يريد جورج سوروس ان يكون منقذ أسواق المال العالمية، فهذا المستثمر العملاق، الذي أدى هجومه على الجنيه الاسترليني، إلى اخراج بريطانيا من آلية سعر الصرف الأوروبية، منذ عشرة أعوام، جاء بعد سبتمبر واحداثه ساعياً إلى القيام بمهمة مفادها استخدام ثروته التي تقدر بخمسة مليارات من الدولارات الأميركية وشهرته ومركزه المالي للمساعدة في علاج ما ينظر إليه على انه فشل للعولمة. وربما تبدو فكرة ان رجلاً يملك تلك الملايين التي ربحها بمضارباته في الأسواق المالية يقف ضد العولمة امرا يعكس قدرا من السخرية والتناقض إلا ان سوروس بالعقل وبشكل واضح، يروعه ذلك الضرر الذي لحق بالاقتصادات الضعيفة بسبب المبالغ الرهيبة التي تتدفق عبر الحدود القومية لكل يوم. وبينما يجلس متكئاً على احدى أرائك غرفة مكتبه في منزله بساوث كينسينجتون، يقول سوروس محذراً ان التدهور العالمي قد فضح الضعف الذي لا تعانيه المؤسسات الأميركية وحدها ولكن الذي يعاني منه صندوق النقد الدولي والخزانة الأميركية في كيفية ادارتهما للنظام الاقتصادي الدولي. يقول سوروس: «تقوم الولايات المتحدة بادارة النظام الدولي كي تحمي اقتصادها القومي، لذا فإنها عندما تدخل في حالة من الركود تكون لديها سياسات لعلاج هذا الركود في حين انه عندما تعاني دول أخرى الركود نفسه، لا تكون لديها القدرة على الدخول أو الوصول إلى سياسات لمعالجة الركود لأنها ليست لديها سياسة نقدية يمكن السماح بها لأنه عند تطبيق تلك السياسة فإن الأموال سوف تهرب من أراضيها». وعند النظر إلى شخصية سوروس يتبين انه يملك ملامح استاذ فلسفة اكثر من ملامح مستثمر مالي يملك نظرة ثاقبة، فهو يقول بنبرة صوت ضعيفة تعكس أصله المجري، انه حان الوقت لاعادة صياغة ما يطلق عليه «اجماع واشنطن» وهو ذلك الخليط من الليبرالية والخصخصة والتصحيح المالي الذي يعكف صندوق النقد الدولي على الدعوة إليه طوال الخمسة عشر عاماً الماضية. ويقول ان الدول النامية لم تعد لها حرية ادارة اقتصاداتها حتى عندما تقوم تلك الدول باتباع سياسات تصحيحة تماماً، وهنا يضرب سوروس مثالاً بالبرازيل التي على الرغم من ان لديها عملة حرة وتحكماً في الدين العام فإنها تدفع عشرة أضعاف الفائدة كي تقترض من أسواق المال، حتى قبل ان يقوم لوسي ايناشيو «لولا» داسيلفا، مرشح حزب العمال باصابة التجارة بصدمة. ويضيف: ان عملية وجود رئيس يساري في السلطة أدت إلى تفاقم الحالة العصبية للسوق، واصابت سوق الأسهم بالكساد ورفعت من تكلفة رؤوس الأموال وخفضت من سعر الصرف، الأمر الذي جعل من الصعب ان تجد البرازيل طريقاً لها نحو النمو». يؤمن سوروس الذي كان في احدى المراحل بعد سقوط سور برلين يقدم مساعدة لروسيا أكثر من المساعدة التي يقدمها للحكومة الأميركية، بممارسة وتطبيق ما يدعو له، لقد لعب ولا يزال يلعب معهد المجتمع المفتوح الذي يملكه دوراً محورياً في مساعدة دول شرق أوروبا لبناء مجتمعات ديمقراطية واقتصادات سوق. وكما أثبت