مؤلف هذا الكتاب دوغلاس ليمك هو استاذ مساعد في قسم العلوم السياسية في جامعة ميتشيجان بالولايات المتحدة الاميركية وكان قد نشر سابقا العديد من المقالات عن الصراعات الدولية في الصحف الكبرى. كما انه احد مؤلفي كتاب: المراحل الانتقالية للقوة 2000، وأحد ناشري كتاب آخر بعنوان: التكافؤ في القوى والحرب 1996. يقول المؤلف في مقدمة الكتاب: لقد أمضيت ثماني سنوات في تأليف هذا الكتاب واستفدت كثيرا من نصائح زملائي في مختلف الاختصاصات ينبغي العلم ان المليارات الستة التي تسكن الكرة الارضية موزعة على حوالي مئتي بلد، وهذه البلدان تختلف من حيث مستويات تطورها وتنميتها كما انها محكومة من قبل اشكال عديدة من الانظمة السياسية وتنتمي الى العديد من التراثات الدينية والثقافية، هل يمكن القول بأن هذه الشعوب تذهب الى الحرب ضد بعضها البعض لنفس الاسباب والبواعث؟ البعض قد يجيب بالنفي او بالتشكيك.. والبعض الآخر قد يجيب بالايجاب باعتبار ان جميع الشعوب تشترك في خصلة واحدة على الرغم من اختلاف أديانها ولغاتها وثقافاتها الا وهي: تحريم الزواج من المحارم او ذوي القربى القريبة ثم يقول المؤلف مضيفا: اريد في هذا الكتاب ان اسأل فيما اذا كان ممكنا ان نشكل معرفة عامة عن الشروط التي تصبح فيها الحرب ممكنة ببين البشر بمعنى آخر: ما هي البواعث التي تدفع الى الحرب، وفي اية ظروف يحصل ذلك؟ لقد حاولت ان افهم سبب اندلاع الحرب بين القوى الكبرى وسبب عودة السلام، وطبقت الشيء نفسه على القوى الصغرى الاقليمية في مختلف مناطق العالم. وراح المؤلف يطرح هذا السؤال: هل ينبغي تعديل النظرية الخاصة بالقوى الكبرى لكي تنطبق على القوى الصغرى؟ بمعنى آخر هل قوانين الحرب والسلام التي تنطبق على الاولى تنطبق على الثانية ام ان هناك خصوصية معينة للقوى الكبرى؟ ان النظرية المعدلة هي ما ندعوها بالنظرية الانتقالية للقوة: أي كيفية فهم القوة في انتقالها من مرحلة القوة الكبرى الى مرحلة القوة الصغرى. وقد اكتشف المؤلف ما يلي في نهاية بحثه: على الرغم من وجود متشابهات بين القوى الكبرى والقوى الصغرى الا انه توجد خلافات واضحة فالقوى الكبرى لا تدخل مع بعضها البعض في حرب كما تدخلها القوى الصغرى فيما بينها، وربما لهذا السبب امتنعت الحرب بين الولايات المتحدة والاتحاد السوفييتي طيلة الحرب الباردة، هذا في حين ان الحروب الاقليمية كانت مستمرة هنا او هناك وبالتالي فليس من السهل ان تندلع الحرب بين القوى الكبرى. ومعظم النظريات المتوافرة حاليا في العلوم السياسية مستمدة من تجارب القوى الكبرى في الغرب. ومن اهم الكتب التي تتحدث عن الموضوع كتاب بعنوان: موازين القوى في أوروبا الكلاسيكية. وهو يدرس التفاعلات الحربية او السلمية التي جرت بين الدول الاوروبية الكبرى كفرنسا، وانجلترا، وألمانيا، فأحيانا كانت تعيش فترات سلام فيما بينها، وأحيانا كانت تلجأ الى الحرب بعد ان يبلغ التنافس والتوتر فيما بينها حده الاقصى وقد ظهرت مؤخرا عدة مراجع في التنظير السياسي. وكلها تتركز على القوى العظمى وتفاعلاتها نذكر من بينها كتابا للباحث ويليام فومسون بعنوان تأملات حول الحرب العالمية الشاملة 1998 وكتابا للباحث بنيامين ميلر بعنوان: عندما يتعاون الخصوم: صراع القوى العظمى وتعاونها في السياسات العالمية 1995، وهناك ايضا كتاب للباحثين جورج موديلسكي وويليام فومسون بعنوان القطاعات الرئيسية والقوى العالمية 1996 ولا ينبغي ان ننسى كتاب الباحث جاك ليفي: الحرب في نظام القوى العظمى الجديد 1983 كل هذه الكتب والمراجع تشرح كيفية العلاقات بين الدول العظمى: لماذا تكون سلمية احيانا وحربية أحيانا اخرى؟ ثم: ما هي البواعث الاساسية التي تدفعها الى تفضيل خيار الحرب؟ ولكن لا نملك كتابا علميا عن الحرب في نظام القوى الصغرى. وهذا شيء مؤسف جدا. ولكنه مفهوم ضمن مقياس ان معظم البحوث العلمية تتركز على دول الغرب الكبرى وتهمل مناطق العالم الاخرى. فالدول الغربية من أوروبية او أميركية مدروسة ومحللة جيدا على كافة الاصعدة والمستويات هذا في حين ان دول العالم الثالث لم تحظ بالمستوى نفسه من التحليل العلمي. والواقع ان التخلف يكون في كل شيء او لا يكون وهنا نتذكر عبارة جاك شيراك الشهيرة: لا توجد دول متخلفة ودول متقدمة. توجد فقط دول محللة ومدروسة علميا من كافة النواحي الاقتصادية، والسياسية، والثقافية، ودول اخرى غير محللة وغير مدروسة بالشكل الكافي. ومن بين هذه الدول مجتمعاتنا العربية والاسلامية فنحن على عكس ما نتوهم نجهل تركيبتها الحقيقية ولم ندرسها بعد علميا كما حصل لدول اوروبا كفرنسا او انجلترا او ألمانيا الخ.. هناك مئات الكتب وربما آلاف الكتب عن تاريخ فرنسا او جغرافية فرنسا او اقتصاد فرنسا، او التركيبة الاجتماعية والدينية والسياسية لفرنسا، ومعظمها كتب علمية مؤلفة طبقا لاحدث المنهجيات. ولكن كم هو عدد الكتب العلمية الموثقة التي نمتلكها عن سوريا، او مصر، او السودان، او دول الخليج العربي، او المغرب، او اليمن، او السعودية الخ.. وهل نعرف بشكل علمي بنيتها التاريخية، والجغرافية، والاقتصادية، والسياسية، والبيئية الخ؟ لماذا تتركز الابحاث العلمية في معظمها على الدول المتقدمة لا الدول المتخلفة؟ لان الدول المتقدمة عندها امكانيات كبرى ومراكز بحوث وحرية في التفكير والبحث، وهي اشياء غير متوافرة في دول العالم الثالث بشكل عام. ولكن الامور ابتدأت تتغير في السنوات الاخيرة لحسن الحظ. فالابحاث العلمية الجادة ابتدأت تظهر عن بلداننا هنا او هناك. مهما يكن من امر فإن المؤلف ينبه الى خطورة هذا الوضع ويدعو للاهتمام بدول العالم الثالث ويبدو ان الباحثين العلميين اخذوا يشعرون بهذا التقصير او النقص، يقول بالحرف الواحد: لحسن الحظ فإن الباحثين الذين يؤلفون الكتب العديدة عن سياسات القوى العظمى اخذوا يدركون مخاطر اهمالهم للدول الاخرى فهم يقلصون موضوع الدراسة كثيراً، اذ يركزون على دول اوروبا واميركا وينسون دول العالم الاخرى في آسيا وافريقيا مثلاً، وقد اعترف الباحث بول هوث بذلك في كتابه الاخير المكرس لدراسة الصراعات التي تمت على الحدود او الارض منذ الحرب العالمية الثانية وحتى الآن وقال بما معناه: في الوقت الراهن نلاحظ ان الابحاث العلمية التي تدرس اسباب الحرب في القرن العشرين متركزة فقط على القوى العظمى بشكل عام وعلى السياسات الاوروبية بشكل خاص. ثم يطرح المؤلف هذا السؤال: ما هي الدول العظمى؟ كيف نحددها؟ ويجيب قائلاً بأن هناك عدة معايير للتحديد، وبالتالي فهناك اختلاف على التحديد فهل اليابان مثلاً دولة عظمى بعد نهاية الحرب العالمية الثانية؟ لا ريب في ان اقتصادها بلغ اوجه في تلك الفترة ولكن قوتها العسكرية ظلت محدودة وتابعة لأميركا وبالتالي فيمكن القول بأنها قوة عظمى من الناحية الاقتصادية وقوة صغرى من الناحية العسكرية او حتى السياسية ويقال بأن الجيش العراقي عام 1990 كان ضخماً وقوياً جداً ولكن على الرغم من ذلك فلا يمكننا ان نحسب العراق كقوة عظمى لماذا؟ لان امكانياته الاقتصادية والتكنولوجية والصناعية تظل محدودة فيما يخص فرنسا نلاحظ ان معظم الباحثين يعتبرونها حتى الآن قوة عظمى ولكن هل هي قوة عظمى حقاً؟ فقوتها العسكرية والاقتصادية لا تزيد كثيراً عن قوة دول عديدة في العالم من امثال تركيا ويقول بعضهم بما ان فرنسا كانت قد وصلت سابقاً الى مرتبة الدول العظمى فإنها تظل محسوبة في هذه الفئة ولكن لو كان ذلك صحيحاً لعددنا اسبانيا، والبرتغال، وهولندا، والنمسا، وايطاليا في مصاف القوى العظمى فكل هذه الدول كانت لها مرتبة هامة في التاريخ والبعض يقول بأن الدولة العظمى تحديداً هي تلك التي تمتلك السلاح الذري ولكن لو كان هذا التحديد صحيحاً لقلنا بأن الهند وباكستان هما دولتان عظميان منذ تاريخ امتلاكهما القنبلة الذرية وهناك اجماع بين المؤرخين على اعتبار بريطانيا العظمى بمثابة قوة عظمى بدءاً من عام (1816) واميركا بدءاً من عام (1898) وفرنسا بدءاً من عام (1816)، وبروسيا ـ المانيا بدءاً من عام 1816 وفي عام (1945) تاريخ هزيمتها في الحرب العالمية الثانية ويمكن ان نقول الشيء ذاته عن النمسا ـ هنغاريا بين عامي (1816-1918)، وايطاليا بين عامي (1860-1943) وروسيا ـ الاتحاد السوفييتي بين عامي (1816-1989) تاريخ انهيار الشيوعية ولكن البعض لا يزال يعتبر روسيا حتى الآن بمثابة القوة العظمى واما الصين فقد اصبحت قوة عظمى عام (1950) ومن المتوقع ان تزداد قوتها اكثر فأكثر في العقود المقبلة من السنين، وربما نافست اميركا عندئذ وتغلبت عليها، واذن فاستقبل للعرق الاصفر، للشرق الاقصى، واما اليابان فقد كانت قوة عظمى بين عامي (1895-1945) وهناك معيار آخر لقياس القوة العظمى الا وهو: مدى قدرتها على التدخل العسكري خارج اراضيها، بهذا المعنى فإن الولايات المتحدة هي القوة الاعظم حالياً لماذا؟ لانها قادرة على التدخل في اي مكان آخر في العالم، ولأن اساطيلها موجودة في جميع البحار والمحيطات، ولان صواريخها وطائراتها هي الاكثر تقدماً وتعقيداً من الناحية التكنولوجية والقوة العظمى هي تلك التي تستطيع التدخل في شئون الدول الصغرى وصراعاتها والدليل على ذلك ان اميركا والاتحاد السوفييتي كانا يتدخلان في جميع الصراعات العربية ـ الاسرائيلية وكل قوة عظمى تسلح احد الاطراف وتمده بالمعلومات العسكرية ويقال بأن مصر واسرائيل كانتا على وشك الحرب عام (1965) ولكن أميركا التي كانت مشغولة في فيتنام طلبت من اسرائيل تأجيل موعد الضربة وهذا ما حصل فلم تندلع الحرب الا بعد سنتين من ذلك التاريخ اي في خمسة يونيو من عام 1967.. وهذا يعني ان القوى الصغرى لا تدخل الحرب عادة الا بعد استشارة الدول الكبرى ثم يطرح المؤلف هذا السؤال: هل العالم الثالث مهم؟ هل له دور على خارطة العالم؟ ويجيب بأن بعض الاختصاصيين يهملونه ويقللون جداً من قيمته، وبعضهم الآخر يعتبره حيوياً وبخاصة في بعض المناطق وبعض الاحيان لا ريب في ان القوى العظمى هي التي تحسم مصير العالم ولكن لا يمكن ان ننسى بأن معظم سكان الارض يعيشون في العالم الثالث ثم ان معظم الحضارات القديمة نشأت فيه وبخاصة في منطقة الشرق الاوسط يضاف الى ذلك ان العالم الثالث هو الذي يقدم المواد الاولية وبخاصة البترول الى العالم الاول ومن الناحية الاستراتيجية فإن العالم الثالث ضروري للقوى العظمى لانها تقيم فيه القواعد العسكرية. ثم يقسم المؤلف العالم الى عدة مناطق وكل منطقة مشكلة من مجموعة من الدول المتجاورة وفي كل مجموعة توجد عادة دولة كبيرة مهيمنة فمثلاً افريقيا مقسمة الى تسع مجموعات وكل مجموعة مشكلة من دولتين الى ثمان دول وعادة ما يستتب السلام اذا كانت هناك دولة واحدة كبيرة وقوية في كل مجموعة ولكن اذا كانت هناك دولتان قويتان فإن خطر الحرب يصبح وارداً نضرب على ذلك كمثل المجموعة الاولى من الدول الافريقية، وهي مجموعة دول المغرب العربي: الجزائر، ليبيا، المغرب