يتفرد كتاب «الفتوحات المكية» من بين، كتب «ابن عربي» العديدة بأنه ألصق هذه الكتب بمؤلفاته، فهو الى جانب مادته الغزيرة في العلوم الاسلامية وعلوم الاوائل مرآة تعكس سيرة المؤلف وحياته الروحية، كما تعكس ثقافته الواسعة، كما ان الكتاب يلقي الضوء على ما خفي من معالم شخصية «ابن عربي» ومغامراته الروحية وتجاربه الصوفية. «ابن عربي» هو أبوبكر محمد بن علي الملقب بمحيي الدين ابن عربي ولد في الجنوب الشرقي من الاندلس سنة 560هـ ، تلقى مباديء العلوم الدينية في مدينة لشبونة، ثم في مدينة اشبيلية التي كانت من أكبر مراكز التصوف في الاندلس في عهده، وقضى فيها نحو ثلاثين سنة. في سنة 598هـ هجر الاندلس وبلاد المغرب وذهب الى المشرق يؤدي فريضة الحج ولم يعد ثانية، حيث زار عددا من بلاد المشرق ثم استقر به المقام في دمشق حتى وافته المنية سنة 638ه. كتاب «الفتوحات المكية» هو أكبر مؤلفات «ابن عربي» وأهمها بعد «فصوص الحكم» حيث يذكر لابن عربي قرابة مئتين وخمسين كتاباً بين كتاب ورسالة حسبما ورد في مذكرة كتبها سنة 632ه. اما تسميته بـ «الفتوحات المكية» فلأنه على حد قول المؤلف: مما فتح الله به عليه أثناء زيارته لمكة المكرمة سنة 598هـ حيث يقول: كنت نويت الحج والعمرة، فلما وصلت «أم القرى» مكة المكرمة، أقام الله سبحانه وتعالى في خاطري ان أعرف الولي بفنون من المعارف حصلها في غيبتي، وكان الأغلب منها ما فتح الله سبحانه وتعالى عليّ به عند طوافي ببيته المكرم». ويقول في الباب 373: جميع ما كتبته في هذا الباب ـ الفتوحات ـ إنما هو من املاء الهي والقاء رباني أو نفث روحاني في روح كياني، كل ذلك بحكم الارث للأنبياء والتبعية لهم لا بحكم الاستقلال. وقد ألف «ابن عربي» كتاب «الفتوحات المكية» خلال ثمان وثلاثين سنة بدأه بمكة سنة 598هـ وانتهى منه سنة 656ه. ويكاد يكون من المستحيل وصف كتاب «الفتوحات» من حيث مادته بأكثر من انه موسوعة ضخمة من العلوم الدينية والتصوف وعلوم الاوائل، خالية تماما من وحدة التأليف والغرض، لا يصدر فيها صاحبها عن روية أو تفكير، وإنما يسجل كل فكرة تخطر بباله وكل تجربة تضطرب في نفسه تسجيلاً تلقائياً هو وليد اللحظة التي يتم فيها، ولذلك يسود الكتاب الاستطراد، وتداخل المسائل بعضها في بعض. ويعترف ابن عربي نفسه بهذا. والكتاب لا يدور حول موضوع واحد ولا مادة علمية واحدة، وإنما هو عرض شامل للثقافة الاسلامية والعلوم الدينية والفلسفية النظرية منها والعملية. وقد خلف ابن عربي في كتابه «الفتوحات» ثروة طائلة من المصطلحات الفلسفية الصوفية استمدها من كل مصدر عرفه كالقرآن الكريم والحديث وعلم الكلام والفقه والتصوف السابق عليه. وفلسفة أفلاطون وارسطو والرواقيين ورجال الافلاطونية الحديثة والغنوصية، كما استخدم مصطلحات شاعت في أوساط الاسماعيلية الباطنية والقرامطة واخوان الصفا. ولكن مهما يكن المصدر الذي أخذ عنه فإنه صبغ هذه المصطلحات كلها بصبغته الخاصة، وأعطى لكل مصطلح معنى جديداً يتماشى مع روح مذهبه وما من صوفي أتى بعده، عربياً كان أم غير عربي، شاعراً كان أم غير شاعر، إلا استعمل لغته وكتب بوحي منها، بل ان أثر «الفتوحات المكية» لم يقف عند حدود العالم الاسلامي، بل تعدى الحدود الى الأوساط الاوروبية، وبخاصة ما جاء به «دانتي» في كثير مما قاله في وصف الجحيم والنعيم، وكذلك ما جاء به «اسبينوزا» في فلسفته، وما كان شائعاً في عصره في الاوساط الفلسفية من تعاليم الشيخ محيي الدين بن عربي على ان كتاب «الفتوحات المكية» يظل كباقي كتب ابن عربي يدور حول فكرته في وحدة الوجود بشكل خاص أو على فكرة متصلة بها، ولا يمل الكلام في هذه المسألة والافاضة فيها لمناسبة أو في غير مناسبة. ولا يظفر القاريء «للفتوحات» بمذهب فلسفي واضح متماسك مرتب على نحو ما يظفر بذلك عند قراءته لكتب الفلاسفة وربما يعود ذلك الى ان ابن عربي هو صوفي أولاً وفيلسوف ثانياً، وهو يخضع للوجدان والعاطفة والخيال أكثر من خضوعه للمنطق والتناسق الفكري وهو يطالب قراءه بمشاركته في أذواقه ومواجيده أكثر مما يطالبهم بمشاركته في تفكيره، ويلجأ الى الرمز والاشارة في مواطن يستعصي فهمها وتستغلق مفاتيحها، وربما لذلك كان سر اختلاف الناس في أمره. إعداد ـ محمد سطام الفهد