماد على قوة القاطرة الأميركية. ليس هناك اي قاطرة قوية اخرى في المدى المنظور، مع ان اليابان ربما بدأت بعد طول انتظار تظهر العلامات الاولى لشفاء معتدل محتمل. وعلى الرغم من جو الانقباض والكآبة الذي هيمن على التفاؤل الاميركي والاوروبي بعد 11 سبتمبر فإن الربع الاول من عام 2002 سجل نمواً حقيقياً قوياً فعلاً في اجمالي الناتج القومي. كانت هذه مفاجأة سارة للمتعاملين في وول ستريت، مما جعل اسعار الاسهم الاميركية ترتفع فوق مستويات مؤشر داو جونز قبيل 11 سبتمبر كما ان خبراء الاقتصاد اعلنوا ان فترة ركود مارس 2001 ـ ديسمبر 2001 انتهت رسمياً. وكما ان الاحداث السلمية التي وقعت في سياق احياء الديمقراطية في البلدان الدكتاتورية من اسبانيا حتى البرتغال كانت تدعى بـ «الثورات المخملية»، فإن فترة ركود ما بعد الفقاعة في اميركا اصبحت تدعى بـ «الركود المخملي». وبعث ذلك آمالاً في اوروبا واميركا اللاتينية وآسيا لمعدلات نموهم في 2002-2003 ومرة اخرى فوجئ حاملوا اليورو برؤية معدل صرف عملتهم يرتفع امام الدولار وبمزيد من المشاعر المختلطة يواجه زعماء اليابان احتمال ارتفاع قيمة الين. عليهم ان يسألوا: هل سيهدد هذا التطور الانتعاش الذي تشهده الصادرات اليابانية مؤخراً، ويعرض بذلك للخطر الانتعاش الاقتصادي الذي غدت اليابان بأمس الحاجة اليه؟ واجه التطلع الى انتعاش اميركي يتسم بقوة تكفي لزيادة الصادرات في الخارج تعقيداً واضحاً من خلال بعض المؤشرات السلبية الى الضعف الاميركي خلال اشهر ابريل ومايو ويونيو، حيث فقدت بورصة وول ستريت طلبها الانتعاشي القوي اذ مضت مؤشرات البورصة في تدن حاد على مدى اسابيع عديدة على التوالي. لماذا؟ اولاً: ان التقارير عن المستقبل المتوقع لأرباح الشركات الكبرى كانت فعلاً مثبطة للهمة. ثانياً: ان التسريبات الفظيعة لأرقام حسابات مضللة راحت تبعث الرعب في نفوس الملايين من مالكي الاسهم ومدراء اموالهم ولم تكن فضيحة شركة انرون سوى الحدث الاول والاكبر من بين عشرات من الحالات المشابهة، حيث كان المسئولون التنفيذيون الكبار يكسبون مئات ملايين الدولارات من حقوق بيع الاسهم وفي الوقت الذي كان يجري فيه تخفيض مرتبات تقاعد الموظفين العاديين ذوي الدخل المتوسط. ايضاً، في ذات الوقت الذي كانت شركات عملاقة مثل انرون وزايروكس تغرق في الافلاس، كان سماسرة الزبائن في بورصة «ميريل لينش» و«جي بي مورجان» يروون لعملائهم قصصاً مشرقة عن احتمال انتعاش اسعار اسهم انرون وزيروكس (كتاب هذه التقارير المبهجة كانوا يبيعون اسهمهم الخاصة، وكانت فروع الاستثمار المصرفية لدور السمسرة تجني عشرات ومئات الملايين من سفن الشركات الغارقة. إذن غدا صراعهم صراع مصالح شجع على ممارسة خداع وارباك زبائنهم الصغار). واين كان المحاسبون العامون الشرفاء عندما وقعت كل هذه المغالطة المالية الماكرة؟ المحاسبون كانوا في يوم من الايام سلطات محترمة تعكس تدقيقاتها المالية المبادئ الاقتصادية الاساسية الحصيفة وتصونها لكن ذلك كان في الماضي، والآن هو الآن ان شراكات المحاسبة الخمس الكبرى ـ اندرسن مثال جيد عليها ـ حولوا انفسهم الى مستشارين اقتصاديين للايجار وهنا بزغ صراع مصالح فاضح: فعندما كان الواحد منهم يكسب عشرة ملايين من التدقيق المالي و100 مليون من الاستشارات الاقتصادية، اصبح هناك اغراء كبير للمدققين الماليين للتغاضي عن التجاوزات المالية للشركات الكبرى. ولذلك فإن الرئيس كلينتون الذي يتولى رئاسة لجنة الضمانات والبورصة كان قد اقترح منع جميع شركات المحاسبة من العمل كشركات استشارية في الوقت ذاته لكن لجنة الرئيس بوش بدأت عهدها في معارضة مثل هذه القيود القانونية على تلك المؤسسات التي كانت تشكل جماعات ضغط متبرعة تؤثر على كلا الحزبين السياسيين. لم تغد شركات المحاسبة بين ليلة وضحاها غبية وغير متيقظة ولم يصبح المدراء التنفيذيون بين ليلة وضحاها طماعين وطائشين حتى يتجاوزوا الخط الذي يفصلهم عن الجريمة والسرية الشريرة حول الديون والخسائر الخارجة عن بيانات الميزانية. شهد مطلع الألفية النصر الانتخابي الهزيل لجورج بوش في السباق الى البيت الابيض كانت تلك اشبه بعودة الى القرن التاسع عشر، حين كانت دولارات المتنفذين تسخر من القول الديمقراطي المأثور: «شخص واحد، صوت واحد» حيث اصبحت المعادلة الآن، كما كانت في ذلك العصر، اقرب الى «مليون دولار، ألف صوت مؤثر». وربما يقول المتشائمون الساخرون انه من التبسيط المفرط ان تلقي اللوم في علات وسلبيات انظمة السوق غير المنطقية كما يجب على الصراع بين الاثرياء والفقراء ان الديمقراطيات تقريباً تمنح جمهور الناخبين ما يريده وما يستحقه. ومع خبو ذكريات فترة الركود الاقتصادي الكبير اصبحت الجماهير الانتخابية في كل مكان تميل الى اظهار تحول واضح عن النزعة الغيرية في بريطانيا، كانت التاتشرية رمزية ويمكن تلمس تأثيرها المتواصل في نسخة حزب العمل المعتدلة في عهد توني بلير وفي اميركا انجبت الريجانية الكلينتونية المعتدلة. وعلاوة على ذلك فإن العالمية تقدم بيئة جديدة توضع فيها القضايا والزعماء الوطنيون في حدود اضيق شاؤوا ام أبوا واذا كان للفقراء في افريقيا وآسيا ان يتقدموا ليخرجوا من فقرهم التاريخي، فإن ذلك لا يمكن ان يحدث الا بابرام عقود سلام بين مجتمعاتهم وانظمة السوق للاقتصادات المختلطة. ولم يشهد التاريخ مخرجاً آخر من الفقر في اربعة قرون من تاريخ الاقتصاد منذ ان ابتكر اسحاق نيوتن البحث العلمي بحد ذاته. ومن حسن الحظ، ان الاستمرار المرجح للانتعاش الاميركي الحقيقي رغم تواضعه لا يعتمد على تسوية المناظرات الكونية حول الادوار النسبية لآليات السوق المستقل وللسياسات العامة الخاصة بالبرامج الاقتصادية الضخمة او الانظمة التنظيمية او درجة التحويلات المالية لتحسين بعض مظاهر التفاوت والظلم التي لا يمكن فصلها عن نظام السوق. وبتجاوز منتصف عام 2002، اصبح الجزء الاكبر من الدلائل الاحصائية يشير الى استبعاد احتمال عودة الاقتصاد الاميركي الى الركود مجدداً ويبدو من المعقول الحفاظ على معدل نمو حقيقي بمتوسط 2.5 الى 3 بالمئة. هذا الرقم اقل من وتيرة النمو المضاعفة التي شهدتها فترة الفقاعة الاميركية ما بين 1995 و2000 لكن مع ذلك فإن هذا الاستشراف في صالح تقدمنا العام هنا في اميركا. وبالنسبة لأوروبا واسيا فإن هذا التكهن افضل بكثير من مشهد الفتور الاميركي سواء أكان ذلك الفتور مخملياً او غير ذلك. ترجمة: علي محمد خدمة «لوس انجلوس تايمز» خاص لـ «البيان»