الاقصى، تونس فهذه الدول تشترك في اللغة والدين وتشكل مجموعة منفردة لوحدها ولكن فيها دولتان متنافستان ومتساويتان من حيث القوة تقريباً هما: الجزائر والمغرب ولذلك يحصل التوتر بينهما احياناً ويهدد امن المنطقة واما دول الخليج العربي او دول مجلس التعاون الخليجي فلا تضم الا دولة واحدة كبيرة هي المملكة العربية السعودية ولذلك فإن العلاقات بينها سلمية وودية بشكل عام: البحرين، الكويت، قطر، المملكة العربية السعودية، الامارات العربية المتحدة. وينطبق نفس القانون الاستراتيجي على دول الشرق الاقصى المقسمة الى خمس مجموعات من بينها مجموعة جنوب آسيا وهي تضم الدول التالية: بنغلاديش، بوتان، الهند، الباكستان. وفيها دولة واحدة مركزية هي الهند ولكن باكستان تحاول منافستها وبخاصة بعد ان امتلكت السلاح النووي ولكن من المستبعد ان تخاطر باكستان بنفسها وتدخل في حرب شاملة مع الهند لماذا؟ لان موازين القوى غير متكافئة وبالتالي فالسلام يتحقق بسبب هيمنة دولة كبرى على المنطقة ويمكن ان نقول الشيء ذاته عن دول جنوب شرق آسيا: «اي كمبوديا، لاوس، تايلاند، فيتنام» ففيها دولة واحدة مركزية وقوية هي فيتنام، وبخاصة بعد توحيدها وهي التي تؤمن الاستقرار في المنطقة واما دول شرق آسيا فهي التالية: الصين، اليابان، منغوليا، كوريا الشمالية، كوريا الجنوبية، تايوان، وفيها دولتان كبيرتان هما الصين واليابان ولكن الدولة المركزية او التي تعتبر كذلك هي الصين فاليابان لا تستطيع مواجهتها عسكرياً بالطبع فإن الدولة الاعظم التي التي تقف على قمة النظام السياسي العالمي هي اميركا ولكنها مضطرة لأن تأخذ بعين الاعتبار رأي الدول المركزية المحلية كالصين، وروسيا، والهند، والسعودية، وتركيا، وايران ومصر، الخ.. وذلك لانه توجد داخل العالم الثالث دول قوية ودول ضعيفة وبالتالي فالقوة نسبية ككل شيء في هذا العالم، ما عدا قوة اميركا التي تبدو الآن شبه مطلقة ولكن الى متى؟ فيما يخص الشرق الاوسط يقول المؤلف ما يلي: لا يوجد اجماع على اين يبتدئ الشرق الاوسط واين ينتهي فالبعض يضم شمال افريقيا اليه بسبب الاشتراك في الدين الاسلامي الحنيف بين الجميع وكذلك بسبب الاشتراك في اللغة العربية والبعض الآخر يوسع مفهوم الشرق الاوسط لكي يشمل القرن الافريقي من جهة ثم افغانستان وحتى آسيا الوسطى من جهة اخرى ولكن المؤلف يرى ان دول الشرق الاوسط هي التالي: البحرين، مصر، ايران، العراق، الاردن، الكويت، لبنان، عمان، قطر، المملكة العربية السعودية، سوريا، تركيا، الامارات العربية المتحدة، اليمن. ثم يضم المؤلف اليها كما هو متوقع، دولة الكيان الصهيوني ولكننا نحن نضيف اليها دولة فلسطين وفيما يخص الشرق الاقصى يلاحظ المؤلف انه لا يوجد اجماع كامل حول اين يبتدئ واين ينتهي ولكنه يعتقد ان هذه المنطقة من العالم تشمل خمساً وعشرين دولة هي التالية: افغانستان، بنغلاديش، بوتان، بروني، بورما، كمبوديا، الصين، الهند، اندونيسيا، اليابان، لاوس، ماليزيا، مالدافيا، منغوليا، نيبال، كوريا الشمالية، فيتنام الشمالية، باكستان، الفلبين، سنغافورة، كوريا الجنوبية، فيتنام الجنوبية، سريلانكا، تايوان، تايلاند. وهذه المنطقة واسعة جداً وتضم اكبر قدر ممكن من الغابات المتوحشة والجبال الوعرة والعالية كما انها تضم عدداً كبيراً من سكان الكرة الارضية بل والعدد الاكبر.. فهل هناك قوانين للحرب وللسلم وهل تنطبق هذه القوانين على الكبار وعلى «الصغار»؟ هذا الكتاب يشكل محاولة للاجابة عن هذا السؤال بالاعتماد على دروس التاريخ العالمية منها والاقليمية وكتاب ايضاً في أصول النظريات السياسية