يستمد هذا الكتاب أهميته من أنه يعد من الكتب النادرة التي تنهض في وجه سلسلة الاصدارات التي انطلقت في الاعوام الأخيرة ضد العولمة وتجلياتها الاقتصادية والاستهلاكية، فهو يشدد على ان العولمة ليست شراً كلها كما يذهب البعض، وانها لاتعني بالضرورة المساس بالثقافات الوطنية، بل قد تؤدي الى تعزيزها. والمؤلف يناقش هذا كله من منظور محدد، هو صناعة السياحة. وفي الرحلة الهائلة عبر صفحات هذا الكتاب نحن على موعد مع تحليل مميز لما تعنيه السياحة باعتبارها أحد أهم مظاهر بدايات الاقتصاد المعولم ومع رؤية متكاملة لمد الجسور بين السياحة وإيجاد السلع وبينها وبين مفهوم الحداثة. تنشيء السياحة أشكالا محددة للفضاء الاجتماعي. وقد نجم عن تطور قطاع السياحة الجماهيرية عبر انشاء مناطق منتجعية، ليس السعي للعمل، وانما السعي لقضاء العطلات، ان هذا الانشطار ما بين العمل والابتعاد عنه يمكن ان ينظر اليه في منظور الاصطلاحات النظرية باعتباره نتيجة للاختلاف في العصرنة لتقسيم المجتمع الى نطاقات متمايزة للنشاط الاجتماعي الذي خطط ايضا على اساس الاستخدامات الفعلية للفضاء. وكذلك فان العلاقات بين اشكال التنظيم الاجتماعي والاسلوب الذي صيغ في المصطلحات الفضائية له عندئذ أهمية جوهرية بالنسبة لتحليل السياحة باعتبارها ظاهرة اجتماعية. وقد يبدو للوهلة الأولى ان الحديث عن تحليل الفضاء بهذه الطريقة يعني تبني مقاربة جغرافية متباينة عن طريق السعي للفحص بالمثال والنموذج والنمط وتطوير مناطق المنتجعات السياحية بالمفهوم التطوري. ومع ذلك فإن النقطة المهمة هنا ليست الانماط المادية، او وضع وصف تخطيطي للتطور الفضائي الذي يمكن تحديده، اي معالجة الفضاء باعتباره فئة مجردة وحيادية، بل الاساليب التي تتداخل فيها هذه الانماط الفضائية مع القيم الاجتماعية والمفاهيم التراثية. ان هذه القضايا ذات الصلة ما بين الاشكال الاجتماعية والفضائية لها اهمية انضباطية بينية متنامية خلال العقدين الماضيين وفي الاطار الجغرافي، على سبيل المثال، فإن المقاربات الانسانية اتجهت في مساعيها لحل المشكلات ذات الصلة بالتراث الثقافي وبمعنى العلاقة بالعناصر المتعلقة بالفضاء المحيط بهذا التراث. وبينما بدأ الجغرافيون في التفكير بالفضاء (المساحات) عبر مفاهيم مثل مجتمع وتراث ثقافي، فان علماء الاجتماع وعلماء الانثروبولوجيا شرعوا في توجيه اهتمام اكبر الى اهمية المكان في العلاقات الاجتماعية. وكرد فعل على معالجة المجتمع كما لو كان شيئا مجردا بالطريقة نفسها التي تعامل بها الجغرافيون مع المكان، في حين ان الآخرين وهم علماء الانثروبولوجيا اصبحوا اكثر دراية بالشأن الضمني غالبا من خلال التزامهم بما يخفي العلاقة ما بين القطاعية والهوية. وباختصار، فان مساقات علمية متنوعة وصلت الى استنتاج محدد، وهو ان اشكال الفضاء يمكن ان تفصل عن العناصر الاجتماعية التي اثارت موضوع تشكيلاتها، وان تحليل المجتمع يحمل في طياته بعض الاعتبارات للفضاء ولا شك فإن جميع النظريات هي وليدة زمانها، ولاريب فإن لا موضع