تحتل حديقة بوينت لوك اوت مساحة شاسعة من الطرف الجنوبي لولاية ميرلاند الاميركية. ويتدفق الاميركيون باعداد كبيرة كل صيف للاستمتاع بالطبيعة الساحرة، التي تتميز بها الحديقة ذات الاشجار الباسقة والاراضي التي تعطيها الخضرة اليانعة. ولكن من يصدق ان هذا المكان كان ذات يوم معسكر اعتقال ضخماً فقد فيه اكثر من اربعة آلاف حياتهم في ظروف قاسية، ولا يزال العديد من هؤلاء يتجولون في ارجاء الحديقة. اشتهرت منطقة بوينت لوك اوت كمنتجع هاديء ورائع الجمال في اواسط القرن الثامن عشر. عندما اندلعت الحرب الاهلية قام صاحب المنتج ببيعه الى الحكومة التي كانت تزمع بناء مستشفى عسكري بالمنطقة. وسرعان ما تم تشييد مستشفى هاموند، الا انه تقرر استخدام المستشفى كمعتقل لاسرى الحرب من القوات الاتحادية. وتم اطلاق اسم كامب هوفمان على المعسكر، ولم تكن هناك ثكنات او زنزانات للسجناء الذين كان يتعين عليهم استخدام خيام تم نصبها وسط المعسكر. وعندما تزايدت اعداد المعتقلين قامت ادارة المعسكر بسحب الخيام، الامر الذي جعل السجناء يفترشون الارض ويلتحفون السماء ليلاً ويحتمون بظلال الاشجار نهاراً. ولان المعسكر كان يقع على ارض منخفضة وتكثر فيها المستنقعات تفشت الامراض بين الاسرى وبدأ الجدري والدوسنتاريا في حصد ارواحهم وتحول المعسكر الى ما يشبه المقبرة الضخمة. ومع ذلك تزايدت اعداد المعتقلين حتى بلغت العشرين الف معتقل ما جعل كامب هوفمان اكبر معسكر اعتقال خلال الحرب الاهلية. ورغم محاولات القوات الاتحادية اقتحام المعسكر واطلاق سراح الاسرى، إلا ان تلك المحاولات اصطدمت بصلابة القوات المدافعة التي تمكنت من احباط الهجمات المتتالية واستطاعت تشييد قلعة لينكولن بالقرب من المعسكر لاجهاض اي محاولات جديدة. وشهد العام 1982 بناء مستشفى داخل المعسكر لرعاية الاسرى. ومع انتهاء الحرب الاهلية تم هدم معسكر هوفمان، إلا ان بعض البنايات لا تزال قائمة تذكر بذلك الماضي البغيض، ولا تزال اشباح العديد من الاسرى تتجول في المكان ايضاً. ولا تسكن هذه الاشباح انقاض بنايات معسكر هوفمان فقط، ولكن كل المنطقة التي تحيط به ايضاً. ويحكي اشخاص عديدون عن التجارب الغريبة التي تعرضوا لها. ومن بين هؤلاء حراس الحديقة وزوارها ويدعى هؤلاء انهم شاهدوا الاشباح تتسكع في المكان. ادعى البعض ان الاشباح كانت تعترض سياراتهم وانهم شاهدوا اجساد الجنود الاسرى واستمعوا لاصواتهم. وما يثير الدهشة تلك التسجيلات الصوتية التي قام بعض كبار الباحثين وطاردي الاشباح بتسجيلها على اجهزة تسجيل عالية النقاء. قال كبير الحراس في العام 1970 كنت اجلس قبالة نافذة منزلي الذي كان يتوسط الحديقة عندما شاهدت شبحاً لشاب في مقتبل العمر عبر زجاج النافذة. وعندما اسرعت نحو الخارج لم أجد له اي اثر. واكد احد الحراس انه شاهد شبحاً لامرأة يقف اعلى درج المنزل. زارت مجموعة من الباحثين الحديقة العام 1965 ورصدت اصواتا لاشباح وشاهدت الابواب والنوافذ المغلقة وهي تنفتح فجأة وسمعت شخيراً يأتي من جهات مختلفة داخل المنزل الذي كانت تسكن فيه ـ وقال احد هؤلاء الباحثين: شاهدت شبحاً لجندي يجلس بالمقعد المجاور لمقعدي