المغني وكاتب الاغاني الشهير بونو الذي تحول إلى داعية فإن الشهرة يمكن ان تكون اداة قوية للتأثير على السياسيين، ويملك سوروس ميزة معرفة مجريات الرأسمالية العالمية، ولذلك فإن نقده يأتي مركزا بشكل محدد وبين وقد أنفقت الشبكة المالية التي يديرها سوروس العام الماضي حوالي نصف مليار من الدولارات على مشروعات في مجال التعليم والصحة العامة ودعم الديمقراطية، الأمر الذي جعل من الشبكة واحدة من أبرز المنظمات المانحة الخاصة في العالم. ولقد بدأ عمله الخيري منذ 25 عاماً تقريباً عندما بدأ في توجيه دعم مالي إلى الطلبة السود كي يلتحقوا بجامعة كيب تاون ولا يزال يعمل سوروس بأسلوب نشط في جنوب أفريقيا حيث يقوم باعطاء ضمانات رهن عقاري إلى حوالي مئة ألف من مالكي المنازل عن طريق منظمة يطلق عليها اسم «نيرتشر». ومن آخر القضايا التي يتبناها سوروس العمل مع مجموعة «جلوبال ديتنس» لاجبار شركات النفط على الكشف عن قدر الاموال التي تدفعها للحكومات في العالم النامي كي تحصل على امتيازات تنقيب وحفر. ويقول سوروس ان مأساة أفريقيا تتمثل في ان دولاً مثل سيراليون وانجولا والكونغو تعتبر من أفقر دول العالم، في الوقت الذي تملك هذه الدول ثروات نفطية ومعدنية هائلة. ويقول سوروس: ياله من أمر مدهش عندما تنظر إلى دول غنية بمواردها تتوقع بالتالي ان تكون أكثر رخاءً من دول افقر في مواردها كأمر طبيعي، تفاجأ بأن الأمر معكوس، فهذه الدول ذات الموارد الغنية تعاني من الحروب الأهلية التي تمزق أوصالها ومن الصراعات على الموارد المعدنية! والشركات النفطية ليست بالضرورة مسئولة بشكل مباشر عن الفساد، على حد قوله، ولكن الأموال التي يدفعونها للحكومات الأجنبية عادة ما يتم تخصيصها وتوزيعها بشكل خاطئ، وعن طريق الاعلان عن حجم تلك الأموال، سيتاح للناخبين في الدول الفقيرة الفرصة لمساءلة حكوماتهم عن تلك الأموال. وتعتبر الشركات التي لا تفصح عن حجم تلك الأموال شريكة في عملية تمكين الناخبين من ممارسة حقوقهم على حد قول سوروس، الذي يضيف ان سن قوانين منظمة لهذا الأمر هو أفضل طريقة بدلاً من التوقع بأن تتصرف الشركات بشكل فردي. ويقول سوروس: إذا افصحت الشركات بشكل فردي عن حجم تلك الأموال فإنها ستعاني فقد قدر من مميزاتها التنافسية أمام الشركات الأخرى التي لن تقوم بالافصاح عن الأمر نفسه، والماء هنا يكذب الغطاس كما يقول المثل الشعبي، فقد كانت شركة بي بي للتنقيب عن النفط مستعدة بشكل حقيقي لأن تفصح عن هذه الأموال عند عملها في أنجولا، ولكن الحكومة الانجولية هددتها بالطرد إذا أقدمت على هذا الأمر، ولهذا يجب ان يتم اجبار تلك الشركات على القيام بهذا الأمر من أجل مصلحتها. ولقد كان رد فعل الشركات البريطانية تجاه فرض عملية الافصاح عن تلك الأموال على الشركات ايجابياً وعقلانيا، إلا ان سوروس تلقى رداً عاصفاً من الشركات الأميركية الرئيسية العاملة في المجال ويقول سوروس: «ربما يكون القيام بتشريع أمر كاف لأن تنصاع جميع