ولد الروائي السوري حنا مينا في اللاذقية سنة 1924 ثم انتقل مع عائلته إلى قرية السويدية في الاسكندرونة. كان الولد الوحيد بين عدة أخوات لإسرة فقيرة، بدأ حياته في الميناء حمالا قبل أن يصبح بحارا، وقبل أن يمتهن مهنا أخرى، كمصلح دراجات ومربي أطفال وعامل في صيدلية وحلاق وصحافي وموظف حكومي ثم جاءت النقلة الكبرى إلى المحطة الأخيرة، روائيا مبدعا واسع الانتشار، نشر أكثر من 30 رواية وكانت أولى رواياته «المصابيح الزرق» في بداية الخمسينيات تناولت الحرب العالمية الثانية. قال عن نفسه: أنا كاتب الكفاح والفرح الانسانيين! كان عمره 12 سنة عندما ناضل ضد الانتداب الفرنسي على سوريا، عاش فترة من حياته مع عائلته في اللاذقية ثم غادر إلى بيروت فدمشق قبل أن يعيش حياة الغربة والتشرد عبر أوروبا والصين. أحب البحر وكان له ثماني روايات تحدث فيها عن البحر، قال عن ذلك: إن البحر كان دائما مصدر إلهامي حتى إن معظم أعمالي مبللة بمياه موجه الصاخب، لحمي سمك البحر، دمي ماؤه المالح، صراعي مع القروش كان صراع حياة، أما العواصف فقد نقشت وشما على جلدي إذا نادوا: يا بحر! ثم تساءل على طريقة يوحنا، أسألكم: أليس عجيبا ونحن على شواطيء البحار ألا نعرف البحر.. ألا نغامر والمغامرة احتجاج.. أن يخلو أدبنا العربي، جديده وقديمه، من صور هذا العالم، الذي هو العالم، وما عداه اليابسة، جزء منه!!.. لا أدعي الفروسية، المغامرة نعم! أجدادي بحارة هذه مهنتهم، الابن يتعلم حرفة أهله، احترفت العمل في الميناء كحمّال واحترفت البحر كبحار. وحنا مينا أب لخمسة أولاد، سليم متوفى منذ الخمسينيات، سعد ويعمل ممثلا، وثلاث بنات هن سلوى وسوسن وأمل، متزوجات ويحملن شهادات جامعية ومن طول الغربة والترحال كان أولاده يسألونه: هل يتكلمون العربية في سوريا؟ أمه أحرقت رواية «الخيط الذي لا يرى» خوفا من وقوعها في أيدي زوار الفجر. أسرته كانت تتلقى المساعدة والشفقة من الكنيسة، تحدث عن طفولته في الاسكندرونة قائلا: طوال أربع سنوات كنت أقوم مع بعض أطفال المدرسة بالخدمة في الكنيسة، نطفيء الشموع، نحمل الايقونات، وننام أحيانا واقفين، بكلمة، صليت بما فيه الكفاية، أنا مطمئن من هذه الناحية. وفي باحة المدرسة والكنيسة كان ثمة قبور يونانية قديمة، وعلى أحدها كان مجلسي في ساعات الضيق والغربة، والجوع في أحيان غير قليلة، على هذا القبر تعلمت أن أحلم بالمدينة الفاضلة قبل أن أعرف اسمها، وبالحب قبل أن أبلغ السن التي يحق فيها لمثلي أن يحب! كان لحياته القاسية أثرها في رواياته تلك، قال عنها: كنت أعاني البطالة، والغربة، والفقر، والجوع، وأحسد الكلب لأن له مأوى. فحياته الشخصية الصعبة أغنت تجربته وقد أنفق كثيرا من أجمل أيامها مشردا مترحلا قاطرا وراءه كحصان متعب عربة ملأى بالأهل، كما يقول. وبعدما إمتهن الكتابة قال: أعيش أكثر أيامي امتلاء وتفجرا وأكتب في سباق مع رحلة العمر، وأحس بضغط هذه المهنة الحزينة.. مهنة الكتابة! وفي روايته «الشمس في يوم غائم» التي ترجمت إلى الانجليزية والفرنسية تحدث عن ذلك الفتى طالب البكالوريا ابن الثامنة عشرة من عمره، المشاكس، الذي يهوى تعلم العزف على أية آلة موسيقية تطالها يده، عود، كمان، بزق، شبابة، لكي يصبح موسيقيا ويستخرج ما في قلبه. وفي الوقت نفسه فهو سريع الولع بالشيء سريع الضجر منه،لا يطيق صبرا على حياة أهله المترفة الرتيبة، وهذا يكفي لكي يجعلهم ينظرون إليه كولد شاذ رغم تفوقه الدراسي. ولما كان لتلك الأسباب نزقا فقد كان يستبدل الآلات كما يستبدل المعلمين. أُغرم بالناي، ثم بالعود، تلاه الكمان. وعلى يد الخياط تعلم الفتى الرقص على أنغام العزف، وهو الأمرالذي فجر تلك الطاقات الكامنة في أعماقه، فكان كمن اكتشف نفسه بعد ضياع، وتمتع كثيرا بتعلمه رقصة الخنجر رغم خطورتها، تلك الرقصة التي أداها وسط الحشد الجماهيري بحماس حتى ظن أن روحا جديدة حلت به! فكانت رقصة قادرة على احتواء العالم كاملا، فكان في رقصه كمن، هو بين الافاقة والوسن، يرى حقيقة، ويرى حلما، ولعل ما رآه لم يكن إلا وهما، حين رأى بين الحشود وجها باسما، فالصورة خرجت من الصورة وكان واثقا، أنه لو عاد للرقص ستخرج