ظن البعض أن السينما المصرية أفاقت من غيبوبتها بعد سيل الانتاج الضخم الذي شهدته الأعوام الثلاثة الماضية والذي جاء بعد أزمة طاحنة مرت بها طوال عقد التسعينيات.. الطفرة السينمائية التي جاءت مع أفلام محمد هنيدي ورفاقه جاءت أيضا بسينما جديدة هزيلة تحاول استغلال نجاح الشباب دون الاعتماد على وسيلة فنية حقيقية وهو ما أعاد إلى الأذهان سينما المقاولات ذلك الشبح الذي سيطر على السينما في مصر طوال عقدين. يبدو أن شبح سينما المقاولات الذي ظن البعض انه غادر السينما المصرية الى غير رجعة سيطل برأسه من جديد من خلال الفترة المقبلة من خلال بعض الافلام الشبابية التي تعتمد على نجاحات نجوم معينين دون الاهتمام بالمضمون الفني للأفلام واذا كانت تكاليف الفيلم في سينما المقاولات قديما لا يتجاوز الـ 100 ألف جنيه ويتم تصويره في أسبوعين على الاكثر في مواقع تصوير متشابهة ومكررة.. فإن سينما المقاولات الجديدة ستصل التكلفة الى المليون جنيه وربما. «البيان» رصدت الشرارة الأولى لعودة سينما المقاولات: في البداية يؤكد الناقد السينمائي أحمد رأفت بهجت أن سينما المقاولات كانت مهيأة للعودة فالطفرة التي حدثت ليست طفرة صحية وهناك عناصر بالاضافة الى الانتاج الهزيل ساعدت على عودتها مثل احتكار احدى الشركات للانتاج والصراعات المتزايدة بين الشركات الكبرى الاخرى التي تستعد للانتاج اضافة الى تفشي ظاهرة المنتج المنفذ التلفزيوني الذي يقدم اعمالاً سينمائية هزيلة هو الآخر.. كل هذه الاسباب ادت الى عودتها.. ويضيف أحمد رأفت بهجت: صورة سينما المقالات القديمة والتي ظهرت في الثمانينيات والتي كانت تتخذ من الشقق المفروشة مكانا دائما للتصوير وتعتمد بشكل اساسي على نجوم الصفوف الخلفية عادت مع أفلام جديدة رديئة للغاية والشئ المحير أن صناع هذه السينما هم أنفسهم صناع سينما المقاولات ولكنهم عادوا هذه المرة تحت مظلة حكومية هي التلفزيون ولا أدري لماذا يوافق المسئول عن الانتاج في التلفزيون على هؤلاء الاشخاص ذوي السمعة المعروفة للوسط الفني كله. السيناريست وحيد حامد يدافع عن نظام المنتج المنفذ الذي عمل به من قبل كنظام جديد للانتاج وفي نفس الوقت يؤكد ان سينما المقاولات عادت على يديه ويفسر ذلك قائلا: لا يوجد جهاز تلفزيون في العالم ينتج بنفسه للسينما والدنيا كلها تعمل بنظام المنتج المنفذ ولكن في مصر للأسف الشديد فتح الباب على مصراعيه لكل من هب ودب كما يقولون فتحول النظام الأكثر نجاحا في الدنيا كلها الى نظام فاشل لدينا في مصر.. ففي كل الدنيا يحسنون اختيار منتجهم المنفذ ولكن في مصر وللأسف الشديد تركنا الحبل على الغارب فجاءت سينما اقل مستوى من سينما المقاولات التي تفشت في عقود مضت.. ويضيف وحيد حامد: ورغم كل ذلك أنا مازلت مصرا على ان نظام المنتج المنفذ كنظام لو عهد به الى اشخاص موثوق فيهم سوف يقدم أعمالا أكثر قيمة لان التلفزيون ببساطة يملك الامكانيات الضخمة التي تساعده على ذلك.. ويحذر وحيد حامد من نظام جديد ابتدعه التلفزيون مؤخرا هو نظام المشاركة ويقول: نظام المشاركة الجديد اشد خطرا من نظام المنتج المنفذ فهو يعني أن يشارك التلفزيون بجزء بسيط من الانتاج ويشارك المنتج بجزء اخر ولكن