بدأ زائير كيدادوش مؤلف هذا الكتاب حياته المهنية كلاعب كرة قدم محترف في نادي مدينة سيدان ثم في نادي «رد ستار» وهو الآن رئيس جمعية اندماج المهاجرين في المجتمع الفرنسي، سبق له وألف كتاباً تحت عنوان «زائير.. من بلاد الغال». فرنسا والجيل الثاني من المهاجرين العرب.. كتاب يعالج احدى المشاكل الحقيقية المطروحة على المجتمع الفرنسي في السياق الراهن.. انها تعني أوضاع الجيل الثاني من ابناء المهاجرين العرب الذين يبدو انهم يعانون من مشكلة اندماج في المجتمع الفرنسي «مجتمعهم» الذي ولدوا وترعرعوا فيه ولكنهم لا يزالون في حالة تهميش بالنسبة لسوق العمل، الأمر الذي تتم ترجمته بارتفاع كبير لنسبة العاطلين عن العمل بينهم ما يترتب على هذا الوضع من مشاكل ليس أقلها العنف وتعاطي المخدرات وانتشار بيعها فيما يسمى بـ «الاقتصاد الموازي». إن مؤلف هذا الكتاب يدق في الواقع ناقوس الخطر ويشير الى ان الاوضاع التي يعيشها ابناء المهاجرين العرب، ويقصد بذلك خاصة الذين تعود أصولهم الى بلدان المغرب العربي الثلاثة: المغرب والجزائر وتونس. وهو يرى ان الفرنسيين من اصول عربية يعرفون في فرنسا وضعاً تمكن مقارنته مع ذلك الذي كان يعيشه السود في الولايات المتحدة الاميركية خلال عقد الستينيات الماضي، ولكن ليس هناك من يتجرأ على قول ذلك. مع هذا جرى حادث عارض فتح عيون الكثيرين. جرى هذا الحادث اثناء مباراة لكرة القدم بين الفريقين الوطنيين الفرنسي والجزائري في باريس، وقبل ربع ساعة من نهاية هذا اللقاء الرياضي الذي أرادت السلطات الفرنسية الرسمية ان تجعل منه مناسبة لـ «تطبيع» العلاقات على الصعيد الشعبي بسبب خصوصية العلاقات الفرنسية ـ الجزائرية بعد استعمار فرنسي للجزائر استمر 135 سنة وانتهى بعد اندلاع ثورة التحرير الجزائري التي قدم الجزائريون خلالها مليون شهيد ثمناً لاستقلالهم. اثناء هذه المباراة «التاريخية» بين فرنسا والجزائر التي جرت يوم 7 اكتوبر من عام 2001 وقبل ربع ساعة من نهايتها وحين كانت النتيجة هي 4 أهداف مقابل هدف واحد لصالح فرنسا نزل العشرات من مشجعي الفريق الوطني الجزائري من الشباب وعطلوا سير المباراة واحتقروا بـ «الصفير» النشيد الوطني الفرنسي بينما كان الجزائريون والفرنسيون الجزائريون الحاضرون في مدرجات الملعب قد هبوا جميعا وقوفاً عند الانطلاق بترديد النشيد الوطني الجزائري عند بداية المباراة. كانت تلك هي المرة الأولى التي يتم فيها ترديد النشيد الوطني الجزائري في مكان فرنسي عام منذ توقيع اتفاقيات «ايفيان» عام 1962. ولعل الأهمية الكبيرة لهذا الكتاب تكمن في تشريحه «الجريء» للخطاب الرسمي والسياسي الفرنسي حيال المهاجرين من ابناء الجيل الثاني من المغاربة، إذ نرى ان هذا الخطاب يجعلهم احياناً في مصاف «القديسين» بينما يراهم احياناً اخرى في ثياب «الشياطين». تجدر الاشارة الى ان اليمين الفرنسي المتطرف قد ركز منذ سنوات عديدة خطابة السياسي والانتخابي حول الهجرة والمهاجرين، معتبراً ان هؤلاء هم أصل البلاء وسبب الازمات التي يعاني منها المجتمع الفرنسي، بل ولم يتردد جان ماري لوبان في القول مراراً وتكراراً بأن الحل المثالي هو اعادة هؤلاء المهاجرين الى بلادهم. ضمن هذا الاطار يمكن القول بأن «زائير كيدادوش» قد تجرأ وخرق بعض المحرّمات التي لم يكن يتعرض لها أحد في المجتمع