بيان الكتب: من منزلها الجديد في نيو انجلاند تكتب أنيتا شريف رواياتها الرومانسية المثيرة التي تسجل مبيعاتها أرقاماً قياسية وتنشرها مجلة أوبرا التلفزيونية المتخصصة ويتم تحويلها الى أفلام سينمائية، من بطولة ليز هارلي وسين جين. سو فوكس من صحيفة الاندبندنت زارتها في منزلها في ماساتشوستس وأجرت معها الجوار التالي: بعيدا عن الأشياء التي تحيط بها في الصورة تبدو ملامح انيتا شريف بعيدة تماماً عن الهيئة التي تبدو عليها في الصورة الفوتوغرافية، لكنها حتى ببنطلونها الجينز وماكياجها الخفيف تبدو لك جميلة في الواقع. هذه المرأة تتمتع بمسحة من الجمال الطبيعي الذي تعيشه من الداخل وهو كل ما يلزمها لأن تنعم بحياة سعيدة في زواجها الثاني كامرأة في الخامسة والخمسين وأم لطفلين. وللوهلة الأولى يتبادر الى ذهنك انها حسبما تمليه عليها وظيفتها كربة بيت وكأم فإن هذا النجاح الذي حققته أعمالها ربما جعلها لا تفكر في القيام بأي عمل آخر. تقول: «مأخوذة بالكتابة ولا يمكنني حتى ان أتصور بأنني سأتوقف يوماً عن الكتابة.. انها العمل الذي أمارسه في الواقع. الانسان لا يتوقف عن الكتابة لمجرد انه أنهى كتابة أي عمل من الأعمال، وبينما لا يسأل الناس المهندس المعماري إن كان سيقوم بعمل آخر فإنهم يسألونك ككاتب عن ذلك طوال الوقت». خلال 11 سنة صدرت لشريف تسع روايات رومانسية مكتوبة بأسلوب متميز نابض بالحياة مليء بالحوارات التي تفرض نفسها بقوة بفعل تلك الموجة العارمة من العواطف المثيرة التي تشتمل عليها والتي تأتي في وقتها ومكانها المناسب لتبدو شديدة الأناقة أيضاً. رواية شريف الأخيرة «مرآة البحر» تجري أحداثها في نيوهامشير في سنة 1929، أما موضوعها الرئيسي فيدور حول الهزة العنيفة التي يتعرض لها زوجان أميركيان هما هونورا بيتشر وزوجها سكستون في سنة 1929 في أعقاب الانهيار المفاجيء الذي تتعرض له البورصة مما يضطرهما للسعي الى محاولة التأقلم مع وضعهما الجديد كمعدمين. تسبر شريف الكيفية التي تربط بواسطتها حياة شخصيات ثم تروي قصة كل واحدة منها من خلال السعي الى جعل القاريء يعود الى المكان الذي تقع فيه الأحداث الرئيسية لروايتي «زوجة القبطان» و«صخور الحظ». هذا المكان كما تقول يرتبط وجوده بشكل يكاد يكون غير قوي بمكان أو منزل آخر حقيقي كان قد شاهدته من الخارج فقط ولسبب من الأسباب لم تغادر صورته تفكيرها «لكن التفاصيل كلها من اختلاقي، عموماً فإن هذا المنزل يأتي مباشرة من خيالي، انه مجرد شخصية اضافية كأي شخصيات منها هونورا وسكستون. في هذه الرواية هناك اشارة الى صورة زيتية مرسومة بيد كلود لوجني وهو فنان كنت قد تحدثت عنه سابقا في رواية «زوجة القبطان» ويمكنك ان تقول بأنها كانت مجرد شيء غير جاد لكنه تراءى لبعض القراء رساماً حقيقياً فأرادوا ان يعرفوا عنه الكثير من التفاصيل كالمكان الذي يمكنهم أن يشاهدوا فيه المزيد من أعماله. وعلى نحو متواصل تعود أنيتا شريف الى مكان آخر هو شاطيء نيو انجلاند، مستعينة بأدوات تساعدها على ابتكار شخصيات وأماكن تعاود الظهور من جديد ولحظات ارتجاع الى الأمام والى الخلف تفرض نفسها بقوة ونهايات تبدو في أعماقها مشوشة. والى الآن فقد تم تحويل اثنتين من رواياتها هما «زوجة القبطان» و«وزن الماء» الى فيلمين سينمائيين، ومؤخراً تم عرض فيلم «وزن الماء» في مهرجان لندن للأفلام السينمائية. تقول