بعد وفاة صاحب نوبل الاسباني كاميلو خوسي ثيلا، نشر حتى اليوم أكثر من كتاب واحد مخصص لحياته وأعماله، وعلى الرغم من أن دور النشر تبارت فيما بينها ، في إعادة إصدار كتب قديمة، بل وحتى لسيرة حياة ثيلا بقلمه، الا ان الأغلبية من دور النشر، حاولت الالتجاء الى أكثر من ناقد ومؤلف لكتابة ما يشبه صفحات تقريبية في حياة وأعمال وأسرار آخر كاتب اسباني معاصر حصل على نوبل للأدب، وأحد أكثر الشخصيات غموضا وتناقضا وآراء متضاربة سواء في حياته او عمله، او ما يجري من أخذ ورد في النقد الاسباني المعاصر بين مؤيد ومدافع ومختلف ومعارض لثيلا وأدبه. اخر الكتب التي أعيد نشرها بعد الاضافة والتصحيح وأثار جدلا واسعا في اسبانيا، هو كتاب ابن ثيلا، المختلف مع الاب في مسائل متعددة، ونقل كل ما يعرفه عن أبيه في كتابه المعنون «ثيلا: ابي»، والذي حاول ثيلا الاب نفسه منع نشره دون ان يتمكن من ذلك. من هنا ننقل بالتعريف احد اخر الكتب المهمة عنه، والذي يجيء بمناسبة مرور أكثر من 100 يوم على وفاة ثيلا، وبقلم صديق مقرب له هو الكاتب اومبرال، والصادر حديثا تحت عنوان «ثيلا: الجثة الشهية»! مؤلف كتاب «ثيلا: الجثة الشهية» روائي معروف هو الآخر، كما انه اضافة لذلك يكتب في أغلب الحقول الادبية والتي من أهمها النقد والمقال الصحفي اليومي، حائز على أهم الجوائز الأدبية الاسبانية عن اعماله المتعددة والتي من بينها: زهرة ومميتة، جنرال بدون عين، لوركا الشاعر اللعين وغيرها. كما انه الصديق المقرب لثيلا ومن هنا جاء كتابه الاخير هذا مليئا بذكريات ومواقف شخصية اضافة الى أسرار لا يعرف عنها شيئا سوى من كان على صلة وثيقة بـ ثيلا. ان شخصية ثيلا، شخصية مليئة بالأسرار والغموض والعديد من مواقف التناقض بين حالة وأخرى، اضافة لغزارة اعماله التي بلغت اكثر من 130 كتابا في شتى انواع الادب وهو ما أتيح لقلة قليلة جدا من كتاب اليوم. لقد كتب في الرواية والقصة والشعر والنقد وأدب الرحلة والمذكرات والمقالة الصحافية، بل حتى انه شرع قبل سنين بالكتابة في «الألفاظ الشعبية القبيحة وكلام الشوارع» في قاموس أسماء بـ القاموس السري. ومن هنا فان الدخول في أي مجال منها يشكل بحد ذاته ظاهرة غنية لفهم هذه الشخصية النوبلية، وفهم دوافعها الحياتية وأسباب غزارة نتاجه وكثرته في أعمال اخرى لا تذكر له ولا يعاد ذكرها اليوم. بأسلوبه النقدي المعروف، يحاول فرانسيسكو اومبرال مؤلف الكتاب، ان يلجأ لمجموعة من العناصر ويركز ثقله عليها، لأنه يعترف بان ما كتب عن حياة ثيلا وأعماله، وما كتبه ثيلا نفسه في كتب المذكرات التي نشرها منذ فترة بعيدة، لم تدع لأي أحد المجال بخوض طرف لم يطرق سابقا. لذلك يركز هنا على محورين يدعمان عمله وهما: القرب والطابع الشخصي. القرب من ثيلا في سنواته الاخيرة جعل من اومبرال مستودعاً للعديد من الأسرار ضمنها العائلية والشخصية التي تعد بمثابة أسرار، والطابع الخاص هو في اسلوب اومبرال المعروف الذي لا