اجراءات الامن المشددة التي اتخذتها الولايات المتحدة في المطارات اثر احداث 11 سبتمبر جعل من السفر مسألة تتطلب الكثير، من الصبر فطوابير المسافرين تمتد الى ما لا نهاية عند كل نقطة او محطة وهو ما قد يغري البعض بمحاولة ايجاد وسيلة سريعة للخروج من نقاط تفتيش الحقائب واجهزة تحري المعادن. لكن الشابة البريطانية سارة جونسون هي اول من يحذر من مغبة فعل ذلك، ففي اجواء الخوف والشك السائدة في العالم اليوم فإن ابسط مواقف سوء الفهم مع موظفي الامن في المطارات يمكن ان توقع المرء في ورطة قانونية عويصة في بلد اجنبي. ومصففة الشعر البالغة من العمر 22 عاماً والتي تنتمي لمنطقة غرب ميدلاندز كانت قد تأخرت عن طائرتها عندما عبرت بسرعة نقطة تفتيش في احد المطارات الاميركية. وبعد 15 دقيقة تالية ذهلت لمحاصرة اربعة من حرس الامن المسلحين لها وهي جالسة على مقعدها بالطائرة واقتيادها خارج الطائرة بعد ان تم اغلاق المطار كله تحسباً لوقوع هجمة ارهابية. وفد امضت سارة 24 ساعة محتجزة مع مدمنات مخدرات وعاهرات في مركز احتجاز قذر الامر الذي وصفته بالكابوس. وفي شهر اغسطس المقبل تواجه سارة محاكمة في الولايات المتحدة بتهمة خرق اجراءات الامن في المطار وهو ما يمكن ان يعرضها للسجن سنتين اذا ما وجدت مذنبة. وتقول سارة: انه جنون بحت فقد كان الامر مجرد سوء فهم بسيط لكنني عوملت وكأنني ارهابية تخطط لتفجير طائرة. وفي فبراير الماضي كانت الحرب ضد الارهاب آخر ما يدور في ذهن سارة عندما استقلت رحلة من مطار جاتويك متجهة للولايات المتحدة وكانت سعيدة بالذهاب الى عملها كمصففة شعر على متن باخرة سياحية ستبحر من مرفأ سان خوان في بورتوريكو. وسارة هي مسافرة موسمية جالت العالم اثناء العامين الماضيين اللذين امضتهما في العمل في البواخر السياحية وكانت معتادة على معاناة تأخر مواعيد الطائرات وساعات الانتظار الطويلة. وبالرغم من ذلك فقد فوجئت بالطوابير الطويلة التي وجدتها اثناء محاولتها للحاق برحلة داخلية في مطار فيلادلفيا. وتشرح سارة بأن طائرتها كانت ستقلع بعد ساعة واحدة والانتهاء من اجراءات المطار يستغرق المدة نفسها تقريباً نتيجة تشديد اجراءات الامن بعد 11 سبتمبر، ولم يكن امامها سوى خمس او عشر دقائق للوصول الى طائرتها التي ان فاتتها سيتعذر وصولها الى السفينة في بورتوريكو. وكان طاقم الطائرة قد وافق على تأخير موعد الاقلاع اذا ما تمكنت سارة من الوصول خلال دقيقتين ما جعلها تندفع بسرعة جنونية في مبنى المطار الذي لم يسبق لها دخوله الى ان وصلت عند نقطة تفتيش اخيرة وطابور اخر طويل. اجتازت سارة الطابور وشرحت للموظفة بأنها تأخرت كثيراً على رحلتها، فقامت الموظفة بالتدقيق في بطاقة الركوب وجواز السفر وسمحت لها بالعبور. وجدت سارة امامها جهاز تحري المعادن ولم يكن بجواره اي موظف وبدا وكأنه مغلق بسبب وجود شريط اسود عبره ما يجعل المرور اسفله مستحيلاً. سألت سارة الموظفة عن الطريق الذي ينبغي ان تسلكه فأشارت الأخيرة الى فتحة على يمين الجهاز فقطعتها ثم طلبت من حارس امن كان يقف بالقرب من الجهاز توجيهها الى طائرتها. كانت سارة في حالة شديدة من الاعياء عندما وجدت مقعدها في الطائرة وبعد جلوسها بلحظات تقدم نحوها ثلاثة رجال كان اثنان منهم مسلحين. وامام هذا المشهد تتذكر سارة ان اول عبارة قالتها كانت: يا إلهي ما الذي فعلته؟ فردوا بالقول بأن عملاء مكتب التحقيقات الفيدرالية رصدوها بكاميرات المراقبة وهي تهرب من جهاز تحري المعادن ثم طلبوا منها السير معهم، الامرالذي افزعها. وعلى مدرج المطار ارتعبت سارة اكثر لمنظر سيارات الشرطة التي كانت تحيط بالطائرة وكلاب الحراسة التي تم ادخالها في الطائرة للبحث عن متفجرات بعد ان تم اخلاء جميع ركاب الطائرة، وبدا رجال الشرطة وكأنهم مستعدون لاطلاق الرصاص عليها. اقتربت منها مسئولة امن وقالت لها بأن الامر خطير وانها اوقعت نفسها في مشكلة كبيرة. حاولت سارة ان تشرح بأن موظفة الامن هي التي سمحت لها باجتياز الجهاز لكن المطار اكان قد اغلق لمدة ساعة بسببها الامرالذي اثار غضب موظفي الامن. اقتيدت سارة الى مركز الشرطة وهي موثقة اليدين وفي حالة شديدة من الخوف والذهول وفي الطريق مرت امام عدد كبير من المصورين والصحافيين الذين كانوا يوجهون لها الاسئلة وعدسات الكاميرات تومض في وجهها. وفي مركز الشرطة بدأ رجال الإف بي آي يحققون معها ثم قرروا بأن الامر مجرد خطأ واخبروها انهم لا يعتزمون توجيه اي تهم لها لكن مسئولي الامن في المطار كانوا مصممين على اخذ الامور الى حد ابعد بكثير من ذلك. ذهلت سارة عندما اخبرت بأنها ستواجه تهمة دخول مطار بشكل غير مشروع وكادت تسقط من على كرسيها سيما وانها تعلم ان ذلك يعني اخذها لسجن اميركي، الامر الذي ارعبها. احتجزت سارة في بادئ الامر في زنزانة قذرة لمدة 12 ساعة مع امرأتين اخريين اولاهما مدمنة مخدرات والاخرى مربوطة بقبضان السجن لعنفها الزائد. تظاهرت سارة بالنوم املاً في ان تترك لحال سبيلها واخيراً سمح لها بالاتصال بمحام ووصل الاخير عندما اقتيدت سارة الى سيارة وهي موثقة اليدين لنقلها الى سجن اخر مشدد الحراسة. طمأنها المحامي وطلب منها ان تهدأ واكّد لها انه سيخرجها من السجن واخبرها بأنها ذاهبة الى مكان غير لطيف وانها يمكن ان تحتجز فيه لمدة 72 ساعة. وفي السجن اضطرت سارة للاستناد الى جدار شبه ميتة. اذ كانت هناك مدمنة مخدرات ممددة على الارض ثم جاءت ممرضة بعد ذلك وسألتها ان كانت ميولها انتحارية فردّت بالقول: «ليس بعد». ثم سجنت سارة في زنزانة معدنية صغيرة لمدة 13 ساعة مع مجرمتين قاسيتين كانتا تجلسان على الكرسيين الوحيدين فاضطرت للتمدد على الارض وهي ترتجف برداً ووضعت رأسها على وعاء قذر للتبول في محاولة لأخذ قسط من النوم. في اليوم التالي مثلت سارة امام قاض وطالب المحامي بالافراج عنها بكفالة. الى ذلك الحين كانت سارة قد تعاملت جيداً مع كابوسها لكنها شعرت انها ستصاب بانهيار عصبي لو امضت دقيقة اخرى في السجن. ولحسن حظها ان القاضي وافق على خروجها بكفالة.. في الساعة الثالثة والنصف ظهراً وجدت سارة نفسها في احد شوارع فلادلفيا دون ان يكون بجيبها فلس واحد. وكانت قواها خائرة اذ لم تتمكن من الاكل او النوم او الاستحمام على مدى يومين. اضطرت سارة للتوسل الى سائق سيارة كي يأخذها الى فندق حجزت لها شركتها غرفة فيه وبمجرد دخولها غرفة الفندق رمت سارة جميع ملابسها في سلة القمامة ودخلت الى الحمام وبكت لساعات. لحق بها والدها الى الولايات المتحدة لاعادتها الى وطنها ومنذ ذلك اليوم وهي تعيش في فراغ مع والديها بانتظار موعد محاكمتها في اغسطس المقبل. ومدخراتها التي بلغت 4000 جنيه استرليني والتي كانت تأمل ان تساعدها على فتح صالون خاص بها في بريطانيا تلاشت كلها في نفقات المحامين. وهي تعترف انها قلقة لأن السلطات الاميركي رفعت التهمة الموجهة اليها الى انتهاك اجرامي لمطار وهي التهمة التي تعرضها لعقوبة السجن لمدة عامين وتقول سارة انها لاتزال تستغرب سبب اصرارهم على مقاضاتها وتشرح انها تؤيد تعزيز اجراءات الامن في المطارات بعد احداث 11 سبتمبر لأنها تريد ان تشعر بالامن عندما تسافر ولكن السلطات الاميركية تعرف ان ما حدث معها مجرد سوء فهم ورغم ذلك يعاملونها كارهابية رغم انها لم تكن تحمل في امتعتها اي اداة خطرة. وبالطبع فإن بإمكان السلطات الاميركية التسامح معها لكنهم يريدون كما يبدو ان يجعلوا منها عبرة لبقية العالم وهو الامرالذي يمكن ان يدمر حياتها. ابتسام احمد