بيان الكتب: البحث في السياسة المقارنة بحث في المعرفة ومفاهيمها الاولى التي صاغها الانسان، ليرسم دعائم الحياة الاجتماعية والعلمية والاقتصادية وهذا البحث اغتنى وتنوعت اشكاله عبر مسيرته التاريخية، ليصل في مرحلته الراهنة الى التجسد العولمي، مشكلا ما يشبه المأزق لمختلف النظم والسياسات العالمية وتنصب الدراسة الهامة المتخصصة التي بين ايدينا للباحث في العلوم السياسية الدكتور نصر محمد عارف «نقلت الى الانجليزية وصدرت حديثا» على تحليل النظريات المختلفة في حقل السياسة المقارنة، وكيفية تشكلها وتطورها، والنظر في اسسها ومسلماتها وفرضياتها، وهذا البحث يعتمد في تحليله للمعرفة على الطرق الاساسية المعهودة، الفلسفية منها والسيكولوجية والاجتماعية والتاريخية، بحيث تتم المحاولة للربط بين هذه الطرق وصولا الى صورة اقرب ما تكون للمصداقية والصلاحية للتعبير عن الحقيقة المعرفية في طبيعتها المعقدة. وتنصرف المهمة الاساسية للدراسة في جانب من جوانبها الى فحص وتحليل وتفكيك نظريات السياسة المقارنة على مدى تاريخها ومن ثم اعادة تركيبها، سعيا نحو تقديم فهم متكامل لها، يضعها في اطرها المعرفية والتاريخية والاجتماعية والعلمية، ويظهر كوامن فرضياتها ومسلماتها وامكاناتها النظرية وقدراتها التفسيرية، وبعد ذلك يسعى الباحث الى دراسة وتحليل كيف تم تطبيق نظريات السياسة المقارنة في دراسة النظم السياسية العربية ومن ثم النظر في امكانية تأسيس بنية نظرية لدراسة هذه النظم. وفي رأس التساؤلات والقضايا الاشكالية التي يثيرها المؤلف وينطلق منها: ـ تحديد الأطر العلمية التي ظهرت في سياقها نظريات السياسة المقارنة. ـ تحديد ماهية المقارنة بمعناها العام ولماذا تتم؟ وما هي اسس مشروعية اجرائها؟ وما هي المستويات التي تتم فيها؟ ـ ما هي الاسس المعرفية لنظريات السياسة المقارنة، وكيف تطورت افكارها واطروحاتها النظرية؟ ـ ما هي اهم الاطر والنظريات السائدة في حقل السياسة المقارنة، وكيف تطورت تاريخيا؟ وكيف يؤثر ذلك على صعود او انزواء نظريات معينة؟ ـ ما هي العلاقة بين نظريات السياسة المقارنة في تطورها التاريخي؟ ـ اين موقع الدراسات العربية من تطور حقل السياسة المقارنة، وما هي حدود استخدام نظريات السياسة المقارنة في النظم السياسية العربية؟ وتشكل هذه التساؤلات والاشكاليات محور الدراسة التي سوف تعتمد بصورة اساسية على المدخل الابستمولوجي لدراسة وتحليل النظريات موضوع البحث، وذلك من خلال توظيف عدد من الاطروحات كاقتراب منهجي للتحليل والتي منها: الاقتراب الابستمولوجي الذي يركز على تفسير الكيفية التي تم بها الوصول الى معرفة ما نعرفه من حقائق، وهل هي فعلا حقائق؟ والبحث في الفرضيات الاساسية التي يتم بناء عليها تحديد ما هو حقيقي وما هو غير حقيقي؟ وما هو رشيد وما هو غير رشيد؟ وما هي القيمة وما هي الحقيقة؟ والبحث في اشكالية العلاقة بين الادراك او المعرفة او التجربة الانسانية من ناحية، وبين العالم او موضوعات الواقع من ناحية اخرى.. الى آخر ما هنالك من اطر منهجية تم التعامل معها للاقتراب من موضوع الدراسة التي عرضها الباحث على مدى خمسة فصول، تناول اولها الاطار المفاهيمي للبحث العلمي في نظريات السياسة المقارنة، وذلك من خلال العناية بتحليل مفاهيم العلم عن طريق استقراء دلالتها وتطورها كما انتجها العقل الاوروبي وعبر عنها بنفسه، وكذلك النظر في النموذج المعرفي وبنيته وارتباطه بتطور العلم وفي النظرية وبنية مفهومها وفي المنهج وتطور دلالته، وركز ثانيها على ابستمولوجيا السياسة المقارنة من خلال تحليل مفهوم المقارنة في مضمونه العام ومقاصده ومصادر شرعيته واشكالياته والمصادر المعرفة لنظرياته، والانساق المعرفية السائدة فيها.. وجاء الفصل الثالث عرضا لنظريات السياسة المقارنة من ارسطو وكتابه «السياسة» التي استمرت مفاهيمها الى عهد قريب، والتي عرفت بالكلاسيكية، مروراً بالنظريات التقليدية في هذا المجال، ووصولاً الى المرحلة السلوكية التي مثلت قمة النضج العلمي