من الخسارة ان يعارض حزب العمل مبادرة رجال اليمين، بمن فيهم النائب اوري ارييل، للتحقيق فيما يسمونه «جرائم اوسلو». فمثل هذا التحقيق يمكن له مثلا ان يظهر لماذا بعد تسع سنوات ، من وعدهم بأن نخرج من غزة، فان الموقعين على الاتفاق يجلسون في حكومة تعرض للخطر حياة جنود الجيش الاسرائيلي وتخصص مئات الملايين من الشواقل من صندوقها الفارغ للدفاع عن ألف عائلة يهودية في القطاع.كان من المثير للاهتمام سماع كيف يمكن لشمعون بيريز ان يفسر قرار حكومة رابين سحب الاقتراح الذي طرح منذ العام 1994 باخلاء مستوطنة «نتساريم» فورا. كما يمكن الاستيضاح لماذا لجأت ذات الحكومة، بدلا من اخلاء مستوطني الخليل في أعقاب المذبحة التي ارتكبها باروخ غولدشتاين، الى طرد التجار الفلسطينيين من سوق الجملة. وهذه فرصة لسؤال وزير الدفاع، بنيامين بن اليعازر، الذي كان عضوا هو الآخر في «حكومة اوسلو»، لماذا امتنع عن القاء رفاق غولدشتاين ممن اجتاحوا الدكاكين المهجورة الى الخارج. محققو اوسلو كانوا سيكشفون بسهولة ان نقطة الضعف الاساسية لاتفاقات اوسلو وما تلاها من اتفاقات، هي الخوف من اولئك المطالبين اليوم «بتقديم مجرمي اوسلو الى المحاكمة». فالحقائق التي فرضت على الارض في المناطق منذئذ، انطلاقا من الحرص على أمنهم، ورفاههم، وبرك السباحة والخس عديم الدود، التابعة لاوري اريئيل ورفاقه هي تصريحات نوايا أقوى بأضعاف من الأحاديث المغفلة عن «التنازلات الأليمة». يجدر بنا ان نعرف انه في نظر الفلسطينيين فان «مجرمي اوسلو» هما أبو مازن وأبو العلاء، اللذان ساهما في سبتمبر 1993 بالاتفاقات التي سوغت بالصمت استمرار مصادرة الاراضي في المناطق. ففي اتفاق اوسلو، وفي كل الاتفاقات التي رافقته، لا يوجد أي بند يعرقل اسرائيل من مضاعفة عدد المستوطنين منذئذ. واتفاق اوسلو (ب) لا يقرر سوى ألا «يبادر ولا يتخذ أي طرف أي خطوة كفيلة بتغيير مكانة الضفة والقطاع قبل نتيجة المحادثات على التسوية الدائمة». وعليه، فليس لشمعون بيريز، أو حتى لجورج بوش، مبرر رسمي لمطالبة شارون بتجميد المستوطنات. وبالمقابل، فان الاتفاقات تلزم السلطة بحماية المستوطنين الذين يسيطرون على اراضي الفلسطينيين. وفي هذه الحالة فانه لا فرق بين اولئك الذين أرسلتهم حكومة اسرائيل ومدركي الحدود الذين تغض الحكومة النظر عن أعمالهم المنفلتة العقال. الرأي الصائب يقول ان التحقيق في اوسلو كان سيشير الى اخفاق أساسي في المفهوم الأمني لاوسلو. فالقرار بابقاء المستوطنين الأكثر تطرفا الى جانب متزمتي الاسلام «لفترة اختبار» من خمس سنوات كان مثابة رصاصة البدء بحرب رعاة مجنونة. وحتى قرار عرفات التعاون مع اسرائيل في الكفاح ضد الارهاب لم يحسن وضع الفلسطينيين. وهم سيعثرون في أرشيفات الصحف على الثناء الذي أغدقه رئيس جهاز «الشاباك» وقادة الـ سي.آي.ايه (المخابرات الامريكية) في العام 1999 على اجهزة الأمن الفلسطينية. وحتى رئيس الوزراء في حينه، بنيامين نتانياهو، روى بأنه شكر عرفات على مساهمة قواه في احباط عملية كبرى خططت لها حماس. درج نتانياهو على التباهي بالهبوط الدراماتيكي لعدد العمليات، والذي بدأ في سنوات ولايته. والباحث المبتديء سيكتشف بأنه بالفعل منذ اضطرابات النفق في سبتمبر 1996، بداية حكمه، تمتع نتانياهو بالهدوء النسبي. وماذا كان أجر الفلسطينيين؟ المزيد من المصادرات، المستوطنات والطرق. إيهود باراك، الذي اعتبر في نظر المستوطنين سليل «مجرمي اوسلو»، سجل في صالحه في سنة بدايات بناء أكثر من نتانياهو. وهو يشرح بأن الحديث يدور حول «عنزات» سرعان ما تخلى. لا ينبغي للمرء ان يكون موسوسا فلسطينيا كي يعجب كيف يمكن استثمار الملايين لتطوير القرى والطرق من اجل عنزات. لا حاجة الى لجنة تحقيق بغية القول بأن شيئا في الدنيا - بما في ذلك المستوطنات غير القانونية - لا يمكنه ان يبرر قتل المدنيين الذين لا حول لهم ولا قوة. ومن جهة اخرى، من المثير للاهتمام الاستيضاح لمرة واحدة لدى النائب اريئيل ورفاقه، كيف كانوا سيتصرفون لو تبين لهم ان «مجرمي اوسلو» العرب استوطنوا حديقتهم؟. عن «هآرتس»