يستمد هذا الكتاب أهميته من أنه يعد من الكتب النادرة التي تنهض في وجه سلسلة الاصدارات التي انطلقت في الاعوام الأخيرة ضد العولمة وتجلياتها الاقتصادية والاستهلاكية، فهو يشدد على ان العولمة ليست شراً كلها كما يذهب البعض، وانها لاتعني بالضرورة المساس بالثقافات الوطنية، بل قد تؤدي الى تعزيزها. والمؤلف يناقش هذا كله من منظور محدد، هو صناعة السياحة. وفي الرحلة الهائلة عبر صفحات هذا الكتاب نحن على موعد مع تحليل مميز لما تعنيه السياحة باعتبارها أحد أهم مظاهر بدايات الاقتصاد المعولم ومع رؤية متكاملة لمد الجسور بين السياحة وإيجاد السلع وبينها وبين مفهوم الحداثة. يمكن النظر الى النمو السياحي كجزء من عملية عامة أوسع نطاقاً للعصرنة وزيادة تفضيلات الوظائف في كل من المكان والزمان. وقد رأينا كيف لفت مؤلفنا الأنظار الى عمليات اعادة بناء الامكنة في الاقتصاديات الرأسمالية المتقدمة. وكم عدد التطويرات المرتبطة مع اعادة تقويم مكان يميل الى التحليل من حيث القيم والمعاني المستقاة من التشكيلات الفضائية. ونظرت الى الكثير من هذه الجدليات على انها متأصلة الجذور في ما وصف بأنه انتقال من العصرنة الى ما بعد العصرنة وانتقدت أيضاً بعض هذه المفاهيم بسبب عدم توجيه ما يكفي من الاهتمام الى الوسائل التي من خلالها تشكل العمليات الاقتصادية صيغة النمو المكاني وإنشاء أماكن سياحية. ورأينا انه بتطبيق ثلاثية ليفيفر التحليلية يصبح ممكناً الاهتمام بانتاج مكان باعتبار ان ذلك عملية ديناميكية تحيط بكل العناصر الرمزية والمادية من دون التقليل من شأن احدهما من اجل الآخر. وأخيراً، رأيت ان النمو الأساسي للسياحة بمصطلح امتدادها الجغرافي والأعداد المشاركة قد تبدو كدليل على ما يمكن ان يشار اليه بصورة عامة كعولمة. وسيركز الفصل الذي نناقشه هنا من الكتاب على انتاج مكان سياحي بالارتباط مع الانتشار العالمي للرأسمالية ولدور الاقتصاد السياسي. وبكلمات أخرى سيركز هذا الفصل على الممارسات المكانية للرأسمالية العالمية وعلاقتها بأشكال وأنماط النمو السياحي. صناعة بلا مداخن تمثل اعادة بناء المكان العالمي من جهة نتيجة للتغيرات التي طرأت على نمط النمو الاقتصادي والاستثمار الذي أصبح له امتداد عالمي. ولم تعد للممارسات المكانية أي حدود مقفلة مندرجة بإطار الكيانات القومية وليست السياحة هي الاستثناء. وقد ظهرت بداية كشكل من أشكال النمو لأول مرة على المسرح العالمي في أواخر عقد التسعينيات من القرن الماضي. وفي البداية تضمن ذلك انتقالاً من الاقتصاديات النامية الى الأقطار الأقل نمواً في أميركا اللاتينية ومنطقة الكاريبي فضلاً عن الأقطار الأوروبية الواقعة في الأطراف، مثل اليونان واسبانيا. وفي المراحل الأولية لانتشارها العالمي تظهر السياحة مثل الكثير من مظاهر النمو الاقتصادي الأخرى، كدرب للعصرنة بالنسبة للكثير من الأقطار الأقل نمواً، وعلى سبيل المثال فخلال عقد الستينيات من القرن الماضي بدأ الكثير من الدول المستقلة التي كانت خاضعة للاستعمار في تنفيذ برامج تصنيعية وبرامج تحديث للبنية التحتية صممت لتزويد هذه الأقطار بالوسائل الضرورية لضمان حريتها الاقتصادية والسياسية. وعلى نقيض الأشكال الأخرى للنمو فإن السياحة لها جاذبية واضحة واحدة للأقطار الأقل نمواً من حيث انها صناعة بدون مداخن وهي تتطلب رأسمالاً استثمارياً منخفضاً نسبياً. والسياحة أيضاً وسيلة لكسب العملات الصعبة، وهكذا يمكن اعتبارها مصدراً رسمياً، خاصة وانها صناعة ذات كلفة منخفضة نسبياً بالنسبة لميزان المدفوعات. وفي بعض الحالات يمكن ان تشكل ارباح السياحة من الأفواج السياحية الأجنبية مصادر دخل هائلة. ويرى جيل وجودرتيش ان