اجتاحت موجة من الجدل العاصف كلا من ايطاليا وفرنسا بعد قيام الناشر الايطالي ريزولى باصدار كتاب عن موجة التخوف الاوروبي مما يروج عن الاسلام والمسلمين، والذي اشترك في نشره ايضا دار بلو الفرنسية بعد اخراج ترجمة له من الايطالية الى الفرنسية، مؤخرا. ومن المعروف أن مؤلفة الكتاب اوريانا فالاتشي اكتسبت شهرة في فترة السبعينيات بفضل المقابلات الشرسة التي أجرتها مع عدد من القادة ورؤساء الدول. ومثل الكثير من الاوروبيين في السنوات الاخيرة انتقلت المؤلفة من اليسار الى اليمين بسرعة شديدة لتكتب حاليا عن موجة الغضب التي تستهدف المسلمين، ربما في محاولة منها لركوب موجة الكره الاوروبية للاجانب قائلة: «انهم يتناسلون مثل الفئران». وعند قراءة تلك السطور لاول مرة يخيل للقاريء انها كتابات تعود الى زمن موجة الغضب والحقد التي كانت سائدة في العصور الوسطى ضد «مرتكبي الشر» كما كانوا يسمون جماعات من اليهود والمسلمين والهراطقة والنساء والآخرين الذين كان العالم المسيحي يريد افناءهم ولكن هذه السطور تمت كتابتها في القرن الحادي والعشرين، بقلم امرأة اوروبية علمانية تبيع من كتبها ملايين النسخ في ايطاليا التي يقول عنها بيرلسكوني رئيس الوزراء الايطالي: «اننا اكثر تحضرا منهم يقصد المسلمين» ولقد وجد الكتاب «دار نشر محترمة تنشره في فرنسا» ولم تتردد صحيفة «لوفيجارو» ذائعة الصيت في السماح للكاتبة المثيرة للجدل بان تظهر على صفحتها الاولى مؤخرا. ولو كان ضحايا هذا الكتاب اي شعب غير المسلمين فانه لم يكن ليجد طريقه للنشر ولم يكن بالتأكيد ليجد دار نشر تحترم نفسها بنشره غير ان المسلمين الآن اصبحوا فريسة سهلة يتعرض لها من شاء ولم يعد تشويه سمعة وصورة المسلمين الآن أمرا يحترم فحسب ولكنه غدا امرا مدرا للارباح بشكل كبير وليس لدى الطرف الذي يقوم بتشويه الصورة ما يخشاه حيث انه لايوجد قوانين لوقف هذا التحامل الشنيع وليس لدى المسلمين من الجماعات المنظمة التي تستطيع الدفاع عن نفسها والتي تمتلك اليهود مثلها لاخراص اعداء السامية. يمكن للمرء ان يشبه او يصف حديث فالاتشي العاصف بحديث وملاحظات شخص يعبر عن نزعته عن طريق كتابته، فمثل بريجيت باردو تلك الجميلة التي اصابتها الشيخوخة، والتي انتهى بها الحال صورة تعلق على الجدران، وتلتهمها اشعة الشمس فان الكره والخوف اللذين تكنهما فالاتشي وصلا الى درجة كبيرة من العمق والهستيريا ولاشك في ان حقيقة وجودها ومعيشتها في نيويورك وتشبعها بوصف الحكومة الاميركية للعرب والمسلمين بـ (الارهابيين) قد تسبب في تفاقم تلك المشاعر لديها. وفي مقابل خوفها الهستيري من المسلمين تكن فالاتشي حبا هستيريا لليهود كأن ادانة المسلمين امر بطريقة او بأخرى يساعد اليهود. ومن اللافت للنظر انه في فرنسا، كان عدد من كبار المسئولين اليهود مثل بيرنار هنري من القلائل الذين دعموا وايدوا موقف فالاتشي فلو كنت انا يهودية، لكنت اطلقت صرخات عالية ضد هذا الدعم والتأييد الاستغلالي الذي يحط في النهاية من شأن ومعاناة شعبها. ان وصف فالاتشي لرئيس الوزراء الاسرائيلي ارييل شارون بانه شبه شكسبير يعد امرا كفيلا بان يجعل الشاعر نفسه ينظم مقطوعات