للشك بأن هذا الشأن الخاص بالعلاقة ما بين المجتمع والمكان كان حافزه في جانبه الاكبر العمليات الاقتصادية ذات الصلة واعادة بناء المكان في اطار الاقتصاديات الصناعية المتقدمة. اعادة هيكلة المكان نتيجة للصدفة طرأ تطور على مناطق الانتاج، وارتبطت المناطق بعمليات التحضر والتصنيع وانشاء اسواق جماهيرية ومناطق استهلاك جماهيرية، وتم ترميز هذه المناطق لتصبح مختلفة عن مناطق التصنيع، وقد بدأت اشكال جديدة لتنظيم المكان بالظهور، واعطت بالمقابل دفعا لظهور اشكال جديدة من الامكنة السياحية وذلك مع التحول الكبير الذي طرأ على الحياة الصناعية على امتداد الاقتصاديات المتطورة التي بدأت في اعوام السبعينيات والتحول القطاعي الى اقتصاد الخدمات. ويلخص تحليل هارفي للاقتصاد السياسي للمكان الكثير من هذه التغييرات ببلاغة كبيرة. ويستحق ذلك الاعتبار هنا اولا فإن المواقع النسبية للاماكن في اطار النظام الرأسمالي طرأت عليها تغييرات وهذه الاماكن مثل المناطق الصناعية ليست آمنة في محيط هذا النظام الجديد، كما كانت في السابق. ثانيا، يعني انخفاض تكاليف المواصلات ان كلا الانتاج والتسويق هي الآن اكثر حراك فضائيا (مكانيا) مما كانت عليه من قبل الحالة ولذلك فإن فرص الاستثمار ليست مقيدة لمواقع محدودة. وهكذا فإن باستطاعة المستثمرين الاستفادة من الاختلافات في جودة المصدر والتكاليف ما بين مكان وآخر، ثالثا فإن ذلك يؤدي الى زيادة التنافس بين الاماكن على رأس المال المتحرك الى الحد الذي يجعل من نوعية الحياة في الموقع او في الحقيقة نوعية البيئة تكاد تكون العامل الحاسم في جذب الاستثمار الداخلي، من بين الاعتبارات الاخرى، واخيرا فإن انماط الاستثمار الافتراضي انتقلت الى بناء الامكنة لخدمة كلا احتياجات قطاع الخدمة من خلال بناء مساحات جديدة للمكاتب والتمهيد لصناعة عطلات متسارعة النمو ولقطاعات قطاعية. ويعود هذا القطاع الاخير الى تنظيم الاسواق المالية العالمية، والى استخدام تقنية المعلومات واصبح السعي وراء الفرص الاستثمارية الان على المستويين العالمي والدولي، وتعني سرعة انتقال المال والمعلومات حول العالم ان التصنيع الذي يخدم الآن الاسواق العالمية يمكن ان يستفيد من تكاليف الانتاج المنخفضة التي تعرض خارج نطاق الاقتصاديات النامية. والتصنيع ليس هو الوحيد الذي يواجه مثل هذه التغييرات نظرا لأن صناعات الخدمة ايضا بدأت في التمدد والسعي وراء اسواق في ما وراء الحدود القومية، وهكذا فان الاشكال الفضائية للعصرنة واجهت عددا من التحديات. لقد بدأنا في رؤية هذه العوامل، وقد جاءت لتلعب دورا في العلاقة بالسياحة، اذا فحصنا اعادة بناء مناطق المنتجعات والطبيعة المتغيرة للساحة الحضرية ونمو فضاءات استهلاكية سياحية جديدة. منذ ستينيات القرن الماضي يسجل الطلب على مناطق العطلات البحرية التقليدية في المملكة المتحدة تراجعا السنة بعد الاخرى نتيجة لاشتداد التنافس من المنتجعات الواقعة في حوض البحر الابيض المتوسط وهو نموذج يتكرر في اقاليم صناعية اوروبية اخرى وحتى في