منطقة الكاريبي حققت انجازاً اقتصادياً كبيراً من السياحة، وتشكل السياحة بالنسبة لجاميكا وبربادوسا مصادر دخل هائلة تعزز مرافقها الاقتصادية، وأدركت كوبا لاحقاً ما للسياحة من اهمية بالغة في تعزيز مصادر العملات الصعبة وتشكل ايضا مصادر صناعة جذابة للكثير من الدول الأقل نمواً. وبالمقارنة مع الأشكال الأخرى للعصرنة أو الحداثة، فإن السياحة، على الاقل في المراحل الأولية للتوسع، هي نموذج مقبول. ولكن الأماكن السياحية المنشأة هي نوع مختلف عن تلك القائمة في البلدان الرأسمالية المتقدمة في عدد من الجوانب منها أولاً ان هذه الفضاءات لا تستهوي الأسواق المحلية الداخلية، على الأقل في أدائها المبكر. وبهذا المعنى فإن ما حدث كان تصدير العطلات من البلدان النامية الى البلدان الأقل نمواً. ثانياً، الكثير من تجارب تطوير وتنمية المنتجعات كانت مبنية على شكل مناطق مغلقة. والآن وعلى الرغم من رؤية ذلك كتكرار لتنمية المنتجعات في البلدان المصنعة، فإن الفضاءات المنعزلة يمكن ان تقوم بتسليط الأضواء على الاختلافات الاجتماعية والاقتصادية بين السكان المستضيفين والضيوف. وفي بعض الحالات فإن مثل هذا الفصل قد يكون خطط بدقة وعن عمد كوسيلة للحد من التأثيرات الخارجية على السكان المضيفين.وتبع المرحلة الأولى من التوسع تنمية السياحة في جنوب شرق آسيا، والتي وفرت المجال للتوسع السريع للأسواق وطويل الأمد، وبدأت هذه الأسواق تزعزع مناطق حوض البحر الأبيض المتوسط والكاريبي باعتبارها وجهات سياحية شعبية جديدة. واشتدت حدة التنافس على المستوى العالمي مع اتساع رقعة الاسواق الرأسمالية الحرة بعد انهيار النظام الذي كان يهيمن عليه الاتحاد السوفييتي في دول أوروبا الشرقية. وكانت السياحة في تلك البلدان تتسم غالباً بأنها اقتصاديات انتقالية وفتية، وقد تطورت لتوافق درباً يشبه إلى حد كبير ذلك ما نجده في الديمقراطيات الغربية. وكانت المنتجعات فضاء متميزاً وخصصت لخدمة الأسواق الداخلية، ولكن مع بعض الاختلافات المهمة. ويلاحظ ان السياحة الخارجية من خارج المعسكر السوفييتي فرضت عليها قيود مشددة وكذلك الحال بالنسبة للسياحة الداخلية، كما خضع استخدام أوقات العطلات، مثل كل مظاهر الحياة لهيمنة الدولة المركزية. وكما حدث في أوروبا الغربية قبل بضع سنوات أغلق الكثير من الصناعات التصنيعية، ونظر الى السياحة على انها وسيلة لإيجاد اشكال جديدة من التوظيف والثروة.وبدا قبول السياحة كوسيلة لإيجاد ثروات انه اقتراح جذاب، وفقاً لمنحنى النمو الظاهر، وما يحمله من مستقبل باعتباره وسيلة ربح بأقل التكاليف. لكن حسابات المؤشرات الاقتصادية للسياحة ملأى بالصعوبات، ليس أقلها ان السياحة تحتوي على حزمة خدمات ومنتجعات، على نقيض بعض أشال الانتاج السلعي الأخرى، التي لا يمكن تجزئتها بسهولة الى عناصرها الأولية. وحسبما لاحظه والتون فإن التقويمات الاقتصادية عادة تسعى لتحقيق التأثير المضاعف عن طريق التمييز ما بين المؤثرات المباشرة وغير المباشرة والمحفزة، ويشير المباشر منها الى الدخل الفعلي الذي تم الحصول عليه من السياح. ويشير غير المباشر منها الى التأثيرات الثانوية التي تم الحصول عليها من التزويد بالبضائع والخدمات لتلبية احتياجات القطاع السياحي، بما في ذلك تكلفة العمالة والمحفز يشير الى انتشار وتوزيع النقود التي كسبها المستفيدون من كل من التأثيرات المباشرة وغير المباشرة. ولكن عمليات التقويم من حيث نماذج مثل التكلفة والربح يمكن ان تتجاهل تعقيدات العلاقات ما بين الاقتصاد والمجتمع مثل التغيرات التي يمكن ان تحدث في أنماط العمل وعلاقات الاسلوب. وتلك في الواقع موضوعات سيرجع إليها مؤلفنا في فصول لاحقة من الكتاب. ويكفي