يطوف عمالقة أقوياء سطح المريخ.. يبلغ طول الواحد منهم عشرة كيلومترات وعرضه كيلومتر واحد، وهم يتجولون في الكوكب من القطب الى القطب الآخر مشكلين سحباً من الغبار وقاذفين كتلاً براقة اثناء مرورهم. وحتى ان هؤلاء العمالقة يتحكمون بطقس المريخ حيث يشكلون عواصف هائلة يمكنها ان تغمر الكوكب بالظلام لشهور طويلة. إن هؤلاء العمالقة هم «عفاريت» الغبار التي هي عبارة عن أنابيب دوامة من الغبار والرمال ذات اللون الأحمر الشبيه بلون الصدأ، والتي تحركها رياح المريخ لتحولها الى شيء يشبه الأعاصير الضخمة. فلا عجب إذن إذا كانت عفاريت المريخ تسبب قلقاً شديدا لمخططي المهام في وكالة الفضاء الاميركية «ناسا». فالرياح الدوامة يمكنها ان تلحق الدمار بأي شخص أو أي شيء يقع في طريقها، ويمكن ان تشل حركة رواد الفضاء وتوقف عمل وسائل الاتصال وتحرق أي جهاز كهربائي تلمسه، وإذا كان البشر ينوون النزول الى سطح الكوكب الأحمر، فيجب عليهم ان يكونوا مستعدين لمواجهة القوى الفظيعة لهذه «العفاريت». أول اشارة الى وجود هذه السحب الضخمة الحاملة للغبار جاءت من الصور التي التقطت من قبل مركبات فايكنغ في السبعينيات من القرن الماضي. لكن عفاريت الغبار كانت تتحرك بسرعة كبيرة لدرجة ان زمن التعرض الطويل الذي استخدم من قبل الكاميرات كان يعني ان الصور افتقرت الى التفاصيل. ثم في عام 1999 دارت المركبة «مارس غلوبال سيرفيور» التابعة لناسا في مدار حول الكوكب الأحمر وأرسلت كاميراتها أول صورة واضحة لهذه الاعاصير والآثار التي خلفتها على أرض المريخ المغبرة. ومع الدلائل التي أرسلتها مركبة «باثفايندر» التابعة لناسا، والتي هبطت على سطح الكوكب الأحمر في عام 1997، أدرك الباحثون سريعاً ان هذه الوحوش المريخية ليست نادرة الحدوث، وتظهر بعض من أحدث الصور الملتقطة بواسطة مركبة مارس غلوبال سيرفيور وجود أكثر من نصف دستة من العفاريت في نطاق بضعة كيلومترات من بعضها البعض. وعلى الرغم من انها قد تبدو مثل الاعاصير التي نراها على الأرض، إلا ان أعاصير المريخ تتشكل بطريقة مختلفة تماماً. فعلى الأرض تولد الأعاصير عندما تبدأ رياح قوية بالدوران داخل عواصف هائلة لكن الغلاف الجوي للمريخ أرق بحوالي 100 مرة من الغلاف الجوي للأرض ويفتقر لنظم الطقس الضرورية لاحداث الاعاصير. وعلى المريخ، لا توجد سحب كافية لكي تحجب أشعة الشمس ،ولهذا فإن الضوء الساطع الساقط على السطح يمكن ان يوجد فرقاً هائلاً في درجات الحرارة بين الأرض والغلاف الجوي فوقها. ففي نقطة قريبة من سطح المريخ، على سبيل المثال، سجلت مركبة باثفايندر درجة حرارة مقدارها 16 درجة مئوية، بينما سجلت على ارتفاع متر فقط عن تلك النقطة درجة حرارة بلغت 7 درجات مئوية تحت الصفر. ومن شأن هذا النوع من الاختلاف الكبير في درجات الحرارة ان يؤدي الى تسخين الغلاف الجوي، مما يتسبب في حدوث تيارات نقل حرارية، وعندما تكبر هذه التيارات بسرعة وتلتقي بمعالم على الأرض مثل التلال أو الوديان، فإن الغلاف الجوي الرقيق يمكن ان يبدأ بالدوران في دوامة ضيقة. تأثيرات مشابهة تحدث على الأرض، حيث تحدث تيارات الهواء الساخن فوق سطح ساخن مثل طريق في الصحراء عفاريت صغيرة من الغبار بارتفاع عشرات الامتار، غير ان الظروف الفريدة على المريخ تجتمع لتشكل شيئاً أكثر تهديداً وخطراً. حيث ان الغلاف الجوي للكوكب الأحمر رقيق للغاية، فإنه حالما تبدأ التيارات الحاملة للحرارة، لا يكون هناك احتكاك كبير بين جزيئات الغاز لابطاء حركتها. والرياح التي تتشكل بفعل ذلك يمكن ان تصل سرعتها الى 100 كيلومتر في الساعة، ونظراً لأن المريخ لا يحتوي على سوائل في تربته، فإنه لا وجود لرطوبة سطحية تجمع جزيئات الغبار مع بعضها البعض. ويقول بيتر سميث وهو عالم في الكواكب في جامعة أريزونا في توكسون ان «تربة المريخ تعتبر خفيفة بشكل أساسي مثل بودرة الاطفال». وحتى أصغر عفريت يمكنه ان يغرف بسرعة عدداً كبيراً من الكيلوجرامات من التراب، حيث ان جاذبية المريخ تبلغ ثلث الجاذبية الارضية فقط، فإن جزيئات الغاز وذرات الغبار التي تدور في الجو تتأثر بقوة جذب أقل من الأسفل، وبعبارة أخرى فإن ما يتصاعد الى الجو يبقى هناك. ويمكن ان يصل ارتفاع عفاريت الغبار في المريخ الى نفس ارتفاع جبال الهيمالايا ويمكن ان تحمل ما يصل الى طن من الغبار وتستمر لأيام بلا انقطاع. الجميع يتفق على وجود «عفاريت الغبار» المريخية، ولكن لا أحد يعلم ما الذي تقدر على القيام به. وتفيد التوقعات بأن أي شيء يعلق في عاصفة ترابية سيكون في مشكلة عويصة. ولكن بدون الولوج الى داخل عفريت غبار مريخي، فإن من الصعب معرفة مدى الخطورة التي يشكلها، ولهذا فإن الطريقة العملية الانسب لمعرفة شيء حول قوتها تتمثل في صنع عفاريت اصطناعية في المختبر أو دراسة ابناء العمومة الاصغر لعفاريت المريخ في البرية هنا على الأرض، وهذا ما تحاول فرق من العلماء بتمويل من ناسا القيام به. ضرار عمير