شعرية لاعنا ذلك الوصف. مؤلفونا العظام في الوقت الحالي وبالاخص هارولد بنتر او رونالد هارود، وكلاهما يهوديان سيتملكهما الخجل من تلك المقارنة والدوافع السياسية الشريرة الفاسدة الكامنة وراءها ولسوف يجدان فيها من اول وهلة خيانة للانسانية متمثلة في ذلك الانحياز الرخيص. لا يملك المرء الا أن يشك بان فالاتشى، في انتقالها بسرعة من اليمين الى اليسار بالتأكيد تكره وقوعها ذات مرة في حب الكسندر باناجوليس، ذلك «الارهابي» اليوناني الذي حاول عام 1967 ان يقتل دكتاتور بلده وتم القبض عليه واعتقاله وتعذيبه ولكنه اطلق سراحه اخيرا في اطار قرار بالعفو العام عام 1973، ولكنه ما لبث ان قتل على يد التابعين السياسيين للكولونيل. ان قصة حياة هذا الرجل كما روتها فالاتشى في روايتها «رجل» تتطابق مع قصة حياة الوف من الفلسطينيين الذين لم تقابل محاولاتهم لتحرير دولتهم الا مشاعر الغضب والدعوة الى استخدام الوسائل العسكرية ضدهم كما ورد في كتابات فالاتشى. وعلى الرغم من ذلك فان غرضي من كتابة هذه السطور ليس محاولة القيام بتحليل نفسي عميق للاستاذة فالاتشي او اعطاء مزيد من الحياة الى تلك العاطفة الفارغة التي عبرت عنها فالاتشى والتي يمكن ان تصيب بينيتو موسوليني شخصيا بالحرج، ولكن غرضي هو فضح هذه الموجة وكيف انها تعد مثالا للهجوم الضعيف الحالي الذي اصبح سلاحا اخر في الترسانة الغربية بجانب القنابل العنقودية والصواريخ يستخدم في المعركة ضد المسلمين من كل جنسية وعقيدة سياسية. ان اوروبا الغربية ترى نفسها بشكل خاطيء كما تبين وتصور الابحاث، بأنها محاصرة من قبل «جماعات قبلية ترتدى قلنسوات عسكرية» متخفية في صورة مهاجرين لصوص او طالبين للجوء السياسي. ان الحملة الاخيرة المنظمة بشكل جيد لتنبيه الرأي العام ضد نهوض موجة يمثلها اعداء السامية في اوروبا ما هي الا مناورة لاخفاء حقيقة ان اليهود ليسوا اكثر ضحايا الكره فهذا الوصف يتشرف به المسلمون الذين يعدون اكبر اقلية دينية في اوروبا اذ يزيد عددهم على 20 مليون مسلم. ان المسلمين هم افقر شعوب القارة وأكثرهم معاناة من الظروف السكنية السيئة ويزيد معدل البطالة بينهم بمقدار الضعفين واحيانا الثلاثة اضعاف عن المتوسط العام وهو الامر الذي يتسبب فيه تحامل اصحاب الاعمال المتزايد ضدهم حيث لايجد هؤلاء من يقوم بردعهم عن طريق اي عمل قانوني، وايضا ينتج عن اهمال الحكومات لمدة طويلة من الوقت حيث لم تقم تلك الحكومات بأي شيء لمعالجة الاحساس بعدم العدالة والظلم الموجود في الاحياء المسلمة. وعلى الرغم من ان الامر بالكاد يشار اليه، ان اشير اليه اصلا، في وسائل الاعلام التي لا تحتوي الا على القليل من الكتاب المسلمين فان غالبية احداث التعذيب والقتل التي حدثت في اوروبا في العقد الاخير كانت موجهة ضد المسلمين وليس ضد «الغرباء» الباحثين عن اللجوء السياسي الذين يتم جمعهم في معسكرات غير صالحة من الناحية الصحية فهذه العمليات كانت موجهة ضد الجيل الثاني والثالث من الاوروبيين مثل أطفالي انا شخصيا الذين ينتمون للقارة نفسها بدرجة على الاقل لا تقل بالتأكيد عن درجة انتماء أوريانا فالاتشي لها. ترجمة: حاتم حسين عن «لوموند»