الآن التركيز على بعض القضايا النظرية التي أثارتها السياحة كصيغة للحداثة ونظيرها المغاير غير النامي وكل منهما لا يزال صداه قائماً في اطار أدبيات السياحة. السياحة كآلية تغيير ويطرح وول تصورات مفيدة لمقاربات باتجاه التنمية ويحدد هوية أربعة موضوعات رئيسية وهي التحديث والاعتمادية والتقليدية الحديثة في مواجهة التطور والبديل. وفي هذا القسم من الكتاب يقوم المؤلف بدراسة الاثنين الأولين. وتفترض الحداثة ان التنمية تحدث على خط طولي، أو قاعدة تطورية، وان المجتمعات الأقل تطوراً يمكن ان تلحق بالعالم النامي، بشرط توفر الظروف المناسبة، التي ينبغي تشجيعها من خلال التنمية الاستراتيجية، منظمة على مستوى الدولة. ومن خلال مفاهيم السياحة فإن هذا الشكل للتنمية يفترض على سبيل المثال ان بناء فنادق كبيرة أو مناطق انتجاع سيقوم بدور المحفز لتنشيط شكل ما من أشكال تأثير إفادة المصالح الصغيرة والفقراء من المجتمع، وهو ما سيؤدي في النتيجة النهائية الى افادة الاقتصاد كله. كما ستفيد تنمية البنى التحتية الحديثة مثل المطارات والطرق وعناصر أخرى الاقتصاد بمفهومه الشامل. وهناك في كل الاحوال مشكلات معينة في هذا السيناريو. الأول قوامها أن أي أرباح ستتسرب من الاقتصاد الوطني من السياحة الخارجية والثاني هو ان عمليات التنمية الاقتصادية قد تفيد فقط المقيمين محلياً أو النخبة المحلية. وفي كلا الحالتين ستكون العلاقات الاقتصادية غير سليمة أو استغلالية وقد يعاني الاقتصاد القومي نتيجة لتلبية احتياجات العالم النامي. إن مثل هذا الفهم يفترض ان انتشار العصرنة في حد ذاته مرغوب فيه وقابل للتحقيق وبدوره فإنه سينظر اليه كشيء معاد للتقدم. وهكذا فإن التنمية بهذه الشروط ينظر اليها على انها انتشار لنظام ذي قيم كونية أو بدلاً من ذلك تزويد الأمم غير النامية والمناطق المختلفة بإمكانات يمكن بواسطتها تحقيق أهداف النمو الاقتصادي الكونية والازدهار. إن هذه الأنواع من عمليات تقويم الرغبة في التنمية الاقتصادية تكون مهيأة للمصادقة من قبل الكثيرين بما في ذلك منظمة السياحة العالمية. ومن نواقص هذه المفاهيم كما أوضح بوروتش ان السياحة ينظر اليها كعامل تغيير على المستوى القومي، وكأنها عامل خارجي مفيد مستقل استقلالية كاملة عن أي عملية هيكلية عالمية أو اقليمية أو اقل من قومية. وهكذا فإنه ينظر الى التنمية كآلية حيادية ووسيلة بسيطة لتحقيق غاية عند مستوى مجرد أكثر تؤكد المثاليات الطوباوية للعصرنة باعتبارها شكلا من أشكال التقدم الكوني.ومن جهة أخرى فإن نظرية الاعتمادية ترمي الى النظر الى الصلات بالأقطار الغربية النامية نظرة سلبية من حيث الجوهر، إذا لم تكن مسببة للشقاء، خاصة وان العلاقات الاقتصادية العالمية ينظر من مصطلح عالم أول وعالم ثالث او نماذج للمركز والأطراف. كما يتضمن الأمر اعتبارات سياسية. وينبغي تشجيع العلاقات بين البلدان الرأسمالية النامية والبلدان المتطورة من جهة كحماية ضد مثال عالمي منافس آخر ينتمي لأوساط القرن العشرين، وهو الشيوعية. وتم وضع مفهوم للحواجز في مواجهة النمو ليس كشكل للديناميكية الداخلية مثل التقليدية في مواجهة العصرنة بل اشكال كولونيالية حديثة للاستغلال، والتي تعد السياحة احد مظاهرها الخاصة.وقد تكون الروابط الواضحة للاعتمادية السياسية تلاشت، لكنها حلت محلها أشكال اقل وضوحاً للاقتصاد، وحتى التحكم الثقافي. ان مثل هذه المقاربات تلفت الانتباه الى الاعتماد على استثمارات اجنبية وقروض وبصورة خاصة مشكلة التسريب اي تسريب الارباح من العالم الاقل تطوراً الى العالم النامي، وكل ذلك نتج عنه علاقات تبعية واعتمادية. وقد تكون الكولونيالية شيئاً من الماضي، ولكن يعتقد البعض ان هذه العلاقة حلت محلها علاقات اقتصادية من نوع الكولونيالية الجديدة.