الولايات المتحدة، فقد شهدت الفنادق التي تقدم عطلات «شاملة» تراجعا كبيرا، وقد اضطرت مناطق المنتجعات التقليدية، امام تصاعد الرحلات الى البلدان الدافئة الى مواجهة الحاجة لاعادة بنائها ولاعادة تطوير نفسها وابتكار وسائل جذب جديدة للسياح. كما واجهت مخيمات العطلات وتطبيق الترشيد لانتاج واستهلاك العطلات هي بدورها تراجعا، كما كانت التغيرات استجابة للانماط المتغيرة لتفضيلات المستهلك، وطرأ تحول على النمط الاولي لصناعة العطلات، التي بدأت في العصر الفكتوري كنزهات يومية، وانتقلت في اواسط القرن العشرين الى ممارسة عامة لاخذ عطلة اسبوعين في اشهر الصيف وكان النمط السائد هو الاقامة في منازل مستأجرة وفنادق صغيرة او مخيمات واخذت تعني زيادة التكاليف مقرونة بزيادة استخدام السيارات الى عدم الارتباط بالمكان الواحد، واخذ الميل الاكثر نحو «افعل ذلك بنفسك» او الاعتماد على الذات في تصريف العطلات، وفي المملكة المتحدة ارتفعت نسبة الرحلات الداخلية، التي تعتمد على التصرف الذاتي، بنسبة في 18 في المئة في العام 1965 الى 63 في المئة في العام 1991، ولكن النمط في الولايات المتحدة كان مختلفا نوعا ما، فقد اظهر تراجعا ملموسا في رحلات عطلة الاسبوعين، وتعاظمت شعبية عطلات نهاية الاسبوع. ومع ذلك فإن السياحة الجماهيرية والاماكن السياحية الداخلية المتعصرنة لم تختف، بل اعيد توجيهها الى ساحل البحر الابيض المتوسط وغالبا لاسبانيا التي تمثل السوق الاوروبية واميركا اللاتينية ومنطقة الكاريبي بالنسبة لسوق اميركا الشمالية. وعلى الرغم من الاختلافات الوطنية او حتى الاقليمية فان الاتجاه الشامل يظهر تنوعا اعظم في انماط استهلاك العطلات. وادت زيادة شعبية العطلات الفصلية القصيرة على نحو خاص الى نشوء عزوف واضح عن المعيار المحلي للعطلات والتحول الى الاسواق المتنوعة والمجزأة. حين تتشابه الاماكن لقد حدد وليامز وشو 1997 بعض العناصر المهمة في هذه العملية وعلى الرغم من ان مثالهما مستقى من تجربة المملكة المتحدة، الا ان هذه الامثلة يمكن تطبيقها على اقطار اخرى واقاليم لها منتجعاتها الراسخة. ويجادل وليامز وشو في ان هناك ضياعا في التمييز بين الاماكن، ولذلك فقد بدأت المنتجعات تشبه بعضها بعضا من حيث العناصر التي توفرها. اما العنصر الآخر فكان زيادة في صيغ اخرى للجاذبية السياحية، مثل اشكال الترفيه والمتنزهات والخصائص التاريخية والمتاحف والتراث الثقافي الحضري، واصبحت السياحة الى بريطانيا منذ ستينيات القرن الماضي متزايدة، ولكنها اتجهت الى المدن بدلا من المنتجعات السياحية. واصبح الريف ايضا، الذي كان يعرف على انه نقيض المدينة يخضع لضغوط متزايدة بسبب تصاعد عدد المتنزهين فيه. ويعني التحول في نمط الاستثمارات العقارية المفترضة الى مزيج من العطلات الحضرية القطاعية ان مناطق المنتجعات قد هضم حقها. واعتمدت بناها التحتية على حركة الناس بواسطة القطارات، وعلى حقيقة انه لدى وصولهم الى المنتجع سيظلون في حدود الامكنة، وفي ضوء ذلك فإنهم غالبا ما تكون معرفتهم ضعيفة حتى