بيان الكتب: عادة ما دأب مثقفو الامم «الحية» على اعادة النظر في الاسئلة المطروحة على «الهوية» القومية بما يعبر عن اختزال وتكثيف للمعارف ان لم يكن تجاوز لهذه المعارف. وربما ان الشعر بوصفه احد اصفى الفنون القادرة على التعبير عن «مزاج» معرفي راهن وتطور معرفي حادث او يحدث، اكثر استشعارا بالتحولات المقبلة في مستوى الحدس على الاقل. انه امر يشبه الاحساس بأن مزاجا لغويا راهنا قد استنفد ذاته وبدأ يبحث في مناطق اخرى مجهولة وهو ما يتحقق عبر التأويل الذي هو دأب النقد.. الدأب الذي يقوده نقد، هو كلام على كلام، يعيد النظر في منهجه وادواته مثلما يترك للنص الشعري ان يحدث فيه اثرا ما. لعل هذا ما يؤدي الى حال من «الاشتباك» بين مجمل الفنون في نهاية التحليل وليس بين النص، سواء كان مكتوبا ام سمعيا بصريا بحيث يحدث ذلك التداخل في المنجز المعرفي الذي بالضرورة هو المدعو الى تجاوز ذاته. ذلك ما يوفر في الاقل، منحى ما لقراءة تاريخ الشعر مثلا بوصف ذلك التاريخ تاريخ انعاطافات وتحولات واختلاط رؤى واحداث واسفار في المخيلة، هو قراءة تاريخ مخيلة ايضا. والحال ان كتاب «مختارات الشعر العربي الحديث في مصر» لا يرقى الى ان يكون كذلك بل انه لايرغب في ان يتجاوز كونه حصيلة قراءة فردية استشعرت «الشعري» في هذا النص او ذاك ونظمته تبعا لذائقة، لاتبعا لمنهج، دون «رقابة» يفرضها المرء على ادوات قراءته منجزا شعريا يمتد عبر القرن ونصف القرن. ربما ان آية ذلك ان مقدمة د. البحراوي لم تستند الى تاريخ معرفي من القراءات لمنجز الشعر العربي، اي ان د. بحراوي، لم يعثر في المكتبة العربية على ما يعين بالمعنى النقدي، على اختزال وتكثيف ومن ثم تجاوز بضعة رؤى حاولت قراءة المنجز الشعري العربي في مصر وسواها، في شكل انطولوجي. وهذا ما يثير تساؤلا من نوع: هل لانطولوجيا شعرية ان تعطي تصورا محددا واخيرا ونهائيا في صدد ما حدث ويحدث او يستجد في ساحة شعرية عربية بعينها؟ بالطبع ان ذلك غير ممكن حدوثه بالنسبة لشاعر واحد عندما يرقى الى مستوى اللقب فيجدر به فكيف الحال والامر يذهب الى ان يغطي مسافة زمنية تمتد قرنا ونصف القرن. ومع التقدير الكبير لجهود د.البحراوي غيران الكثير من الاشكاليات لايثيرها انتظام الاسماء او القصائد في الكتاب لتكون متنه فحسب بل ان المقدمة تثير غير اشكالية في هذا الصدد وذلك عدا ان الكتاب قد صدر في عمان لهذا العام ضمن اجواء «مناسبة» ثقافية تشبه عرسا يدعى اليه كل الجيران هي اختيار اليونسكو عمان عاصمة للثقافة العربية لهذا العام ما يضيف التباسا الى التباس من فرط التأويل والقراءة غير ذات البال في الوصول الى نتيجة لها مفادها. والحال ان اشكالية الكتاب في مقدمته اكثر من متنه لكن ما تناقشه السطور المقبلة رغبة د. البحراوي في تعريف القاريء محتملا وجوده ام غير محتمل الى لون بعينه من تقصد المخيلة الشعرية ان تكتب الشعر بصرف النظر عن شكل القصيدة وباقرب ما يكون الى التوجه بالكتاب الى القاريء غير المتخصص والعادي الذي ان التقى كتابا قد يحمله في يده وربما لا ينظر في العنوان.. انه امر نبيل بلا ادنى شك بل ومؤثر ايضا. وبدءا فإن د. البحراوي يفوت في مقدمته اية محاولة لانتقاد طبيعة اختياراته الاسماء والنصوص الشعرية فهو يلفت الانتباه في تلك المقدمة الى ان الهفوة محكومة للنسيان والخطأ والضرورة وكل ما يتعلق بحاجات التمسك باطار يمكنه ان يشمل قدر مئة وخمسين عاما من انتاج الشعر في ارض الكنانة التي منها بدأ عصر الاحياء الشعري العربي. ولئن اتفق المرء مع د. البحراوي في ان ديوان الشعر العربي لم يشهد شعراء «مصريين» فحولا من طراز المتنبي وابي تمام والمعري وسواهما طيلة التاريخ الماضي كله دون الاشارة الى اي استثناء نادر فيما الاستثناء لا القاعدة دأب للشعر، قد يتمثل بابن الفارض ومنزلته في الشعرية الصوفية العربية فإن من الصعب الاقتناع ببقية اطروحة د. البحراوي باحالته ذلك الى اسباب تتعلق بان تعريب مصر