خلال مدة تزيد قليلاً على سبعة اسابيع، تحول جاك شيراك الرئيس الفرنسي من الصورة التي ربما ظهر فيها كأضعف رئيس في تاريخ الجمهورية الفرنسية الخامسة الى ما قد يكون الرئيس الاقوى في تاريخ فرنسا. ان الفوز المريح الذي حققه حزبه على اليسار المتشرذم في الانتخابات الفرنسية العامة يعطي يمين الوسط قوة غير متوقعة، مانحاً اياه القدرة على السيطرة باحكام على كل مؤسسات الدولة الفرنسية المهمة من قصر الاليزية الى غالبية المجالس المحلية في الاقاليم. في احدى مقارناتها بين قدرته الجديدة على السيطرة وبين سياسة التورط التي مضى في تحملها طوال الخمسة اعوام من «التعايش» المذل مع الحكومة التي كان يقودها الاشتراكيون كتبت صحيفة «لوموند» تقول: «ليس باستطاعة أي عائق دستوري ان يحد من سلطة الرئيس وقدرته على التحرك، والامور كلها تبدو الآن تحت سيطرته». ويبدو الآن ان الرئيس الفرنسي لن يهدر الوقت وسيبادر الى طرح برنامجه الذي يتضمن حملات تعهدات، تتضمن فرض ضرائب رئيسية، تغييرات في مجال الضمان الاجتماعي والاصلاحات الدستورية، السيطرة التامة على الجريمة، وخطة طموحة لمنح سلطات أكبر للأقاليم. ان هذه التطورات تعني تحولاً مهماً في توجهات الرئيس الفرنسي، الذي حصل في الحادي والعشرين من ابريل الماضي على اقل من 20% من الاصوات في الجولة الاولى من الانتخابات الرئاسية وهو ادنى معدل تسجله شخصية رئاسية. والاسوأ من ذلك، مواجهته الرجل الكريه في السياسة الفرنسية، جان ماري لوبان، في الجولة الحاسمة من الانتخابات. والواقع ان زعيم اليمين المتطرف اكد خلاص شيراك حيث ان الصدمة الجماهيرية الكبرى التي عززها نجاح لوبان جعلت الملايين يخرجون الى الشوارع، وشجعت حتى اليساريين الاكثر تمسكاً على التصويت لصالح شيراك، ومشاهدة الرئيس وقد أعيد انتخابه في الخامس من شهر مايو بنسبة 82% من الاصوات. ووسط اجواء البهجة التي اعقبت هزيمة جبهة اليمين العنصرية نسي الفرنسيون نقاط ضعف شيراك او سجله الرئاسي الخالي من الانجازات، على سبيل المثال، او جملة الفضائح الاخلاقية التي كان قد تورط فيها. والواقع انه منذ اعادة انتخابه بدأ الرئيس، باظهار نوع من المكر السياسي جعله يحافظ على موقعه على قمة الهرم السياسي طوال 40 سنة. فأولاً، نجح في جر اليمين الفرنسي المتشرذم للانضمام الى التجمع المعروف باسم التجمع من اجل الاغلبية الرئاسية، للحيلولة دون تبدد اصوات بين مرشحين متنازعين او ثلاثة. ثانياً: قام بتعيين سياسي معتدل من الاقاليم معروف بمزاجه غير الحاد هو جان بيير رافاران، في منصب رئيس الوزراء للتأكيد على حدوث عملية انتخابية بعيدة عن سيطرة النخبة السياسية الباريسية البعيدة المتغطرسة. وثالثاً، تجاوب مع اهتمامات الناخبين الرئيسية المتعلقة بمشكلات الجريمة والعنف باستحداث وزارة لشئون الامن الداخلي وبتعيينه وزيراً اول لها الشاب المخلص نيوكول ساركوزي. واخيراً، اصداره امراً بأن محاربة يمين الوسط في اثناء الحملة الانتخابية يجب ان يتم التركيز فيها فقط على الجانب الذي يتعلق بالقضية التي يطرحها حول مخاطر التعايش الجديد. اما رسالته فكانت «لو حصلت منكم على الاغلبية، فسأتمكن من عمل شيء من اجلكم» واذا لم احصل عليها، فسنعود الى حيث كنا. لقد تقبل جمهور الناخبين الفرنسيين المهزوز والمرهق هذه الرسالة تاركا اليسار وهو يصارع لتوضيح الاسباب التي لابد لها وان تدعو الناخبين الى المطالبة بتعايش آخر. إلا انه حتى التحذيرات الرهيبة من مدى ما ستكون عليه سلطة شيراك اذا حقق فوزاً كاسحا في الانتخابات البرلمانية لم تخف احد. ان يمين الوسط الذي يتولى رئاسته شيراك يسيطر في الاساس على مجلس النواب ومجلس الشيوخ، وبالتالي فإن التشريعات يجب ألا تظل في حالة منافسة مع التأجيلات والتعديلات التي منعت على سبيل المثال ليونيل جوسبان رئيس الوزراء الاشتراكي السابق من منح كورسيكا استقلالها. وبالاضافة الى ذلك فإن الانتصارات المريحة التي حققها المحافظون في انتخابات سنة 1998 الاقليمية وسنة 2000 البلدية تعني ان بإمكان حزب يمين الوسط المراهنة على الدعم الذي يمكن الحصول عليه من آلاف الاشخاص الذين يشغلون مناصب عمدات المحافظات ورؤساء المجالس النيابية الامر الذي يمكنهم الاستفادة منه في خططهم الرامية الى تطبيق نظام اللامركزية. ان المحافظين الذين تم تعيينهم يحظون ايضا بأغلبية واضحة في المجلس الدستوري، وبالتالي فإن على يمين الوسط ألا يشعر بالخوف فيما يتعلق بالهيئة التشريعية القائمة بالرقابة، التي اثبتت انها كانت الشوكة المؤلمة بالنسبة لجوسبان، كما ان اليمين يدير هيئة المقاييس المسئولة عن البرامج الاذاعية والتلفزيونية الفرنسية. وليس هناك ما يدعو رئيس الوزراء الفرنسي الآن الى عدم تمرير اهدافه الرامية الى ادخال الاصلاحات الرئيسية عبر البرلمان في غضون شهر واحد، والبدء بدورة غير عادية يقرر لها ان تستمر الى شهر يوليو.خلال الاسبوع الماضي صرح رئيس الوزراء الفرنسي بقوله ان هناك اربعة من القوانين سيتم طرحها فيما بعد بما ذلك ميزانية مصغرة تمنح خفضا سريعا للضرائب كتوقع مبدئي لخطة شيراك المثيرة للجدل من اجل خفض الضرائب الفردية والمؤسسية بنسبة 30 مليار فرنك على مدى خمسة اعوام. لكن سحابة وحيدة تعكر صفاء الأجواء لدى شيراك ان عليه ان يكون شديد الحذر فيما يتعلق بالطريقة التي سيقدم من خلالها اصلاحاته، وعلى اي حال فقد انتهى برنامجه السابق في سنة 1997 بسبب برنامجه الصارم الذي يفتقد الشعبية على نطاق واسع مؤديا الى فقده غالبية من الاصوات موصلا لاياه الى ارضية التعايش. ترجمة : مريم جمعة فرج عن «جارديان»