يمكنهم مجاراة الانماط الاكثر تنوعا وحراكا لصناعة العطلات. وعلى الرغم من ان بعض المنتجعات تنحدر الى الانحسار النهائي فإن منتجعات اخرى تصبح اكثر قدرة على التكيف وتنويع مناطق الجذب السياحية او تبقى غير متأثرة بالتغيرات في الطراز. ولا تزال اماكن سياحية مثل بورنماوث وبلاكبول وبرايتون وتوركويه تناضل للحفاظ على تفوقها في عالم المنتجعات بالاتجاه الى التوسع في صنعة المؤتمرات. ان مثل هذه التوجهات لم تكن مقتصرة على منتجعات المملكة المتحدة وطرأت انماط مماثلة في اقتصاديات متقدمة اخرى. وعلى سبيل المثال فإن مدنا مثل نيوجيرسي واتلانتا سيتي التي تراجعت بدءا من ستينيات القرن الماضي اعادت تجديد نفسها في السبعينيات بادخال الكازينوهات التي نجمت عنها استثمارات داخلية مهمة وانعكاس لوضعها المتراجع (وزارة الاسكان الاميركية وتنمية المدينة 1995)، على الرغم من ان هذا التقويم المتفائل قد تعرض للتحدي، وباختصار فانه ضمن الاقتصاديات النامية للاماكن السياحية المعصرنة هناك تنوع في التهديدات. والتنافس لم يعد بين المنتجعات في السوق المحلية بل بين المنتجعات المحلية وتلك التي تقع فيما وراء البحار، وفضلا عن ذلك فان التهديد الآخر هو الذي تفرضه مدن واقاليم ما بعد الصناعة التي تقوم بتطوير سياحة تراثية وحضرية. احياء الاماكن الحضرية يعني الهبوط الصناعي الذي اصاب المناطق المنتجة للصناعة والاماكن التي شهدت نموا اقتصاديا في سبعينيات القرن الماضي ضرورة ايجاد اشكال جديدة من الاستثمار والتطوير وبات ينظر الى السياحة وسوق العطلات النامية كقطاع له القدرة على تنمية اشكال جديدة من النمو الاقتصادي. وادت الحاجة الى تنويع المصادر الاقتصادية الاقليمية والمحلية، وفقا للاسباب المطروحة سابقا، الى اعطاء دفعة لتنمية فضاءات سياحية جديدة، وتعتمد اعتمادا اوليا على مناطق الجذب السياحي الثلاثية الحضرية، وعلى الرغم من ان المدن الكبرى كانت دائما تجتذب السياح فإن العقبات الاكبر كانت تلك الخاصة بالمفهوم والصورة. وكان لابد من انتزاع العطلات من المراكز التصنيعية، وهكذا فان التقسيم ما بين فضاء العمل وفضاء العطلات الذي نشأ من خلال تفاضلية العصرنة كان بنفس القدر مفهوما ورمزا كما كان فعليا ايضا، ويشار الى ان فكرة الاماكن في المملكة المتحدة مثل برادفورد وسكنثروب ومانشستر، كانت كلها مرتبطة بالتصنيع والانتاج الصناعي، وكانت قطاعات منها نظر اليها بداية بعين الشك في ان تصبح مناطق تنمية سياحية. والواضح ان الفهم العام لهذه المناطق لم ينسجم مع تلك الخاصة بمنتجعات العطلات وكان التحدي هو قلب الموقف، وهي مشكلة تعاني منها معظم مدن الولايات المتحدة. لقد كان نجاح انشاء او ابتكار فضاءات الاستهلاك الجديدة هذه في حد ذاتها جزءا من سلسلة تغيرات اوسع، في ضوئها تخضع الحياة الحضرية لعملية اعادة تقويم في اطار كل البلدان الصناعية المتقدمة، واعتبارا من عقد الثلاثينيات من القرن الماضي وصاعدا اصبحت المدن الخاضعة لاقتصاديات تنموية بصورة متزايدة متشعبة حضريا، وهو تيار اكثر