أؤكد أن المنتج سوف ينتج فيلمه بأموال التلفزيون فقط ولن يدفع مليما واحدا في الانتاج وبذلك سوف تزداد أفلام المقاولات ولا عزاء للسينما. المنتج محمد العدل يرى ان افلام المقاولات سوف تعود بدون شك وانها لم تنته كظاهرة سيئة ولكن هذه الافلام سوف تظل في نطاق محدود ولا يمكن ان تكرر ماحدث في الماضي ويضيف: السينما المصرية رائدة في المنطقة العربية ولها ثقل كبير وكلما مرت بأزمة تستطيع بفضل ابنائها الأوفياء ان تتجاوزها وفي كل دول العالم هناك سنيما جادة واخرى هزيلة وحتى الولايات المتحدة تقدم كل عام عدد كبيرا من الأفلام التي يمكن ان تطلق عليها لفظ المقاولات وفي مصر السينما الجادة ذات الانتاج الضخم هي الأكثر والافضل والافلام الاخرى الهزيلة موجودة ولكها في نطاق صغير جدا لسبب مهم جدا وهو ان الجمهور بالفعل يلفظ هذه الافلام ولا يدعمها وهذا مؤشر جيد لا يجعلنا نخشى على مستقبل السينما المصرية.. ويضيف محمد العدل: دائما وابدا العملة الجيدة تطرد وبعنف العملة الرديئة وأنا لا أهتم بأفلام المقاولات ولا أضعها في حساباتي ومايقلقني بالفعل ليس هذه الأفلام المحدودة وانما الصراع غير المبرر بين الشركات على تكسير عظام الافلام الجيدة فالصراع بين الشركات سوف يحرم افلاما محترمة من فرصتها في التنافس وهذا شئ خطير. رجح البعض ان يكون الاتجاه الجديد لبعض السينمائيين في الاستقلال وتصوير أفلام بكاميرات الفيديو سوف يزيد من فرص العودة لأفلام المقاولات والمخرج محمد خان من القلائل الذين بدأوا بالعمل بكاميرات الديجيتال - الفيديو - ولذلك فهو يدافع عن اتجاهه قائلا: الرغبة في عمل فيلم مقاولات لا يمكن ان يحدد باستخدام الكاميرا أو بالانتاج المحدود فلقد قدمت فيلم (عودة مواطن) بأقل امكانيات عرفتها السينما المصرية ومع ذلك هو أحد الكلاسيكيات التي احترمها الجمهور والنقاد وحصل على العديد من الجوائز ولذلك لا يمكن أن تقول أن الكاميرات الديجيتال سوف تفتح المجال لسينما المقاولات خاصة وأن أغلب الذين قدموا أفلاما هزيلة قدموها بالتكنيك السينمائي المتعارف عليه واللجوء لكاميرات الديجيتال في رأيي هو نوع من التحرر من شروط السوق القاسية.. ومع ذلك أنا لا استبعد ان يقوم اخرون بعمل أفلام هزيلة باستخدام أي كاميرا وأي تقنية.. ولكن لا أميل الى القول بأن استخدام الديجتال سوف يفتح المجال للسينما الهزيلة. والسيناريست محمد حلمي هلال هو الآخر من المتشائمين ويرى دائما أن السينما في مصر الآن حقل خصب لأفلام المقاولات شديدة الهزل ويقول: الأجور المبالغ فيها من بعض النجوم هي السبب في ارتفاع ميزانيات الافلام ولا يعني أن فيلما سوف يتكلف عشرة ملايين انه ليس هزيلا وكثيرا ماترى أفلاما تكلفت الملايين ولكنها مقاولات ايضا في حين أن أفلام أخرى أقل تكلفة هي التي تنقذ سمعة السينما المصرية لذلك يجب التفريق بين الانتاج الضخم وبين نوع الفيلم.. ويضيف محمد حلمي هلال إذا أردنا أن نضمن مستوى عالياً للسينما في مصر فيجب ان نوفر مناخا مناسبا وسويا تعمل به السينما فمع الاحتكار والارتفاع المبالغ للأجور والانتاج الهزيل وسيطرة مجموعة لا علاقة لها بالفن على مجريات الأمور تزداد الأمور تعقيدا ويزداد المستوى سوءا.