شريف عن هذا الفيلم «أحداث الفيلم تشبه كثيراً الاحداث التي وردت في الكتاب والاستثناء الوحيد هو الطفل الذي لا يموت في الفيلم، واعتقد ان هوليوود لن تكرر هذه النهاية على الاطلاق». بدورها ساهمت أوبرا وينفري في تحقيق أعمال شريف عائداً مالياً كبيراً اثناء اختيارها رواية «زوجة القبطان» للعرض في برنامجها التلفزيوني الشهير لتتصدر كتبها قائمة أفضل المبيعات لتدفع بمؤلفاتها نحو الشهرة لا على الصعيد الداخلي المحلي وإنما على المستوى العالمي. تقول «لقد أسهمت أوبرا في خلق قاعدة جديدة عريضة من القراء على مستوى المشاهدين. لقد كنت محظوظة بالفعل، فقد أوحت رواية «زوجة القبطان» لمقدمة البرنامج بفكرة عمل برنامج عن النساء اللاتي يكتشفن ان لأزواجهن عائلات أخرى في مكان ما. وكنت قد دعيت للمشاركة في البرنامج الذي استضاف خمس نساء ليتحدثن عن تجاربهن في هذا الموضوع. والحقيقة ان كل قصة من تلك القصص التي سردنها كانت أسوأ من تلك القصص التي كتبتها أنا. إن ما يحدث على أرض الواقع هو بكل تأكيد أسوأ مما تشتمل عليه الأعمال الروائية. إن كتابة الرواية عمل رائع تقوم به أي امرأة لديها أطفال، وبالنسبة لي فأنا أعمل طوال فترة الصباح حالما يغادر ابني كريس الى المدرسة، وانتهي بحلول موعد الغداء. وفي أوقات معينة عندما أكون مشغولة تماماً بما يحدث امضي معظم الوقت في التفكير، ويصبح من الصعب عليك احيانا ان تعود الى الواقع خاصة في البداية عندما تكون هناك الكثير من الاسئلة التي تحتاج الى الاجابة عليها اسئلة مثل أي شخصية ستتولى رواية هذه القصة.. أي زمن سأستخدم؟ بمنزلها الجديد غرفة خاصة بها ومكتب يقع في مكان ما بأعلاها وحمام سباحة ما ان تضغط على أحد أزراره حتى تمنحك أمواجه المتدفقة شعوراً بأنك تسبح في البحر. ومع ذلك تقول: «الغرفة التي أكتب فيها رواياتي شبيهة بغرف الفصول الدراسية الفارغة من كل شيء، المهم الطاولة والجدران البيضاء. كما انني لا أستمع الى الموسيقى أثناء عملي ولا توجد لدي صوراً فوتوغرافية لأنني لا أريد للحياة ان تجتاحني بطريقتها. لابد لكتابتي ان تنبع من الشعور بالحرمان لا من عدم الشعور به. والاسئلة هي العلامة المميزة لشريف لكونها صحفية سابقة عملت في هذا المجال 15 عاماً، فمن الطبيعي ألا تعود هذه الجزئية مهمة بالنسبة لها.. «في البداية كنت أشعر بالقلق تجاه شيء مثل توجيه الأسئلة، لكنني بدأت أغرم بالجانب البحثي وبالبحث عن أساليب أكثر ابتكاراً وبتنسيق المواد وتركيبها. أياً كان فإن الصحافة مجال للتدرب على كتابة العمل الروائي.. «لم أكن قادرة على كتابة الموضوع قبل التأكد من العبارة الأخيرة التي يجب ان ينتهي بها. والشيء ذاته يحدث في كتابتي الروائية، حيث يتوجب علي ان أعرف النهاية قبل الوصول اليها. وهذا جزء من الشعور بالمتعة التي تمنحك اياها كتابة القصة». لكن على الرغم من انها لا تملك المزيد من الوقت الآن، إلا انها وطوال السنوات القليلة الماضية كانت تدرس الكتابة الابداعية في اميرست كوليج وكان موضوعها هو استخدام التقنيات الصحفية في كتابة القصة. انيتا شريف في ضاحية ديدام، احدى ضواحي مدينة بوسطن التي تسكنها الطبقة المتوسطة، وكان حلمها هو ان تصبح كاتبة.. «في الكلية تخصصت في اللغة الانجليزية، لكن أبي كان من مواليد سنوات الكساد العظيم، وكان رجلاً عملياً جداً، وقد أصر على انني