وضوحا في المملكة المتحدة وفي البلدان الناطقة باللغة الانجليزية مثل استراليا وكندا ونيوزيلندا والولايات المتحدة الاميركية وليس الاقطار الاوروبية الاخرى حيث عدم الثقة بالمدينة لا يتسم بالانتشار ولا بالحدة واصبحت الضواحي ملاذا للطبقة الحضرية الوسطى وبات الكثير من مراكز المدن متراجعا بصورة كبيرة. ولكن تدفق الطبقة الوسطى الى الضواحي في عقد سبعينيات القرن الماضي تعرض للانتكاس حيث بدأ الناس في العودة الى المناطق الداخلية في المدن وهي عملية احتلال الطبقة الوسطى مكان الطبقة العاملة وزيادة قيمة العقارات والتحول في البيئة المعمارية وظهور اسلوب حضري جديدة للحياة. ان اعادة التقويم هذه للحياة الحضرية تصادف اكتشاف او ابتكار حركات الحفاظ على البيئة الحضرية والتراث وظهور اتجاه ما بعد العصرنة في الهندسة المعمارية والتصميم وينبغي عدم التقليل من اهمية مثل هذه التطورات بالنسبة للسياحة، وعلى سبيل المثال فقد اوضح زوكن (1995 ـ 1998) كيف قادت عملية احتلال الطبقة الوسطى لمكان الطبقة العاملة الى تنمية فضاءات الاستهلاك الحضري الامر الذي بدوره ارتبط بصورة لامناص منها بأنماط جديدة للعطلات والسفر والتراث الحضاري. ومن بين المظاهر الاخرى التي لاحظها زوكين هي كيف ان هذا الاستبدال هو في جانب منه تعبير عن رغبة الطبقة الوسطى بالصدقية التي تؤكد على جمالية حضرية ذات صلة بالماضي، وتم تجديد العقارات القديمة بقدر الامكان لاستعادة رونقها القديم سواء من الداخل او الخارج وهو ما يمكن ان ينظر اليه كرد فعل ضد توحد الهندسة المعمارية لاواسط القرن العشرين (وهو الذي يشير به معظم الناس الى انه «معاصر») او حتى العصرنة ذاتها، ويمكن تعريف مثل هذه العمليات في الاماكن الريفية حيث مشكلة ملكية البيت الثاني وبيت العطلة اصبحت موضوعا مثيرا للجدل. وبدت العملية المتمثلة في انتقال الطبقة المتوسطة للسكنى في مناطق الطبقة العاملة في بعض مظاهرها تقدم حلا لمشكلات بورصة الاسكان المتآكلة لكن اعادة تقويم الفضاء الحضري اعطت نهوضا لفرص استثمارية في المدن. ولم يعد اجلال تجديد الاماكن التاريخية والمصداقية التاريخية سوى قضية اكثر ما يقال عنها انها محلية، واصبح هذا التجديد خلال عقد السبعينيات وامتدادا لعقد الثمانينيات الشكل الجمالي المهني في الهندسة المعمارية العامة وبالنتيجة اصبح لها تأثير على التصميم الحضري والادارة وهو ما اشير اليه بـ «اعادة تصوير المدينة» وتم ايضا اعادة تقويم الفضاءات الزائدة عن الحاجة مثل مباني المصانع والمخازن وما الى هنالك ليس فقط وفقا لمدى قابليتها الجمالية المكتشفة حديثا بل ايضا لفرص الاستثمار التي وفرتها لسوق السياحة والعطلات المتنامية. وكانت تلك ظاهرة اكتشفت في كل البلدان النامية، وتضمنت اعادة تطوير المدن الواقعة على الواجهة المائية مثل مدن الموانيء توفير فضاءات حضرية جديدة للعطلات والاستهلاك مثل تلك التي تأسست في ليفربول وبوسطن وتورنتو، التي في حالات كثيرة ربطت ايضا بتنمية وتطوير الاسكان. والواضح ان اكتشاف او اعادة