لحقل السياسة المقارنة، وانتهاء بمرحلة ما بعد الحداثة التي ترى ان كل حالة منفردة في ذاتها ولابد من شرحها وفهمها في ضوء نسقها الذاتي، ومن هنا تراجع مفهوم النظرية العامة العالمية القادرة على تفسير جميع حالات الانظمة السياسية المندرجة في فئتها، وفي الفصل الرابع ركزت الدراسة على نظريات السياسة المقارنة في مرحلة ما بعد الحداثة من خلال تحديد ماهية ما بعد الحداثة وعلاقتها بما بعد السلوكية، وهي الفترة الحديثة التي تم فيها صعود الولايات المتحدة كقوة عالمية، وسعيها للوصول الى نظرية عامة وشاملة تتجاوز حدود الزمان والمكان، وتدور حول محور التنمية كفكرة وقيمة عالمية، ورأت بانتشارها وتقدمها في العالم الثالث، بما يحقق احداث نقلة نوعية له، تأخذه من الانساق الاجتماعية والثقافية القديمة والتقليدية الى نموذج حداثي هو نفسه الموجود في العالم الغربي، وبذلك يلحق العالم الثالث بقاطرة الحضارة التي تقودها اوروبا وامتداداتها في اميركا واستراليا، والتي تسودها قيم الرشادة والعلمنة والحداثة والتعددية الديمقراطية والاقتصاد الحر، ومع اواخر الستينيات بدأت تتدهور اوضاع العالم الثالث وتنتشر فيه النظم السلطوية والنخب العسكرية والمشكلات الاقتصادية من تعميق للتخلف وانهيار لجهود التنمية، وانتشار الفقر، وهيمنة الشركات الدولية على اقتصادياته، وترسيخ قيم التبعية وسياساتها، ثم عرض المؤلف لاهم نظريات هذه المرحلة السلوكية ومدى العلاقة بين التنظير والتطبيق في هذا الحقل بصفة خاصة. أما الفصل الاخيرة فقد عني بدراسة الكيفية التي تم بها تطبيق هذه النظريات في دراسة النظم السياسية العربية من خلال تحديد ماهية المنهجية المقارنة المتبعة، والمستوى الذي عليه الدراسات التي قدمها الباحثون العرب والدارسون الاكاديميون في قضايا السياسة المقارنة، وكيف تم التعامل معها، بأية منهجية أو اطر نظرية؟ وما هي النظريات الاكثر جاذبية للتوظيف والتبني بالقياس الى تنوع الواقع العربي، ثم التركيز على محاولات تطوير هذه النظريات لدراسة الواقع العربي، على مختلف انماط النظم السياسية فيه، وكيفية هذا التطوير او التكييف وفي نهاية الفصل تم طرح مجموعة مقدمات ابستمولوجية لتأسيس بنية نظرية لدراسة النظم السياسية العربية وموضوعاتها بصورة اكثر مصداقية في التعبير عن الواقع في صياغات علمية تسهم في تحقيق الفهم السليم المؤدي الى الادراك الصحيح والعمل الصالح معا. ويشير المؤلف الى الصراع الايديولوجي الذي ساد على مستوى الافكار والمدارس والنظم السياسية بعد الحرب العالمية الثانية، بعد ان سيطر على حقل السياسة المقارنة، بل على العلوم الاجتماعية بصفة عامة، تقليدان اساسيان هما: الليبرالية التعددية والماركسية، وقد تضمن الصراع بينهما قضايا عديدة مثل الرأسمالية في مواجهة الشيوعية، والديمقراطية في مواجهة الشمولية او السلطوية، والسوق الحر في مقابل التخطيط المركزي، والتطور السياسي في مواجهة الثورة السياسية.. ويرى انه مع انتهاء الصراع الايديولوجي بنهاية الحرب الباردة وسقوط سور برلين وما صاحب ذلك من تراجع النظم الاشتراكية تراجعاً يقترب من الزوال امام الهجمة الكاسحة لليبرالية سواء الاقتصادية او السياسية، اصبحت السياسة المقارنة في ازمة حقيقية استوجبت من باحثيها وعلمائها العمل على اعادة تعريف مضمونها وتحديد محتواها، ومن ثم اعادة تعريف الظواهر محل الدراسة، واعادة صياغة الاسئلة التي تسعى السياسة المقارنة للاجابة عنها، ومن هنا يذهب الباحث الى ان حركة العولمة وما حملته من قيم ومفاهيم مثلت نقطة تحول في حقل السياسة المقارنة جعلت العديد من الباحثين يعتبر ان السؤال الجوهري الذي يواجه العقل هو: هل اصبح من المحتم على جميع الدول ان تتبع النموذج الانجلوسكسوني في الحكم، ومن ثم تنخرط في نموذج العولمة؟ وهل هناك امكانية لايجاد طرق اخرى او لتطويع وتكييف هذا النموذج؟ هذا ما يشكل الافق الذي رسمه المؤلف للخطوات التالية في تشكل المعرفة الانسانية التي تصب في حقل السياسة. محمد عبدالواسع