الفرنسي. انه يتعرض لنقاش مشاكل حقيقية واقعية يعاني منها المهاجرون العرب بشكل خاص، والى حد كبير المهاجرين من افريقيا السوداء، مثل مشاكل الاخفاق المدرسي والزيادة الكبيرة في نسبة الذين يلجأون الى العنف بل والى ارتكاب الجنح وممارسة النشاطات الممنوعة وفي مقدمتها تعاطي وتجارة المخدرات بين هؤلاء المهاجرين. ان السبب الرئيسي كما يراه ويؤكده ويقدم مؤلف هذا الكتاب البراهين عليه يتمثل في حالة «التهميش» و«نقص الاندماج» التي يعاني منها أبناء الجيل الثاني من المهاجرين. ان مؤلف هذا الكتاب يؤكد في الوقت نفسه انه بالاحرى «مرتاح» لكون انه يحمل الجنسية الفرنسية.. لكن هذا لا يمنع واقع ان يحس بـ «الضيق» بصيغة ما. وقد اختار مؤلف هذا الكتاب كتقديم لكتابه جملة كتبها ذات يوم الروائي الفرنسي الشهير البير كامو وجاء فيها «هنا احساس بالرضا لوجودي في المكان المناسب، ذلك ان هذا يكفي لتحقيق السلام الداخلي، سلام الضمير. ان الاحساس بأن المرء على صواب والفرح بفوزه باحترام ذاته إنما يعطي قوة كبيرة من أجل الصمود والتقدم».. هذه الاحاسيس التي تحدث عنها البير كامو إنما هي التي يحتاجها ابناء الجيل الثاني من المهاجرين كي يجدوا أنفسهم في المكان المناسب. وهذا ما يطالب به مؤلف هذا الكتاب، لكنه بالمقابل يردد بأشكال مختلفة أنه لا يدافع عن ابناء الجيل الثاني من المهاجرين من موقع الانتماء العرقي أو العقائدي وإنما لأنهم ضحايا نظام اجتماعي وسياسي وضعهم على الهامش.. انه على العكس يشير الى ان أولئك الشباب الفرنسيين ذوي الاصول الجزائرية الذين نزلوا الى ملعب كرة القدم اثناء مباراة فرنسا ـ الجزائر لم يحترموا جوهر اللعبة نفسه، فعمق الرياضة يعني ان يربح الأفضل، وهذا الأمر لم يفهموه. ويرى المؤلف بأن أزمة الهوية هي في طليعة الاشكاليات التي يواجهها ابناء الجيل الثاني من المهاجرين، وذلك لأنهم يعانون من جهة هشاشة اندماجهم الحقيقي في المجتمع الفرنسي.. ولا تلم أغلبيتهم، من جهة ثانية بتاريخ بلدانهم الاصلية إلا بدرجة قليلة.. أضف الى هذا واقع ان الأهل أنفسهم لا يحبون الحديث غالباً عن ماضيهم، خاصة عندما يكون «مؤلماً». يقول المؤلف عن تجربته الخاصة: «ان والدتي مثلاً لم تتجرأ أبداً على ان تروي لأطفالها ماذا جرى اثناء الاحداث الخطيرة خلال شهر اكتوبر من عام 1961 والتي تم اثناءها القاء بعض العمال الجزائريين في نهر السين بباريس عندما كانوا يتظاهرون سلمياً» لتأييد جبهة التحرير الوطنية الجزائرية. إن «زائير كيدادوش» يكتب صفحات جميلة ومؤثرة عن حياة والدته بعد ان فقدت زوجها ـ والده ـ الذي تم دفنه في موطنه الأًصلي «الجزائر»، وبناء على طلبها، لكنها لم تعد الى البلاد بعد دفنه وإنما قررت العيش مع ابنائها في فرنسا، مع هذا، وبعد سنوات طويلة، انهمرت الدموع من عيني هذه السيدة الطاعنة في السن وهي ترى أمامها صورة شبابها الضائع.. كانت تلك الصورة تمثل «قبر زوجها» والتي جلبها لها الاقارب بعد ان اكتشفوا ذلك القبر المنسي، ويضيف المؤلف في السياق نفسه متحدثا عن أمه: «لقد كانت دموعها تلك تحمل ذكرى قبلات مسروقة وحب لم تعرفه بعد ذلك». ومن خلال معالجة المسائل والمشاكل المتعلقة بالجيل الثاني من ابناء المهاجرين المغاربة، بالمعنى الواسع للكلمة، يتحدث المؤلف عما يسميه بـ «الحواجز والجدران غير المرئية» بين