بعد تخرجي أستطيع ان أقوم بأي عمل طالما انني أحمل مؤهل معلمة أولاً ولي وظيفة مضمونة أيضاً، بعدها عملت في مجال التدريس لمدة خمس سنوات قبل تقديم استقالتي وتفرغي لكتابة القصة القصيرة والتحقق من ان ما قاله والدي كان صحيحاً، لكن من الصعب على المرء ان يحصل على رزقه من الكتابة». يذكر ان عددا من القصص القصيرة التي كتبتها نشرتها بعض المجلات واحداها كانت قد حصلت على جائزة «و. هنري للابداع القصصي». على الرغم من ان الزواج والانجاب (لديها ابنة في العشرين طالبة باحدى الجامعات) والعمل في الصحافة والسفر الى كينيا هي في جملتها ما يؤلف قصة حياة انيتا شريف، إلا انها تبدو شديدة التحفظ على كل ما يتعلق بحياتها الخاصة.. «استمتع بلقاء الآخرين عادة في أندية الكتب، حيث تتم مناقشة الأعمال المكتوبة، أو أمضي الوقت في القراءة، هذا هو كل شيء. هناك من يقول لي بأن أكتب تحت اسم مستعار، لكن هذا بالطبع يبدو مستحيلاً، إذا كنت تريد من الآخرين أن يقرأوا لك. عموماً فإن قصصي كلها خيالية بما في ذلك الشخصيات فهي لا تمت لي ولا لحياتي الشخصية بصلة. وقد تعلمت فيما بعد ان أضع جانباً كل علاقاتي الحميمة، كل من أعرفهم، والداي واصدقائي وحتى القراء، وبالتالي فمن غير الممكن لأي احد ان يقطع علي أحلام يقظتي». تقارن شريف بين احلام اليقظة وبين كتابة الأعمال الروائية حين تصفها بأنها «الطريقة اللذيذة التي تسمح لك باقامة حوار متخيل». والواقع انها قد بدأت بالكتابة الروائية في السر.. «كان ذلك شبيهاً بمحاولة التوقف عن التدخين، حين لا تريد من الآخرين ان يعرفوا بأنك قد بدأت بذلك خشية ان يمسكوا بك وأنت متوقف عند هذه الفكرة عاجزا عن القيام بتنفيذها، ان كتابة شيء لم يطلب منك كتابته أو ان الآخرين لا يريدونه هو في حد ذاته مبادرة يحتاج القيام بها الى الثقة التامة بالنفس». وعلى الرغم من النجاح الذي تحققه أعمالها إلا انها مازالت تميل الى التكتم «العالم الذي أسعى الى تشكيله هش للغاية، ومن الأفضل ألا أزيح النقاب عنه. وحتى العنوان لا أريد من المحرر أو من أي شخص آخر أن يعرف شيئاً عما أكتب عنه». أثناء عملها الصحفي كانت تقوم بوظيفة رئيس تحرير لمجلة «يو.اس ماجازين» وكاتبة مستقلة بمجلتي «نيوزويك» و«نيويورك تايمز». ولمدة عامين كانت تقيم في نيروبي. وفي تلك الاثناء عملت رئيسة تحرير لاحدى المجلات المتخصصة في الشئون الافريقية.. «كنّا نكتب كل شيء عن شئون المطبخ وتحضير الوجبات الغذائية الى مقابلة الرئيس». من بين ما كتبته موضوعين بحثيين، في الوقت الذي كنت أكتب خلاله لمجلة نيويورك تايمز كانت قد تجمعت لديّ الكثير من المواد المتعلقة بالبحث.. كانت موسعة.. ألا يبدو هذا في غاية الصعوبة؟.. لقد منحني فرصة الاستمرار بقوة والتوسع على نحو يتجاوز حدود العمل الصحفي التقليدي، لكنه في الوقت ذاته جعلني أدرك انه من الأفضل لي أن أجرب كتابة القصة». احدى الحقائق المعروفة عن الكتابة الصحفية التي لم يكتب لها على الاطلاق أن تلعب دوراً تنويرياً في حياة أنيتا شريف هي القاعدة الذهبية التي تقول بأن على الصحفي ان يهتم بالبحث عن الحقائق.. «في الكتابة الروائية لا يمكن لك ان تغوص في تفكير الآخرين لتخرج في النهاية بفرضيات تتعلق بهم، ومن الغرابة كما يتراءى لي انه ليس من الصعب على المرء أن يقول الحقيقة عندما يكتب الرواية». مريم جمعة فرج