يعترف بأي من دوافع الرقابة او القطع في موقف او التوقف عن الاسترسال، لذا جاء كتابه حياديا نوعا ما، دون ان يلغي بقدر أو بآخر حبه وتعلقه بـ ثيلا الأديب، الذي يعده اومبرال نفسه بمثابة المعلم الروحي. في الكتاب نتعرف على أهم محطات ثيلا وأهم أعماله، أسرار حرفة الأدب، علاقته «التي يطلق عليه اومبرال بالعلاقة الطبيعية دون وسيط» بالكلمات والأشياء والمجتمع، وهو هنا يذكر مثالا عن روايته الأولى عائلة باسكوال دوارتي «ترجمت الى العربية ثلاث مرات» التي كتبها ثيلا في فترة حرجة من تاريخ اسبانيا الخارجة من حرب أهلية وبحاجة الى اعادة ترميم الذاكرة، ومنها قدرة ثيلا على تناول الأثر عن العلاقة المميتة بين الابن المعترف بجريمة قتل اقرب الناس له، وكيفية تمرير ذلك، في الوقت الذي يعتبر فيه ثيلا منساقا الى جانب الفالانج والمؤيد لفرانكو في انتصاره. ومنها ايضاً رواياته اللاحقة كما في «الخلية» التحليلية الناقدة بشدة لأوضاع اسبانيا انذاك. كما ان اومبرال يذكر ممارسات ونشاطات ثيلا في ذلك الوقت ومنها تأسيسه لدار نشر ضمت أغلب أصوات فترته ومن بينها أصوات المنفيين، كذلك ادارته لمجلة ادبية كانت مركزاً لتجمع تيارات متخلفة والتي يذكرها اومبرال بالقول انها: «كانت مجلة لأصوات المنفيين من الأدباء، ممولة بأموال نفس الرجل (يقصد فرانكو) الذي حاربهم ودفع بهم الى المنفى». ويصفه اومبرال بموقفه هذا بأن ثيلا كان نوعاً من الليبرالي المحافظ على الطريقة الانجليزية ولكن بميل فرانكوي مغاير. لقد كان ثيلا طوال حياته أستاذاً ومجددا في اللغة الاسبانية ولكنه كان يعاني بشدة من مسألة كتابة المقال الصحافي، وكان في عهده يكن عداءً لأكثر الأصوات النقدية والصحافية المتميزة بسهولة الكتابة لصحف يومية ومجلات اسبوعية، ويحيل اومبرال ذلك لحب ثيلا ان يكون مركز استقطاب وحيد في دائرة الضوء ولحبه للظهور الدائم وللجوائز والنجاح الاجتماعي، ويعزو ذلك لنقص حاد في تركيبة طفولته التي عانت من الفاقة والتجاهل، ويمنحنا اومبرال نقطة توضح كيف ان ثيلا قد استمات لحصوله على جائزة ثربانتس «أهم جائزة أدبية للناطقين بالإسبانية» ولم يحصل عليها الا بعد حصوله على نوبل، وكان قد صرح بأنه لن يقبل بها اذا ما منحت له، ولكنه عاد وقبل بها ما ان اعطيت له، والسبب الوجاهة مرة أخرى والمال. من الأمور التي يركز عليها اومبرال هي علاقة وطبيعة علاقة ثيلا مع أبناء جيله «جيل الاربعينيات من القرن الماضي» والتي كانت تشوبها الخلافات والحسد والضغينة، وينقل على لسان ثيلا نفسها العديد منها، وعلى لسان اخرين البعض الاخر، ولعل من أطرفها ما ذكره الاديب غارثيا نييتو بان ثيلا قد اتصل به ليدعوه من اجل الاحتفاء بمرور عشرة اعوام على صدور كتاب ثيلا المعروف «رحلة الى القرية»، وقد دعا أسماء اخرى، اتضح منها في النهاية ان ثيلا قد رتب ودعا اخرين ايضا موهماً الجميع بأن جهة متكفلة بذلك، ولكن في النهاية كان ثيلا نفسه يحتفي بنفسه