من القبطية قد استغرق وقتا طويلا فذلك بالفعل ما اقتضاه تعريب مصر هو الوقت ذاته الذي اقتضاه تعريب المنطقة العربية باستثناء شبه الجزيرة وهي البلاد التي تم فتحها في أقل من خمس وعشرين سنة فضلا عن هذه البلاد كلها تقريبا كانت خاضعة لاحتلال روماني عمم اللاتينية في الحياة العامة وحاول استدخالها في ادابهم.. بل ان ابداعا ادبيا مرموقا قد انتجه ادباء المنطقة باللاتينية قبل الفتح. ايضا فإنه خلال تواجد الامويين في رأس الدولة العربية فإن حركة التعريب لم تكن حصرا في الشام والعراق بل وصلت الى المغرب الكبير عبر انشاء المصائر والمدن التي باتت عريقة الان في تاريخ الثقافة العربية الاسلامية كجهة انتاج المعرفة. وهنا ثمة دخول الى ما هو تاريخي وشائك وغير متعلق بتاريخ المخيلة اللغوية التي استثناها د. البحراوي من مقدمته، والحال ان المرء يحسب في هذا الصدد ان طبيعة الحراك الاجتماعي الاقتصادي في مصر كان دائما ذا ايقاعات متعددة ومن غير الممكن اختزالها الى ايقاعات بحور الخليل بن احمد على سعة هذه البحور وطاقتها الاستيعابية، ربما لان الحياة الاجتماعية وعلاقتها بالبيئة والمحيط هي التي كانت تعلي دائما من شأن ما يستحدث ويستجد من ايقاعات وخيالات وامزجة للتاريخ السابق على الفتح العربي الاسلامي وطأة معرفة عليهاوان بدت خفية. وذلك فضلا عن ان تاريخية مقولة الشاعر الفحل باتت تستدعي التحطيم والخروج من صنميتها الى حد ان اختزال شاعر قصائد او ابياتا لايضير موقعه في الشعرية العربية وتاريخ جمالية المخيلة اللغوية العربية وذلك باستدراج الشعر الى خارج الشخصية التاريخية التي قالته. يلحظ المرء ان د. البحراوي قد اكتفى بالمعنى الاجتماعي لغياب «الفحل الشعري» عن ارض مصر الانتدابية، وليس التاريخية، غير ناظر الى طبيعة الموهبة التي يفرزها السياق الاجتماعي مثلما يفرز توجهات هذه الموهبة وفقا لتوجهاته الغامضة والواضحة في آن. ان مصر الانتدابية ومن ثم الدولة القطرية العربية لا يمكنها ان تحتكر المخيلة اللغوية العربية وحدها شأنها في ذلك شأن اية جغرافيا عربية مازالت حديثة العهد لايزيد عمرها على الستين عاما حالها في ذلك حال غيرها من الاقطار العربية الغارقة في اوهامها الجغرافية الامر الذي هو ليس مجال تناول انطولوجيا شعرية تعبر عن وجهة نظر واحد من الباحثين عندما يمتلك وجهة نظر حتى لو كانت مقنعة في بنائها ومنطقها فيما يتعلق بتاريخ المخيلة اللغوية الشعرية طيلة قرن ونصف القرن في مصر. وجملة القول ان كتاب «مختارات الشعر العربي الحديث في مصر» لجهة توصيفه فانه ليس اكثر من كتاب «ذائقة» وليس اعادة نظر في تاريخ جمالية اللغة عبر مئة وخمسين سنة انه حصر للجمالية في اطار نقدي لم يترك للقصائد ان تكسره وتنفتح به على آفاق اخرى. عموما فإن هذا الامر هو دأب الانطولوجيات العربية شعرية كانت ام غير شعرية، اننا امة لا تشبه سواها عندما ينظر الى المرات التي تعيد فيها النظر في تاريخ جمالها اللغوي، ان فرنسا مثلا ليست وحدها التي يصدر فيها ثلاثة او ارباعة انطولوجيات من الشعر المكتوب بالفرنسية بل هناك الكثير من الامم التي تقوم بذلك في اوروبا وفي خارجها. ويحسب المرء ان عليه ان يكتفي من الكتاب بسياقة ذلك ان صدور هذا الكتاب لم يكن نتاج «مشاغل» نقدية للباحث د. البحراوي بل جاء بتكليف من الدائرة الثقافية في امانة عمان الكبرى «بلدية عمان» ولمناسبة مغرقة في شعاراتها: عمان عاصمة للثقافة العربية للعام 2002. هنا بوسع المرء ان يقرأ كتابا تتجاور فيه الاشكال والحساسيات الشعرية، بل واختلاطها ايضا الى حد انها «بابل» من اللغات الشعرية التي يجمعها ديمقراطية باحث ذي ذائقة شخصية مفتوحة على الجمالي والابداعي ومنطق البناء مما قد لا يجده لدى غيره من النقاد. هكذا يتجاور احمد بخيت مع احمد شوقي واحمد عبدالمعطي حجازي واسماعيل صبري باشا مثلما يتجاور امل دنقل مع ايمان مرسال والبارودي مع نجيب سرور ونصار عبدالله. عمان ـ جهاد هديب