داخل السيارة وعندما اوقفتها اختفى الشبح فجأة. لقد كان يبتسم وهو ينظر نحوي. لم تستمر امجاد فيرناس تاون الاميركية سوى بضع سنوات، الا ان هذه القرية الصغيرة اصبحت جزءاً من الوجدان الشعبي لسكان المنطقة. بدأت شركة ميرلاند للحديد والصلب تشغيل مصاهر ناسا وانجو للحديد العام 1832، وكان المئات يعملون بتلك الشركة ليل نهار. كانوا يخرجون خام الحديد من المناجم وينقلونه الى المصاهر ثم يحملون قضبان الحديد الصلب الى الميناء النهري لنقلها لمختلف انحاء البلاد. وكان من بين هؤلاء مجموعة من العبيد الذين كانت توكل اليهم معظم المهام الخطرة. وكان من بين هؤلاء عملاق اسود يدعى سامبسون هات. قامت الشركة بشراء كل الاراضي التي تقع عليها قرية فيرناس تاون وازدهرت اعمالها، الا انه ومع احتدام حدة المنافسة بين شركات الحديد والصلب اعلنت الشركة إفلاسها في العام 1933 واعلنت عن نيتها بيع القرية التي تحولت الى مدينة صغيرة. وبالرغم من ان قائمة المبيعات كانت تشمل المصهر وقصراً جميلاً ومنازل العمال ومستودعاً والارض التي تقوم عليها المنشآت، وبالرغم من ان السعر المطلوب لم يكن مرتفعاً الا انه لم يتقدم احد للشراء الا في العام 1937 حيث قرر توماس سبنس القانوني واسع الثراء وزوجته شراء المدينة الصغيرة. وقرر عدد من العمال البقاء في المدينة التي تحول اسمها الى بوكوموك فورست. وكان من بين هؤلاء سامبسون هات. ويبدو ان الصفقة قد كلفت الزوجين الكثير من الاموال حتى فقدا كل ثروتهما بعد عشر سنوات فقط. واضطر سبنس لإغلاق المصهر بعد ان انفق كل ثروته ولم يجد العمال امامهم سوى خيار البحث عن عمل في مكان آخر. رحل العمال وبقى سامبسون هات الذي رفض مغادرة المدينة. ظل الزنجي العملاق بحرس المدينة وهو يعيش على الكفاف ونسيه الجميع. وبالرغم من انه لم يكن يتعامل كعبد طوال عشرين عاماً، إلا ان سامبسون نال حريته بعد توقف الحرب الاهلية وظل يقيم بالمدينة حتى فاضت روحه بعد ان تجاوز عمره مائة وسبعة اعوام. وكان اصدقاء سامبسون وجيرانه يعلمون ان الرجل قد شدد، قبل وفاته على ضرورة دفنه في المدينة الصغيرة، الا انه وبسبب مجهول لم يتم تنفيذ تلك الوصية وتم دفن سامبسون في مكان آخر ولكن شبح سامبسون لا يزال يحرس المكان ويتجول في هدأة الليل في الازقة الضيقة المعتمة. وبعد ان هجر السكان مدينة بوكوموك فورست واندثرت معالمها وتحولت الى ارض منفرة وموحشة ينعق البوم على اطلالها لا يزال سامبسون يتجول بين البنايات المهدمة حتى بعد ان قامت عائلة فوستر الثرية بشراء المدينة العام 1962 ومنحتها لجمعية ورشستر كاونتي للتاريخ التي اعادت ترميم البنايات وحولت المدينة الصغيرة الى متحف. وبعد مضي كل هذه السنوات لا يزال شبح الزنجي سامبسون هات يحرس المدينة. وشاهد عدد كبير من زوار المدينة شبح رجل اسود عملاق يتجول في الشوارع وكأنه يتمسك في البقاء بالمكان الذي عاش فيه اجمل سنوات عمره واوصى الجميع بضرورة دفنه على ارضه. وقد يكون سامبسون قد حقق ما اوصى به. وبالرغم من ان كل من عاصر تلك الفترة اكد ان الزنجي العملاق لم يدفن بقرية فيرتاس تاون، إلا ان الرجل لم يفارقها حتى اللحظة. مأمون الباقر