تقويم الحضرنة التي بدأت كانتقال من الطبقة المتوسطة الى أماكن سكنى الطبقة العاملة كان لها الآثار العميقة ليس على نمط الحياة والتراث الثقافي في المدن فحسب، بل ايضا من حيث ما تقدمه من فرص لاشكال السياحة الجديدة. ان ما نشهده الآن هو ظهور اشكال جديدة لتنمية فضاءات مرتبطة بدورها بأشكال جديدة للاستهلاك التي تتضمن اعادة تقويم للفضاء الحضري واشكال جديدة للتفاضل الفضائي وبدأت فضاءات العصرنة للسياحة الجماهيرية والاستهلاك الجماهيري تفتح الطريق لوضع اكثر تنوعا وتجزءا وعلى الرغم من انه بامكاننا ادراك ان مثل هذه التطويرات هي مرتبطة بوضوح بالاقتصاد السياسي والحاجة الى التنوع الاقتصادي فإن سؤالا يقفز ليطرح نفسه فورا وهو: هل نشهد انتقالا من المتعصرن الى اشكال ما بعد المتعصرن للتنمية المتعلقة بالفضاء او المكان؟ المكان وعلم الجمال تمثل عبارة «مابعد العصرنة» في افضل الاحوال عنوانا مربكا، ان لم يكن متناقضا وحسب ليون فإنه يمكن النظر اليها كفكرة او تجربة تراثية ووضع اجتماعي او حتى خليط من كل هذه العناصر. ولن يفيد احد من دخول اكثر درجات الارباك كثافة التي تحيط غالبا هذا المعنى المتصارع، ويكفي لتطوير اغراض الجدليات هنا لايضاح بعض القضايا الرئيسية في علاقتها مع انتاج الفضاء. ويفترض الاصطلاح ذاته الانفصال عن الماضي. وبصورة عامة فان ذلك يستند على الرأي القائل انه فيما توصف العصرنة بسمات تفضيلية وتأصيلية للمعايير وللتسلسل الزمني لأفكار التذوق والحكم فان حالة ما بعد العصرنة هي حالة تتعرض فيها هذه السمات للتحدي او حتى لوضع عكسي، ولم تعد الاعراف والمعايير تقاس بأنها صحيحة او غير ذلك بل بأنها مختلفة ومتنوعة وبالتأكيد فإن هناك قضية لابد من اثارتها في اطار ميدان انتاج تراثي وذاك هو وصف دقيق لاتجاهات معينة، وينعكس مفهوم مابعد العصرنة ظاهريا او يفاضل ما سبقه. ويبدو واضحا بما فيه الكفاية نمو فضاءات سياحية جديدة تقوم بتدوير عناصرالماضي واعمال الثقافات الاخرى، مثل تلك التي تعرض في لاس فيجاس ومتنزهات ديزني لاند، ولم يعد المكان (الفضاء) يحكم بسلسلة من الاستخدامات والوظائف التي يتفاضل فيها مجال للعطلات عن مجال العمل. واستبدل هذا التراتب بنمط اكثر تجزئة او اقل رسمية من التفاضل المكاني وبدوره فقد نافس ذلك تغيرات مترادفة في انماط تفضيلات المستهلك التي يبدو في اطارها التنوع والاختلاف والانتقائية عناصر رئيسية، وسواء قبلنا هذه التغييرات ام لا كدليل على انطلاقة مرحلة جديدة فانه لايمكن استبعاد اهميتها من حيث الانتاج والاستخدامات للفضاء (المكان). ان ما يستدعي الاهتمام في هذه النقطة هو الوسائل التي يمتلك الفضاء فيها السعة لاستيعاب مجموعة من القيم التي يستقي الناس من خلالها الاهمية والمعنى، وان تسليع المكان الذي يعيد قيم التراث والموروث الثقافي لجذب الاستثمار وخدمة الاسواق السياحية قاد الى ما وصفته زوكين باقتصاد الفضاء الرمزي التي تصفه كالتالي: «يصور الاقتصاد الرمزي نظامي انتاج متوازيين يعتبران بالغي الأهمية بالنسبة للحياة