ثانيا، ولكن الصورة بقيت صورة وكان الأمر أمرا فانيا، فأقام في المعبد مطيلا رافضا، أن الذي كان سرابا غائما، وكان على نفسه شديدا مشفقا، ولم تجدِ دموع الجموع توسلا، فكان كمن، جن جنونا قاطعا، وغدا حزينا صامتا. تلك كانت تداعيات الرقصة التي جلبت عليه رياح الغضب داخل الأسرة، فوالده إعتبر الحادثة مشينة، أما خطيب أخته، رئيس القلم، فقال بنبرة تحريضية: النَوَر وحدهم يرقصون على هذا الشكل لجمع الفلوس. أما هو فلم يأبه لذلك أو كما قلنا كان كمن، جن جنونا قاطعا. واختفى معلمه، الخياط، ذلك الرجل الذي بات يؤمن به في داخله أنه كان أحجية، ويتراءى لفتانا حكيما، وأنه محّدث بارع إستأثر بالمحبة والاعجاب وأنه سيدله على المرأة التي تراءت له خلال الرقص. حدث ذلك قبل أن يهيم متسكعا بين الخمارات والمقاهي على البحر، والسينمات. ولم ينه تسكعه إلا في بيت عمه، وهناك رأى إبنة عمه بعويناتها الطبية التي يكرهها، تعزف على البيانو، قبل أن تقترب منه خجلة وتقول: خذني معك إلى الخياط! ونتيجة لذلك الصراع المأساوي لفقد ذلك الوجه العزيز ذو الابتسامة الومضية فقد ترك الفتى نفسه نهبا لرياح الحيرة، كقارب قطعت مرساته، واستسلم إلى النوء. ولكن بقيت اسطورة الصورة تخرج من الصورة، وهم تفرع عن وهم. وعاد الخياط ومعه عاد العزف والرقص، وشعر الفتى أن عذابا يغلف معلمه الخياط لا يريد أن يفصح عنه، وكانت هناك نقمه تلون كلماته، قال له الخياط: رقصة الخنجر نزوة بالنسبة إليك، غريبة عليك وعلى جوّك وستجلب لك المتاعب. رقصة الخنجر لا نوتة لها، مثل ريح العاصفة، وأنا أحب هذه الريح. نهت زوجة الخياط فتانا عن النظر من النافذة إلى القبو أسفل بيتهم، أطاع الفتى رغم الفضول المحرق، ولكنه رآها عند باب القبو هناك، بقميصها الليلكي وهو في نوبة زيارة، تدعوه بصمت، إلى الخطيئة، وعرف لماذا كانت زوجة الخياط تنهاه! قالت له فيما بعد: عشرة على واحد كنت أراهن على أنك ستأتي. وفي آخر رقصة في بيت الخياط كانت ترمق الفتى بعينيها السوداوين، تتحدى وتغري حتى جعلته يفقد توازنه تحت وطأة نظرتها الرهيبة، المتوحشة الآسرة، فهوى الخنجر ومزق لحم الركبة، قبل أن تتراجع وتختفي كما ظهرت. ولكنها ظهرت ثانية في بيت الفتى، وقد حملت معها فضيحة هزت الجميع حين قالت مخاطبة خطيب شقيقته الذي يحب رقصة التانجو ويكره رقصة الخنجر: السيد نسي عندي سرواله! ثم رمت بالخنجر، وفيما بعد أخفت زهوها بالانتصار. وكان الحل في رحيل الخطيب أولا، ثم الفتى إلى بيروت لكي يواصل دراسته. ولكن خيط الحزن خيم طويلا على تلك الدار التي أُهينت بينما هي تعيش على فخار الماضي ومجده. في نوبة غضب قتل والد الفتى فلاحا، سجلوا القضية دفاعا عن النفس، أعطوا زوجته نقودا استرضوها بها، وأخذوا ابنته خادمة. مرض الفتى لذلك، وطال مرضه، ولكنه شفى، ثم نسى. مارس حياته المعتادة، اكتشف كم كانت تحبه إبنة عمه، وزار الخياط مرارا، كما زار المرأة صاحبة العينين السوداوين ووجدها مغضبة، ولم يدرك إلا مؤخرا أن الحب كان وراء غضبها. تأمل، ثم قال محدثا نفسه: لقد استيقظ وعيي مبكرا، كنت في السن المباركة والملعونة اذن، وبعدها المفترق. طريق والدي ليس طريقي، علي أن أفعل ما يحررني من ربقة أسرتي، وواقعها، ومصيرها. وانتهى من حواره الطويل إلى قرار السفر، السفر بعيدا. أن أسافر فليس لأنني أريد، بل لأنهم أرادوا، سأقول كل شيء للخياط، ولسوف يتفهم دوافعي، الخياط علمني رقصة الفرسان، منحني صداقة رجل لرجل. اتهموه بتحريض الناس على الحكومة، قالوا إنه يرأس عصابة، ويثير الفقراء على الأغنياء، وأن تعليم الموسيقى في بيته ليس إلا ستارة.. ثم ضربوه. كان الفتى يغفو بين ذراعي المرأة ذات العينين السوداوين في القبو حين انطلقت صرخة حادة كقذيفة، أصابت زجاج الصمت وحطمته ثم سمعا صوت وقع أقدام تركض في الزقاق الضيق، قفزت المرأة عارية من السرير، وفتحت الباب غير عابئة بشيء، عندئذ تناهى إلى سمعهما صوت إمرأة الخياط تصيح: قتلوه.. قتلوه.. لم يغفروا لرجل يعلم الناس دق الأرض لإيقاظها، سفكوا دمه. كان شريط الذكريات يتردد في مخيلة الفتى، تذكره يخاطبه: إعزف بقدمك، دق بها الأرض، إثقبها.. وها هم قد ثقبوا قلبه!