البشر في بلد مثل فرنسا.. انها جدران قائمة بين السود والعرب واليهود والبيض والفقراء والاغنياء». وهذا أمر يبدو له شديد الخطورة إذ ان جعل الروابط الاجتماعية تقوم على أساس اثني أمر خطير، فغياب الاختلاط الاجتماعي يعني غياب الحركية الاجتماعية وبالتالي غياب الاندماج والتكامل في نسيج اجتماعي واحد. وإذا كان الجميع تقريباً يدركون مشاكل الهجرة وابناء المهاجرين إلا ان هناك الكثير مما لا يقال. مقابل هذا يقول المؤلف: من الضروري الحديث دون أي محظورات عن الارقام الخاصة بواقع الهجرة. هكذا نجد مثلاً انه يوجد في بعض الصفوف الدراسية حوالي 80% من التلاميذ هم من أصول أجنبية، أي انها بمثابة صفوف «غيتوات» وانها هي مختلفة عن الصفوف الأخرى. لكن بالنسبة للسلطات العامة هناك فقط الفرنسيون والاجانب، وهذا يعني تجاهل المشاكل التي يعاني منها جزء من الفرنسيين ذوي الاصول الاجنبية. ويؤكد المؤلف في هذا السياق ايضاً بأنه لا توجد أية دراسة علمية جدية حول الجيلين الثاني والثالث من ابناء المهاجرين. إن هذا كله يعني غياب أي اعتراف بـ «خصوصية» بعض الفرنسيين. يقول المؤلف: «أنا فرنسي، لكنني فرنسي من نوع خاص مثل ملايين الآخرين! فلنكن واقعيين: انني عربي، وإذا حدث وقلت لأمي بأنني فرنسي فاجابتها المعهودة هي: انظر أولاً الى سحنتك». ويثير المؤلف النقاش حول مسألة مهمة تخص غياب أي تمثيل للفرنسيين ذوي الاصول العربية في أي مجلس ذي بعد وطني مثل «الجمعية الوطنية الفرنسية» أو «مجلس الشيوخ» اللذين يشكلان معاً «البرلمان». يقول المؤلف حيال مثل هذا الوضع: «انني لست مستعداً للتضحية بكل شيء كي أصبح نائباً، بالطبع يسعدني ان أصبح ممثلاً للشعب على المستوى الوطني، ولكن هذا ليس طموحي في الحياة إذ انني أحب أن أمتلك بعض الوقت للذهاب الى السينما أو لكي أقرأ وأسافر.. ولعل أحد أوراقي الرابحة تمكن في قدرتي على أخذ مسافة من أصولي». بكل الاحوال عندما تسير الأمور بشكل سيء على صعيد المدرسة فإنها تكون سيئة على جميع المستويات.. يقول المؤلف ولا يتردد في التأكيد بأن احساسه بالانتماء الى فرنسا يعود الفضل فيه للمدرسة. وبهذا المعنى تكون المدرسة بمثابة «البوتقة الأولى» للاندماج في النسيج الاجتماعي وتمثل «القيم الجمهورية». لكن المؤلف يرى بالمقابل بأن المدرسة قد فقدت في السياق الحالي الكثير من دورها. هذا وفي الوقت الذي ينبغي ان تساهم فيه بـ «نجاح الاندماج الاجتماعي» نجد ان بعض المدارس الابتدائية أصبحت حكراً على ابناء المهاجرين أي أماكن لـ «التهميش» و«الاستبعاد» وليس «بوتقات» للاندماج.. هكذا لاسيما وان هذه «المدارس» تواجه نقصاً حقيقياً في الامكانيات والمدرسين الاكفاء. وينتقد المؤلف في السياق نفسه «تعظيم» دور الرياضة في عملية اندماج ابناء المهاجرين في النسيج الاجتماعي الفرنسي، إذ ومع التأكيد على أهمية الممارسة الرياضية في التقريب بين مختلف مكونات المجتمع ينبغي ألا ننسى بأنه مقابل «نجاح زين الدين زيدان» هناك مئات الآلاف من حالات الفشل. «فرنسا والجيل الثاني من المهاجرين العرب».. كتاب جريء ومثير لكنه مهم بل وأساسي من أجل فهم «ديناميكية الاندماج الاجتماعي» في فرنسا بل ومن أجل فهم أحد الرهانات السياسية الفرنسية الأساسية في مطلع القرن الحادي والعشرين. فهل أبناء المهاجرين هم فرنسيون كالآخرين؟!