المادية للمدنية، انتاج الفضاء بتضافر الاستثمار لرأس المال والمعاني التراثية وانتاج الرموز التي تبني عملة التبادل التجاري ولغة الهوية الاجتماعية». ان ما تلفت زوكين الانظار اليه هنا هي العلاقة البينية بين المادة والرمز بين الشكل الحضري للمعاني التي اشتقت منها ولكن قبل متابعة هذه المسائل باسهاب تفصيلي اكثر لابد من التوصل الى تعريفات اولية خاصة ازاء ما يكون الرمزي. وحتى يتم دفع الجدل هنا ستعرف الرموز على انها اشكال لتمثيل جماعي يعمل كنقاط مرجعية عامة حتى وان كان ذلك محصورا في مجموعات صغيرة، وهي في هذا المعنى ضمنية وان كانت ظاهرية ايضا. ان تعريف هوتيك من انت هو تماما اشبه بتعريف من الذي تختلف عنه، وللرموز ايضا معان متعددة اي انها تتسع لحمل سلسلة من الاختلافات، ان لم يكن من المعاني المبهمة، والمعاني المتناقضة. وعلى سبيل المثال فان رمز الحرية عند مجموعة قد يعني الظلم والاضطهاد عند مجموعة اخرى. وبهذا المعنى فإننا نؤكد ان الرموز أبعد ماتكون عن الحيادية وهي غالبا ماتكون محط نزاع او كما وصفها هارفي صراعات حول التمثيل التي يتم الصراع علهيا كما يتم الصراع على مصادر مادية. فالنظام الرمزي اذن هو بالتالي نظام اتصالات يحتوي على شكل مادي ويمكن تعريفه والتعبير عنه بأوضاع اجتماعية وتباينات. وعلى الرغم من ان الانظمة الرمزية هي اوضاع اتصالات فإنه لايمكن الحديث عنها كما في اللغات بل تميل الى القيام بوظيفة كنايات لغوية مكثفة التي يمكن الاشتقاق منها معاني مختلفة ذات تنوع. لنأخذ على سبيل المثال، النصب التذكارية، لقد بنيت في الغالب للتعبير عن قصد محدد، لتمجيد السلطة، وهو جانب جوهري من صناعة السياحة، وكما لاحظ ليفيغر فان هذه الامكنة تبدو كمجموعة احتمالات منها يمكن بناء قراءات جديدة: «افق من المعاني»: تعدد غير محدود من المعاني وانتقال مكانة يتحول فيها من معنى الى آخر وتندفع فورا الى المقدمة ويضيف ليفيغير «اقترح بأن الفضاء له دائما المقدرة على الاستخدام بهذه الطريقة وذلك لتحديد وتعريف الحدود والقيم لمجتمع ترمز في اشكال وصيغ رمزية على الرغم من ان مثل هذه المعاني ليست ثابتة او خالدة. ويزود التفاضل الرمزي ايضا صناعة السياحة بالمواد الاولية التي يمكن بواسطتها بناء الفضاء السياحي وبعد فان اهمية هذا المجال الرمزي ليس ببساطة قيمة مضافة او ذر السكر الناعم على «التورتة». وليس ايضا البناء الفوقي في المعنى الماركسي للكلمة كنتيجة للتغيرات الاقتصادية بل ان المجال الرمزي هو في حد ذاته عامل سببي متكامل. ونلاحظ مما اسلف ان عمليات اعادة تقييم الحفري هي في جانب اقتصادية ولكنها ايضا من جهة ثانية رمزية وتم التعبير عن نوعية الحياة الحضرية ذاتها من خلال انتقال الطبقة الوسطى للاقامة في اماكن سكنى الطبقة العاملة وعادة تقويم الاساليب المعمارية القديمة وتطوير فضاءات حضرية جديدة للاستهلاك وجاء كل ذلك ليرمز الى نظام حضري جديد. تحت سماء العولمة من المظاهر البارزة للسياحة نموها الواسع على المستوى العالمي، وكما يشير اليها