بعد ان رأى بأن الحدث لم ينتبه له احد. لقد كان ثيلا «يذكر المؤلف» يعتقد بأنه أشبه بالإله الوحيد في الأدب الاسباني اليومي ومن هنا لا يشك أحد بأن معظم ما تم خلقه من مناسبات وتكريم كانت بدافع من ثيلا نفسه. لم يكن ثيلا مكتفياً بنجاحاته الروائية، بل كان تواقاً لاي منصب اجتماعي او أي تقليد عام، من هنا كان منافساً لكل ما يزيد من مكانته بدءاً باصدار كتبه بأهم دور النشر حتى مطالباته المتكررة بالدخول عضوا في اكثر من جمعية حكومية او مستقلة ومنها اكاديمية اللغة الاسبانية التي حصل عليها بعد وقت مطول. صفة الوجود الدائم في بقعة الضوء تلازمها ميزة اخرى هي حبه للمال وبخله الشديد، ومواقفه مع زوجته السابقة وابنه لها اكثر من فضيحة واكثر من حكاية لعل اخرها بعد موته عندما لم يترك لابنه سوى لوحة لميرو، اتضح ان الابن ورثها اساسا من امه، وقد ذكر ثيلا «بذاكرة لا تنسى فلساً واحداً على ما يبدو» بأن اللوحة قد اهداها ميرو لثيلا مناصفة مع زوجته السابقة. زوجته السابقة نفسها التي أعلن ثيلا امام صحبه بأنه سيقتلها لأنها تخونه مع عشيق لها، ولكن الاخرين يعرفون جبن ثيلا وخوفه وهو ما لم يقدم عليه أبداً، ولكنه سينتقم بترك زوجته في اسبانيا ومرافقة عشيقته صغيرة السن «والتي ستصبح زوجته اللاحقة حتى مماته وترثه بالكامل» لتسلم جائزة نوبل في السويد. من الأشياء التي تناولها اومبرال في كتابه، ذلك الفصل الذي يتناول فيه تقنية وطرق التحضير للكتابة لدى ثيلا ويصفها بأنها كتابة عشوائية لا تمت بصلة لتحضير ولا لأي سيناريو معد سابقاً، بل تكون ارتجالية آنية في وقتها ويضيف قائلاً: «ان ثيلا لا يجهد نفسه في الكتابة. ما كان يجهده هو وضع بؤرة تركيز للموضوع والبحث عن الشخصيات والحبكة المناسبة. في رواية باسكوال دوارتي لا محتوى لديها لأننا لا نعرف عن اي شيء تدور. في رواية الخلية لها أكثر من ألف محتوى متشعب لا تتطور اطلاقا. أما في «سان كاميلو» فما يبدو انها تحتوي على شيء، فهو مجردة من محتوى كما في أشعار ورومانثيات لوركا. من هنا كانت طليعية ثيلا، او ما سيطلق عليها بعد ذلك بناء الهدم في الرواية المعاصرة، وهو ما لم يقنع ثيلا أبداً». ان كتاب «ثيلا: الجثة الشهية»، قابل للجدل وقابل للاحتفاء، كلاهما معا لان شخصية ثيلا، ميوله الاجتماعية والسياسية، خصائصه الادبية، غرائزه وتقلباته المتعددة تجعل منه كائناً يقرأ من أكثر من جانب، وفي هذا الكتاب وان تطرق لحقائق عن النساء، العلاقات في الوسط الادبي، مواقف ثيلا من فرانكو واليمين والكنيسة، علاقاته المضطربة مع اليسار، جبنه وعلاقته السادية مع أبناء جيله او مع عائلته الاولى، او على العكس منها مع أدباء شباب فتح لهم الطريق ويعتبرونه الاب الروحي لهم، كل هذه مجتمعة تخلق منه «جثة شهية» بالفعل قابلة للنهش ومقبولة بكل ثقلها في أن تكون عرضة للأنظار المتفقة او المخالفة في ان تصوب عليه سهامها وان كان لكل طرف دافع وسهم مختلف. عبد الهادي سعدون