ومن خلال مفاهيم النمو السياحي يلاحظ مثالان متكرران من هذا النوع من التحليل اللذين قدمهما برايتون، الذي تبنى مفهوم الماركسية الجديدة، وساقه الى مفهوم الاقتصاد السياسي للسياحة، ورأى ان اقطار العالم الثالث تعاني من تخريب هيكلي لاقتصادياتها، مثل تحطيم الاقتصاد الوطني واعادة توجيهه خدمة لمصالح الاسواق الخارجية. وتلعب النخب المحلية دورا خطيرا في تسريب المكاسب السياحية، ولذلك فإن فوائد التنمية السياحية لا توزع بالتساوي. وباختصار فإن تأثير الفائدة المحدودة الذي توقعته الحداثة لم يحدث. وعلى الرغم من ان برايتون كان على صواب عندما لفت أنظارنا الى عمليات اوسع للاقتصاد السياسي الخاص بالتنمية السياحية، إلا ان ابحاثا حديثة وتطويرا نظريا لهذه الاطر التحليلية المبكرة وضعها موضع المساءلة والتحقيق.ويرى بوروتش ان كلا من السياحة كتنمية والسياحة كاعتمادية يطرحان وجهة نظر غير متوازنة وجزئية. والأولى سببها انها تفيد دور الدولة الوطنية والآخر لفشله في ملاحظة ان السياحة قد تلعب دورا ايجابيا، وان الناس ليسوا بالضرورة المتلقين السلبيين للامبريالية الثقافية. واما المشكلة الاخرى فهي ان كلا التحديث والنظرية الاعتمادية يقعان في فخ فكري وهو تقسيم العالم الى اول وثان وثالث، وهو موقف يصعب تجاهله وإلقاؤه وراء الظهر، ومثال ذلك، كما يرى هوجفلت وجيرشييه، فإن قطاعات من العالم الثالث نقلت الى الجوهر الاقتصادي وفي الوقت ذاته فإن قطاعات من العالم الأول منحت وصفية هامشية وغير مهمة. وفضلاً عن ذلك ينبغي ان نفهم الدول الانتقالية للمعسكر السوفييتي السابق التي اصبحت مختلفة مرة اخرى. وينبغي الا نجادل بأن المشكلات التي تم تحديدها بنماذج نظرية سابقة، مثل الحداثة والاعتمادية، لم يعد لها وجود ولا شك في ان بعض العلاقات الاقتصادية العالمية هي بالتأكيد غير متكافئة. وان الزعم الكوني بأن التحديث، على الاقل وفقاً لمفاهيم النموذج الغربي، لا يزال موضعاً للتساؤل. وليس هناك شك ايضا في ان تنمية السياحة في ظروف معينة لها آثار سلبية، وقد تتضمن في الحقيقة بعض افكار التبعية أو نسبة من الاعتمادية. إن الجاذبية الظاهرة للتحديث أو الاعتمادية تكمن في الحقيقة القائلة انهما يقللان من التقصير باتجاه ثنائية بسيطة للخيار وكأن انساناً دعي ليكون اما مدافعاً عن العصرنة الشاملة التي تكتسح كل شيء في طريقها أو محللا نقديا يشجب الانتشار الظالم للرأسمالية. ويشير المؤلف الى انه في ضوء الوضعية الراهنة يمكن القول ان الموقف هو اقل قسوة واكثر تعقيدا. ان الحتميات الظاهرة لهذين الموقفين ببساطة لا تناسب ابعاد العالم المعاصر. وكما كتب هاريسون فإن نماذج المركز والمحيط الخارجي تحل محلها جدليات ذات صلة بطبيعة وانتشار العولمة. حقائق واحصاءات هكذا أبرز مؤلف كتابنا الذي نناقشه هنا العناصر الرئيسية للعولمة مثل زيادة الروابط الاقتصادية التي بدورها ادت الى تغيرات في هيكل اسواق العمالة ولا يطلب فقط من القوى العاملة ان تكون اكثر مرونة أي عدم ارتباطها بعمل أو مكان واحد محدد، ولكن يطلب منها ايضاً ان تكون اكثر حراكا من السمات الرئيسية للعولمة تدفق العمالة المهاجرة ليس من المواقع الريفية الى الحضرية بل من الدول الأقل تطوراً الى العالم النامي وفي المناطق الداخلية في الوطن الواحد أيضاً. ويرى هوجفلت ان مثل هذه التطويرات هي اكثر من الاقتصاد. وبصورة خاصة فإن العلاقات بين المركز والمحيط لم تعد تحدد فقط بالمصطلحات الجغرافية بل بالمصطلحات الثقافية. وما يخص السياحة نستطيع ان نرى ايضاً انتقالات في نمط التوزيع العالمي.