كان المؤلف فرانسيس فوكوياما قد ملأ الدنيا وشغل الناس قبل بضع سنوات عندما أصدر كتابه عن نهاية التاريخ وانتصار النظام الليبرالي الغربي ، على الشيوعية. ومعلوم ان كتابه السابق تعرض لانتقادات شديدة ومراجعات لا حصر لها. وهو الآن في كتابه الجديد يطرح مسألة اخرى تخص انعكاسات علم البيولوجيا والوراثة على طبيعة الانسان ومستقبله. ومعلوم ان علم الاحياء أو البيولوجيا شهد اكتشافات هائلة طيلة الاربعين أو الخمسين سنة الماضية، وتوجت هذه الاكتشافات مؤخرا باكتشاف الجينوم البشري أو النظام الوراثي الذي يتحكم بالانسان. وهذه الثورة التي حققها علم الأحياء أو البيولوجيا لها ايجابيات وسلبيات، فمن ايجابياتها انها تتيح لنا تشخيص بعض الأمراض الصعبة التي قد تصيب الانسان. ومن سلبياتها انها قد تدفع بالعلماء الى المزيد من الغرور ومحاولة تعديل الطبيعة البشرية أو التدخل فيها. وبالفعل فقد ابتدأ بعضهم يتحدث عن الاستنساخ البشري مثلما جرّبوه من قبل على الحيوانات والنباتات. وهذه مسألة خطيرة جداً. ولذلك يقول لهم فوكوياما: حذار! لا تمسوا الطبيعة البشرية بسوء، فالطبيعة البشرية ينبغي ان تظل طبيعية لا ان تصبح اصطناعية نغير فيها ونحول كما نشاء ونشتهي عن طريق التدخل في النظام الوراثي، أو نظام المورثات والجينات.. هناك حدود للعلم ينبغي أن يتوقف عندها وإلا حصل ما لا تحمد عقباه. فالطبيعة البشرية لها قداستها والانسان ليس حيواناً ولا نباتاً لكي نجري عليه التجارب كما نريد. ويرى فوكوياما ان هناك أربعة مخاطر ناتجة عن الثورة البيولوجية التكنولوجية. أولها ان تركيز علم الوراثة على الخلافات الموجودة بين طبيعة الأجناس البشرية قد يؤدي الى دعم الاطروحة العنصرية القائلة بعدم وجود تساو بين البشر. فالعنصريون يقولون لنا: انظروا! حتى علم البيولوجيا يؤيد أفكارنا ويقول بأن السود مختلفون عن البيض في «الجينوم» أو نظام المورثات. وبالتالي فالعنصرية أو التمييز العنصري أمر مشروع. وهكذا يقدم علم الاحياء في أحدث مكتشفاته الغطاء الشرعي للنظريات العنصرية. وأما الخطر الثاني فيكمن فيما يلي: عن طريق العقاقير الصيدلية المكتشفة حديثاً أصبح علم البيولوجيا قادراً على التحكم بسلوكنا وتصرفاتنا، فما أن نأخذ حبة صغيرة حتى يتغير مزاجنا النفسي ويمشي في اتجاه معين دون غيره، وبالتالي تصبح الطبيعة البشرية خاضعة للعقاقير الاصطناعية. وهكذا نفقد طبيعتنا وأصالتنا الانسانية، بل ونفقد الجوهر الانساني الذي يميز الانسان عن بقية الكائنات وبخاصة الحيوان ألا وهو: الحرية والمسئولية عن الاعمال والتصرفات. فإذا كنت مبرمجاً لكي أقوم بهذا التصرف دون ذاك بعد ابتلاعي لبعض العقاقير الصيدلية فماذا تبقى لي من انسانيتي وحريتي؟ وأما الخطر الثالث فيكمن في محاولة بعض علماء البيولوجيا اطالة مدى الحياة بشكل تعسفي أو اصطناعي، بل ان بعض علماء الوراثة والجينوم اصبحوا يعدوننا بالخلود في هذه الحياة وعدم الموت على الاطلاق!! وهنا تكمن خدعة ما بعدها خدعة، فمعروف ان الانسان لا يريد ان يموت ويتمنى لو يعيش إلى ما لا نهاية. ولذلك فإنه يصدق دعاوى هؤلاء العلماء الذين يلعبون بأعصابه.. لا ريب في انهم قد يتمكنون من اطالة عمر الانسان الى 150 سنة عن طريق العقاقير والاكتشافات البيولوجية وتبديل الأعضاء، الخ، ولكن فيما وراء ذلك تصبح العملية عسيرة وخطيرة. وأما الخطر الرابع فيكمن في محاولة استنساخ الجنس البشري أو تعديل نظامه الوراثي لكي نتحاشى بعض المشاكل أو نصحح بعض التشوهات التي قد تصيب الانسان خلقة. فهنا قد ندخل في أرض خطرة ونجري على الانسان تعديلات قد تشوهه أكثر أو تقتل طبيعته الحقيقية. ثم يقول لنا فوكوياما ما يلي: لا ريب في اننا اكتشفنا «الجينوم» البشري، وهذا شيء عظيم. ولكننا حتى الآن لم نكتشف اللغة التي كُتب بها ولم نفهمها.. وإذن فقليل من التواضع والحذر أيها العلماء الأفذاذ! فليس كل شيء مباحاً حتى في مجال العلم