يعتبر تونج بو فنانا نشطا ذا مقام رفيع في نظر من سمعوا عنه، وبالنسبة لمن يعرفوه، فانه شخص يقدر بحق، كل لحظة تقدمها الحياة وفي نظر طلاب الفن فان سيرته المهنية تغلف العديد من التطورات الرئيسية في المشهد الفني التايواني التي شهدها العقدان الماضيان. يقول كيو شيهيونج، وهو مدرس يعلم الفنون التطبيقية في جامعة فيوجن الكاثوليكية ويفضل ان يشار اليه باعتباره فنانا يقول واصفا انطباعه عن الفنان تسونج بو «لقد تأثرت كثيرا في اول مرة شاهدت عمله «الخط المهتز» في متحف تايبيه للفنون الجميلة في عام 1984، فقد مثل ذلك العمل وحدة نقية في الشكل والمادة، مما حرر عقلي من الاعباء الايديولوجية. تحدثت القطعة عن نفسها ولا شيء اكثر من ذلك. وكان هذا النقاء قد اصبح منذ فترة طويلة مصدر استحواذ بالنسبة لفنان الحداثة هذا. يعتبر تسونج بو في الاوساط الفنية التايوانية قوة دافعة في تقويض الجدران التي كانت تحرس تقليديا المشهد الفني في الجزيرة. البعض وصفه بانه استاذ في فن التركيب، بينما يعتبره اخرون فنانا ادراكيا. وهناك اشخاص ايضا يعتبرونه خبيرا في المادة والشكل اما تسونج من جانبه، فيشبه عملية ابداعه للفن بركوب قارب في البحر، ويقول بهذا الخصوص: «أنا انجرف فوق الماء والفن هو المدينة الفاضلة التي يسكنها حنيني الى الوطن، وهو ليس بالشيء الذي يحتاج الى تعريف، ففي لحظات معينة، يكشف الفن عن نفسه لي وكل ما افعله هو انتهاز تلك اللحظة الزائلة». ونتيجة هذا النوع من الالهام قد تكون موضوعاَ قائماً بذاته أو تركيبة ثنائية الابعاد او عدداً من العناصر المختارة وضعت في فراغ معين، ومهما تكن النتيجة، فإن تسونج يقول انه يظل مبهوراً بعملية جمع المواد والاشكال معاً داخل فراغ معين بدون اية قيود. ويعلق كيو قائلاً: يملك تسونج ما يحتاج اليه في أنامله، فابداعاته يبدو انها تحتاج الى القليل من المجهود من جانبه، وكل ما يقوم به هو ابداع ما تتطلبه اللحظة منه، وهذا يتطلب، بالطبع تدريباً قوياً وسنوات من الخبرة، بالاضافة الى موهبة طبيعية. لكن الموقف الفلسفي للفنان يساعد ايضا، يمكن وصف فلسفة تسونج بأنها فلسفة ارتجالية بعض الشيء حيث انه يقبل العالم كما هو ويستغل كل لحظة الى اقصى درجة، وهو لا يبدع الفن كتعبير شخصي او لاقناع الناس برأي معين، فدافعه فني تماماً وبالتالي فإن النتيجة تكون رائعة بصرياً، ويؤكد كيو على ان أي تدخل شخصي في ابداع قطعة فنية معينة سيسبب قلقاً للفنان وتسونج يوافقه الرأي هذا. فالقلق يبرز عندما تدخل الافكار الى العملية الابداعية مما يهدد استقلالية الفن. ويؤمن تسونج بشكل حازم بالفن من اجل الفن واعماله المبكرة تعكس هذا الموقف بشكل قوي لدرجة انه كان يعتبر عادة فناناً اختزالياً. ومع تطور الفن لدى تسونج فإن البساطة والاحساس بالمكان التي ميزت اعماله الاولى لاتزال واضحة في أعماله، لكن «اللامبالاة» اختفت وبرزت مكانها رهافة الحس، ويشير كيو الى ذلك قائلا: «اعتقد ان هذا يعني ان تسونج اصبح اكثر ارتياحاً في ابداعه للفن، ولم يعد بحاجة الى ان يتجنب عمداً الوقوع في فخ العبودية للأيديولوجية»، وقد استغرق هذا الانجاز من تسونج فترة تزيد على عشرين عاماً من الدراسة المكثفة.كانت بواكير اهتمام تسونج بالفن قد ظهرت من خلال موهبة الرسم في الصفوف الابتدائية الأولى، ثم درس الفنون الجميلة في مدرسة فوشنج الثانوية للتجارة والفنون، حيث التقى بطلاب آخرين لديهم الاهتمام نفسه وفاز هناك بالعديد من المسابقات. وعلى الرغم من ان المدرسة كانت تعلم المذاهب الفنية الغربية مثل الواقعية والسريالية والانطباعية والحداثة، إلا ان ذلك لم يكن كافياً بالنسبة لهذا الشاب المتشكك في كل شيء والذي اعتبر البرنامج التعليمي الفني محافظاً جداً. وكانت رحلته إلى اسبانيا بمثابة منعطف في حياته ترك اثراً على مستقبل مسيرته المهنية، فقد انخرط هناك في أكاديمية سان فرناندو للفنون الجميلة في مدريد والتي كان قد تخرج منها كل من سلفادور دالي وبابلو بيكاسو. أما النجاح الحقيقي في حياة تسونج، فجاء بعد عودته إلى تايوان في عام 1980 عندما كانت البلاد على وشك ان تشهد انطلاقة اقتصادية هائلة. اعداد: ضرار عمير