وتشير احصائيات الى نمو نسب السياحة العالمية بين العامين 1980 ـ 1995. وعلى الرغم من وجود زيادة شاملة في العدد الكلي الا ان اكثر المناطق استقبالاً للسياح كانت الولايات المتحدة الأميركية وأوروبا الغربية ومع ذلك فإن أكثر المناطق زيارة كانت منطقة جنوب شرق آسيا. كما يشار الى نمو كبير في السياحة الداخلية في الاقليم أو المنطقة الواحدة. ويمكن قياس تدفق السياح في داخل الاقليم بمقارنة عدد الواصلين في داخل منطقة الاصل. وتبين الاحصاءات ان نمو السياحة الداخلية اصبح اكثر اهمية. هكذا لم يعد السياح «يستوردون» من الغرب الى المناطق المحلية أو الاقاليم، على الرغم من انه لا يزال هناك عدم توازن او خلل بين الدول المتقدمة والأقل نمواً، وهو ما اصبح واضحاً، اذا نظرنا بعين فاحصة الى التوازن بين السياح القادمين والخارجين. وتبين الاحصاءات ايضاً ان اليابان وماليزيا تعكسان اكبر نسبة تدفق للسياح الى خارج البلاد من نسبة السياح القادمين إليهما. والعامل الآخر الذي يحتاج الى دراسة هو ان هذين البلدين لديهما ديناميات سوق داخلية تحتاج الى العناية وتوفير الخدمات. وما نراه هنا في ظاهرة النمو هذه هو تحول في نمط التدفق السياحي الذي لم يعد التدفق بالاتجاه الواحد، والعامل المهم الآخر هنا هو ان الانتقادات الكثيرة للسياحة تعتمد على الرأي القائل ان السياحة تصدر القيم الغربية وأساليب الحياة وهي لم تعد تعكس هذه التغييرات في انماط السياحة وبكلمات أخرى فإن نظام العولمة الجديد يبدو انه يعيد تعريف النمط القديم للثبات الجغرافي والثقافي وإلى امتداد نماذج المركز والطرف والحداثة وغير النامي التي لم تعد قادرة على التعامل مع تعقيدات الوضع المعاصر. والواضح ان هناك عددا من العوامل النشطة هنا والتي لا تسهم بأي تغييرات في الاقتصاد العالمي. العولمة والتغيير الاقتصادي اعتباراً من أواسط الأربعينيات استبدل النظام الاقتصادي العالمي القائم لتحل محله اتفاقية برايتون وودز لعام 1994 التي تضمنت النص على اقامة صندوق نقد دولي والبنك الدولي. وكانت الاتفاقية والآليات الرسمية التي أدت الى ظهور الاتفاقية محاولة لتنظيم الاقتصاد العالمي، ولكن استبعدت الاقطار الشيوعية. ويخضع رأس المال الدولي لمصالح قومية. ونظر الى هذه بدورها كوسيلة لضمان الرخاء الاقتصادي وتوفير العمالة بكل اعدادها لكل الدول الاعضاء. وفي اواخر عقد الستينيات بدأ النظام بالخضوع لقيود بسبب ظهور التمويل الدولي الخاص. وتبع زيادة اسعار النفط في العام 1973 وتبع ذلك حدوث ازمات مديونيات دولية لعقد الثمانينيات وهو ما اشار الى النهاية الاخيرة لنظام ما بعد الحرب. وأدت هذه التغيرات الى اعادة هيكلة العلاقات ما بين الدولة ورأس المال وظهور وهيمنة السياسات الاقتصادية الليبرالية الجديدة على المسرح العالمي. ومنذ أواخر عقد السبعينيات بات هناك اتجاه واضح بين الدول الصناعية النامية استجابة لتلك التغييرات. وفي اطار الاتجاه العام السابق، كان التنظيم من خلال سياسات التأميم، وشهد النشاط الاقتصادي الجديد لعقد الثمانينيات انسحاب عدد من الدول من الادوار التنظيمية والادارية وهو ما أصبح يعرف بالتاتشرية والريجانية او «اليمين الجديد»، ان ما تقاسمته هذه المفاهيم كان التأكيد على ازالة هيمنة الحكومة على الادارة خاصة الاسواق المالية الدولية وتقليص دور الدولة لمصلحة القطاع الخاص. ومثال ذلك ادخال الاقتصاد المحافظ الليبرالي الجديد الى المملكة المتحدة في عقد الثمانينيات وكان ذلك محاولة لخفض عبء الدولة للنفقات العامة وتبني «روح المقاولية» مقرونة مع سياسات موجهة نحو ترميم الحفاظ على التراث القومي، تمنح ايضا نهوضا لفرص تطور السياحة. وبالمقارنة