الشركات بارادتها ولكنني حسب الردود التي تلقيتها حيال الأمر، لا اعتقد انه من دون التهديد القانوني يمكن ان تقدم تلك الشركات على القيام بهذا الأمر. ويقول سوروس ان حركة مناهضة العولمة لها الفضل في جعل الشركات تبدو اكثر حساسية تجاه مسئولياتها الأكبر، ويقول: اعتقد ان مناهضي العولمة قد قدموا اسهاماً مهماً عن طريق جعل الناس اكثر دراية بعيوب ونواقص نظام العولمة. فالناس في الشارع لهم تأثير على الرأي العام وقد تجاوبت الشركات التي تبيع للجمهور مع هذا الأمر. وعلى الرغم من ذلك فإن حركة المسئوليات الاجتماعية المشتركة لا يمكنها وحدها ان تعالج أمراض وآفات النظام الدولي، يقول سوروس: «ان عيوب المسئولية المشتركة تطفو على السطح بعد أي اخفاق تماماً مثلما يحدث مع عيوب النظام المالي الدولي عندما تظهر على السطح مع حدوث أي فشل. ويعتقد سوروس ان تكرار الازمة الآسيوية امر غير محتمل الحدوث لأن صندوق النقد الدولي قد تخلى عن تقديم مساعدات قيمتها مليار دولار للاقتصادات التي تعاني مشكلات يقول سوروس ان السياسة الجديدة للصندوق المعروفة باسم «الحب الصارم» والتي كانت الارجنتين حقل تجارب لها، لديها عواقب أخرى فنظام المساعدات كان عبارة عن نظام رفاهية لوال ستريت يقوم خلاله دافعو الضرائب في الدول الغربية بانقاذ البنوك من عواقب تقديم قروض بشكل تنقصه الحكمة إلى الاقتصادات الناشئة، والآن قام صندوق النقد الدولي بوضع خط على الرمال، فعملية تسليف الدول الفقيرة أصبحت آخذة في التناقص. يقول سوروس: ان هذه السياسة خلقت مشكلة جديدة، تتمثل في عدم كفاية تدفق رأس المال من المركز إلى الاطراف. الاقتصاد الوحيد الذي لا يشعر سوروس بقلق نحوه هو الاقتصاد الأميركي، يقول سوروس: أنا اشعر بايجابية اكثر حيال الاقتصاد الاساسي بالمقارنة بشعوري نحو السوق نفسه، لأننا لا نقوم بشن حرب على الارهاب وحسب، ولكن على الكساد أيضاً، وعلى الرغم من اننا لا نعترف بالأمر، فإننا بالفعل نطبق وسائل العالم الاقتصادي جون كينيس في العلاج، وأنا أؤمن بشدة بتلك الوسائل فأنا لم أشاهد قط اقتصاداً يعاني كساداً وهو يقوم بشن حرب. ولكن سوروس ينتابه القلق من ان أكبر اقتصاد في العالم لا يتصرف حسب المسئوليات الملقاة على عاتقه تجاه العالم، ويقول: «أود ان أرى الولايات المتحدة وهي تتصرف حسب ما تشعر بمسئولياتها كدولة مهيمنة لأنها لن تتخلى عن قوتها المهيمنة تلك، والأمر الواقعي الوحيد في هذا النطاق هو ان تكون أميركا واعية ان الأمر يصب في مصلحتها الشخصية عندما تستفيد باقي دول العالم من دورها كدولة مهيمنة». وعندما سئل عما يريد ان يتذكره الآخرون به، هل هي مهنته كمستثمر ومضارب في البورصة أم نزعته إلى تقديم المساعدات الخيرية يجيب سوروس: «أنا افضل ان أكون أسطورة يتذكرنا الناس وأنا على قيد الحياة بدلاً من بعد ذلك، اعتقد انها فكرة سخيفة ان تستمر في الحياة بعد مماتك، فالمرء له حياة واحدة فقط». ترجمة: حاتم حسين عن «جارديان»