هيلد فان السياحة هي واحدة من اكثر اشكال العولمة وضوحا. ومع ذلك تحتاج بعض الافكار بناء على ذلك لتعريفات اولية حتى نتجنب فقط الوقوع في التجريبية الساذجة بقبول العولمة كدليل ذاتي وحالة غير مثيرة للاشكاليات. وفيما نستطيع التعميم بالنسبة للعصرنة نستطيع ايضا ان نفعل ذلك مستفيدين من البصيرة وبعد النظر وحسب امين وثريفت (1994) فانه لا وجود لنظرية عولمة واحدة، بل هناك مجموعة من الاهتمامات التي تتضمن الزوال المظهري للحالة القومية واستبدالها بمؤسسات متعددة الجنسيات وانتشار تقنيات جديدة ووسائل اعلام الكترونية. وعلى الرغم من العبارات الحذرة هذه فمن الممكن على المستوى القاعدي تشخيص العولمة على انها زيادة في الاتصالات والارتباطات الاقتصادية والاجتماعية والثقافية وهو مايوجد الآن عبر الحدود القومية وهو ما يفرض اكثر فأكثر على الحياة اليومية للناس في انحاء العالم. ومن هذا الوصف المقتضب نستطيع ان نرى انه منذ اواخر عقد السبعينيات في القرن الماضي حدثت تغيرات عميقة لما يمكن وصفه بالنظام العالمي وبالمقابل نستطيع ان نرى ايضا كيف لهذه التغيرات صلة باعادة بناء الفضاء ان مايهم من حيث السياحة هو ان هذا التدفق العالمي للمعلومات ورأس المال والناس والثقافات يتحقق في اشكال مكانية اجتماعية محددة باعتبارها نموا لشبكة أمكنة جديدة وبروز فضاءات استهلاك جديدة. وتعد هذه مهمة بأسلوبين اولا تدويل المصالح والاعمال مثل الخطوط الجوية وسلسلة الفنادق والوكالات السياحية التي سهلت نمو السياحة الخارجية. ثانيا، تأثير التقنيات الحديثة في تسهيل حركة رأس المال والناس مثل تنمية الخطوط الجوية وانظمة الحجز الشبيهة بحجز الفنادق، ونقل صور الناس والامكنة عبر الاقمار الاصطناعية والانترنت، ولكن على الرغم من وجود عمليات عالمية واسعة النطاق نشطة هنا فان السياحة تخص المحلي والطبيعة المحددة للامكنة والناس والثقافات. ومن المظاهر الملفتة للانتباه فيما يخص العولمة التأكيد على الاقليمي والمحلي القاعدة من اجل التفاعل الاجتماعي والتركيز على كل من الهوية السياسية والاجتماعية. ومثل هذه العمليات يمكن النظر اليها ايضا لجمع اسلوبين مختلفين ظاهريا ومتناقضين جدليا، وفيما تتضمن العولمة زيادة التلاحم البيني وزيادة العمق الاقتصادي واتساع العلاقات السلعية فقد يبدو بأن المحلي يصنف تبعا لذلك في اطار اقتصادي اوسع، والآن وفي احوال كثيرة لايمكن نكران ان ذلك يحدث فعلا وبالمقابل فان ذلك يتصل بما وصف في الفصل الاول على انه ازاحة للمحلي وانتزاع العلاقات الاجتماعية من المكان والزمان، وبعد كل ذلك قد تبدو العولمة كاستمرار منطقي لمثل هذه التغيرات على ميزان جغرافي اوسع، وبعد فإن اعادة تقويم المكان لدرجة ما هو اعادة تأكيد للمحلي. وحافظت الاماكن على حالها وبقيت قيمتها لانها تجنبت النهب والخراب لاشكال العصرنة والنمو. ومن جانب آخر بينما لدينا نهوض في الصيغ العالمية للتنظيم الاقتصادي فمن جهة ثانية يظهر ايضا ان المحلي تعززت قيمته اذا لم نقل بات يتخذ درجة اعظم من الاهمية.