مع النظام السابق، فإن مثل هذه المفاهيم تعزز تلاشي دور الدولة، ويبقى دور الحكومة في ضمان حياة مالية سليمة، والحفاظ على اجواء تجارية صحية، وتحول دور الحكومة من مزود اجتماعي الى مؤازر اقتصادي، اما التأميم الذي كان طابعا عاما في الدول الأقل نموا كما في الدول النامية فقد احتل مكانه الخصخصة. وسرع التبني العالمي لهذا الاتجاه المحافظ لأيديولوجية السوق الحرة السقوط النهائي للمعسكر السوفييتي، وتأثر ايضا القطاع السياحي بكل هذه التحولات، ويرى حال ان تطور السياحة الدولية في اوروبا الشرقية ليس فقط كوسيلة لكسب العملات الصعبة بل ايضا كآلية اعادة بناء الاقتصاد من خلال الخصخصة لتشجيع درجة اعظم من روح المقاولة الداخلية. ومن سمات العولمة المعاصرة نمو تأثير المؤسسات متعددة الجنسيات وقد تزايد عدد هذه المؤسسات واهميتها بصورة كبيرة منذ السبعينيات وبالتحديد تصاعدت اهمية رأس المال التمويلي وخاصة خلال ازالة الهيمنة الحكومية على ادارة التجارية في عقد الثمانينيات. ويلقى المؤلف الضوء على دور سلسلة الفنادق ووكالات تنظيم الرحلات السياحية. ويشير تقويم جريفيث لصناعة الفندقة في المملكة المتحدة الى كيفية تحول التجمعات المالية والصناعية العالمية الى اكثر من مهمة على الساحة الدولية، وتقوم (آكور) وهي من اضخم المجموعات بتشغيل نحو 25 ألف فندق في 70 قطرا، في حين ان هوليداي إن تعد اكبر اسم تجاري، حيث تقوم بتشغيل الف و 571 فندقا اجمالي غرفها 2.3 مليون غرفة، وقد اشترت هذه المجموعة في العام 1996 مجموعة صناعة المشروبات والعطلات البريطانية المعروفة باسم «باس بي. ال. سي» التي اشترت في العام 1998 ايضا سلسلة فنادق انتركونتننتال من مجموعة سيزون اليابانية. وكما يشير جريفيث فإن هذا جانب من اتجاه متزايد باتجاه عولمة صناعة الفندقة، وقد لفت كل من سنكلير وفوكس وهاريل وكوهن الانتباه الى أهمية المؤسسات متعددة الجنسيات واهمية ملكية الفنادق في منطقة آسيا المحيط الهادي وفي اواخر الثمانينيات واوائل التسعينيات اتسعت رقعة النشاط الفندقي في المنطقة اتساعا كبيرا، ولجأت غالبية مؤسسات صناعة الفندقة العملاقة الى بناء الفنادق في المدن الرئيسية، لضمان جذب الزبائن، ومن ثم قامت لاحقا بتطوير مشروعات فندقية في المدن الاصغر.والمجموعة التي تستلفت الانظار هي «سي. دي. إل» للفندقة الدولية العملاقة التي توجد في لندن، ويعتمد مالكوها على العلامتين التجاريتين البارزتين «ميلينيوم» و «كوبتهورن» والمالك الرئيسي لاسهم هذه المجموعة موجود في سنغافورة ويتمثل في مؤسسة «سيتي ديفلوبمنت ليميتد سي. د. إل» وبدأت الفنادق الدولية عام 1989 وتمتلك الآن مالا يقل عن 64 فندقا تحتوي على 16 الفا و 400 غرفة موزعة في 12 بلدا بما فيها مدن رئيسية، مثل سنغافورة ولندن ونيويورك وباريس وهونغ كونغ وسيدني، وتم امتلاك معظم هذه الفنادق في اوائل التسعينيات في اطار استراتيجية عالمية محددة تهدف الى تنويع المناطق الجغرافية الى ثلاث مناطق، هي آسيا واستراليا واوروبا، الولايات المتحدة، ويغري ذلك لسببين اولهما التعويض عن التقلب في الدوائر الاقتصادية الاقليمية والوطنية. ثانيا للاندماج في عمليات بيع فنادقها على قاعدة عالمية اي الترويج لمواقع اميركية شمالية واوروبية في آسيا وبالعكس، ان ما يكشفه هذا لهو مثال واضح على حركة رؤوس أموال الاستثمار على قاعدة عالمية للحصول على فوائد اقليمية ومحلية، وفي الوقت ذاته مراكمة ارباح اكبر من خلال ميزان الاقتصاديات العالمي، ما يثير الاهتمام هنا هو ان الاستثمار لرأس المال والتوسع لم يعد يعتبر ظاهرة غربية بل تدفق الارباح من الولايات المتحدة واوروبا الى سنغافورة. وفي نظام العولمة الجديد يمكن للانماط القديمة وتدفق الاموال ان يتجها بصورة عكسية، هي حاصلة الآن، وينظر الى الوكالات السياحية وكأنها «تجارة جملة» في صناعة السياحة اي ان الكثير منها تتعامل مع حجوزات الفنادق التي تباع من خلال وكلاء (المزودين) الي صانعي عطلات فرديين وعلى الرغم من انهم يشكلون لاعبين مهمين الا ان تأثيرهم يتنوع تنوعا كبيرا من بلد الى آخر. ومن الامثلة التي توضح نمط العلاقة القائمة بين تجار الجملة والمزودين تعكسها عينة ماركس الدراسية لتجار الجملة الى يابانيين والمزودين الاستراليين. وكما لاحظ فان السوق اليابانية بالغة الاهمية بالنسبة لصناعة السياحة الاسترالية لكن الدخول الى هذه السوق ينبغي ان يتم من خلال تفاوض عبر نظام محكم من تجار الجملة المهيمنين على 65 في المئة من الزيارات لاستراليا وبدورها ادت هذه ببعض المزودين الى الاعتماد اكثر على تجار الجملة والى اعتماد بعض المواقع السياحية على السوق اليابانية اكثر من الاسواق الاخرى، وفي ملاحظة اخرى قدمها كورتن وبوسبي فقد تنبها الى ان التدفق لافواج السياح الى بعض المواقع السياحية الاصغر يتحكم به وكلاء سياحة عالميون. ويلاحظ ايضا ان المؤسسات متعددة الجنسيات مكونات مهمة بشكل واضح بالنسبة للاقتصاد السياحي العالمي وينبغي ايضا ان يستقر في الاذهان ان العلاقة الاقتصادية بين المؤسسات متعددة الجنسيات والمصالح الاخرى معقدة. ولاحظ كورتن وبوسبي ايضا ان المسألة لا تعني الهيمنة على السوق كاستجابة لحجم الطلب ويرى الاثنان ان «الاسواق ليست مستقرة او ثابتة على الاطلاق. فهي تتبدل وتتغير بسرعة نظرا لان وكلاء السياحة الجماهيرية يتوسعون الى اسواق متخصصة والاسواق المتخصصة تعرض منتجات تتطور باستمرار الى اسواق جماهيرية». وتشير الامثلة التي تم طرحها هنا ايضا الى صعوبات في تشكيل مفهوم العلاقات العالمية ـ المحلية من حيث اعمال المؤسسات متعددة الجنسيات. وبالنسبة لقطاع كبير من هذه المؤسسات فان المحلي قد يكون الدولة، او حتى منطقة متحولة فشركات الطيران على سبيل المثال تنظم من خلال اتفاقات ومعاهدات دولية تقدم دول او حتى معسكرات تجارية مثل الاتحاد الاوروبي الذي يمتلك سلطة التحكم بالحدود وبتدفق المهاجرين فضلا عن اصدار التأشيرات السياحية وتلعب السياسات الوطنية والاقليمية ايضا دورا مؤثرا في تكوين شكل وتطور فضاء السياحة وتدفق رؤوس الاموال الاستثمارية والناس باعتبارها حوافز رئيسية بالنسبة للحكومات كي تتابع سياسات التطوير السياحي المغرية لتدفق العملات الصعبة وعلى الرغم من العولمة فان الدولة لم ينته دورها في كل ذلك بل ان دورها يمكن ان يكون حاسما في الوساطة وتوجيه الاقتصاد السياسي وقد تمارس المؤسسات المتعددة الجنسيات دور المرافعة الاقتصادية خاصة بالنسبة للدول الاقل تنمية ولكنها لا تقم بهذا الدور في البلدان التي تفرض قيودا على الاسواق. ويظهر نموذج المزودين الاستراليين وتجار الجملة اليابانيين العلاقات الاقتصادية ذات الاعتمادية ليست ببساطة مسائل خاصة بالدول ذات الاقتصاديات النامية تفرض نفوذها على الدول الاقل تنمية. ويمكن ان توجد علاقات الاعتمادية في معظم القطاعات في الدول النامية وفي الواقع بين المناطق والاقاليم المحلية في داخل الاقتصاديات القومية نفسها. ومن الناحية العملية فان ما تضيفه العولمة هو بعد الممارسات العالمية في حلبة صنع القرار ولذلك فان القرارات الوطنية والاقليمية وقرارات السياسة المحلية تصنع الآن في ضوء الاقتصاد السياسي العالمي ولابد من ان توفق بين مصالح المؤسسات متعددة الجنسيات مع الاجندات المختلفة، وربما المتضاربة القومية والاقليمية والمحلية. العولمة الوسيطة من المنظور السياحي، وحسب ما ذكره هال وجينكنز، فان دور مؤسسات الدولة قلل من شأنه، على الرغم من انه مهم بصورة واضحة. ولكن نبه هال وجينكنز ايضا الى ان الترتيبات المؤسسية في اطار الدولة تختلف اختلافا كبيرا، وحسب مفاهيم الاقتصاد السياسي العالمي فان القضية الرئيسية هي الدرجة التي تواصل بها الدولة سياسات التدخل او التغيير وفتح آفاق التطوير امام لعبة قوى السوق، حتى وان لعبت هذه دور الوسيط في عدد من المستويات الادارية والفضاء ويظهر تحليل قدمه كيو زانغ من سلطة السياحة الصينية بدءا من عقد السبعينيات حتى الآن انه حتى اكثر الاقتصاديات مركزية فانها ليست محصنة من هذا الاتجاه، كما ان الوضع المؤسسي يمكن ان يؤثر على السياسات على مستوى اكثر محلية ويشار الى ان صانعي القرار الاقليمي والمحلي يمكنهم ان يلعبوا دورا مهما، ويلاحظ هال ان الحكومات المحلية باتت تلعب الآن دورا عالميا في السياحة وهكذا فانه على الرغم من امكانية التحدث من حيث الاقتصاد السياسي العالمي فان هناك دائما امكانية لقيام الترتيبات المؤسساتية دون القومية بمسعى للتحكم بمسار العولمة من خلال الحلول المحلية.اذن، فالأمور بالطبع ليست واضحة، كما تبدو للوهلة الاولى، حتى لو كان ذلك على مستوى الدولة الوطني وفي الواقع، وكما رأى دوجلاس فان دور الدولة في الاقتصاد السياسي العالمي يمكن ان يظهر متناقضا. ولاحظ دوجلاس، معتمدا في تحليله على ادلة من هونغ كونغ وكوريا الجنوبية وسنغافورة وتايوان، ان هذه البلدان تتبع ادوار تدخل الدولة القوي والنشط وفي الوقت ذاته تبذل جهودا لالغاء الادوار الرسمية.وتستدعي هذه المواقف الى النقاش النظريات التي تقول انه وفقا لعملية النمو الاقتصادي فان الدول تمتلك سلطة محدودة على رأس المال. ومثل الكثير من المفاهيم التحليلية الجارية التي تسبق بكلمة «سابق» فان كلمة «ازالة» تتضمن تفكيك وحل الحتميات القديمة ولا يعني ذلك ان دور الدول يضعف بل ان دورها قد يتغير. ومن الامثلة الحديثة لهذا الاتجاه الشامل، من التدخل الى السوق الحرة يعرض لها تحليل كلانسي الذي تحدث عن نمو السياحة المكسيكية. واوضح كلانسي كيف، حتى اواخر الستينيات، كانت السياحة المكسيكية تسير حسب مقتضيات السوق، وفي هذا المعنى تبعت السياحة المكسيكية نمط اجراءات النمو المحلية لاغراض محدودة وباسلوب خال من التخطيط مع وجود قيود داخلية قليلة شبيهة في بعض الاوجه بنمو فضاءات السياحة الاولية. وبدءا من اواخر الستينيات والفترة اللاحقة حدث هناك تغير نحو المزيد من الفهم الاستراتيجي، وهو الذي ادى الى خطط سنوات متعددة وضعها وزارة السياحة المكسيكية .ولابد من الاشارة الى نقاط مهمة هنا مستقاة من هذه الحالة الخاصة، وبداية يوضح كلانسي ان صناعة السياحة في المكسيك هي الى حد كبير ناتجة عن فعل الدولة المخطط. ولكن لا يمكن بسهولة تعليل ذلك بنظريات الحداثة او الاعتمادية، ويمكن مناقشة الامر بان المكسيك في كل الاحوال لا تشكل نمطا او انموذجا، وهناك درجات واضحة من السيطرة والنفوذ من حيث علاقة الدولة والمؤسسات العالمية وهذه النماذج المطروحة هنا تطرح فكرة انه في ظروف العولمة فان الدولة تكون اقل اهمية. وتظهر المادة حتى الآن ان هناك مستويات ودرجات من التخطيط السياحي من قبل العمليات العالمية للمؤسسات متعددة الجنسيات، الى الدولة واخيرا السلطة المحلية وتشير هذه ايضا الى ان عمليات التخطيط السياحي ينبغي ايضاحها من خلال عدد من التعقيدات التي لم تعد محصورة في حدود الدول القومية. وفي جدلية كلانسي قد لا يكون الافضل النظر الى التخطيط السياحي باعتباره نشاطا له خصوصيته، بل بحسبانه مظهرا من مظاهر التخطيط الشامل لاي اقتصاد سواء اكان يخص دولة نامية او غير نامية.