على خطى الاقتصاد العالمي، تخضع الاستراتيجيات الأمنية الآن لعملية عولمة خاصة بها حيث تتحول جميع الحدود السياسية للعالم الى شيء ضبابي جدا، وغير واضح، بدءا من اللحظة نفسها التي تجاوزت فيها الاقتصادات القومية كونها اقتصادات مستقلة على الارض الى اقتصادات تمر بالمعرفة او المعلوماتية وبطريقة مشابهة فان المسائل الكبرى المتعلقة بالامن تتبدل بدورها بشكل ملحوظ، وعلى نحو متزايد نترك وراءنا عالما كانت الامم تجابه فيه بصفة فردية، اعداء مؤكدين، ونتوغل في عالم اخر مختلف تتخذ تهديداته دائما طابعا عالميا، ومنذ الايام التي انشئت فيها انظمة الصواريخ البالستية، تحول مداها الى عنصر استراتيجي لا يقل أهمية عن نطاق انتشارها الاقليمي. وهذه ظاهرة جدية عمليا في حالة الارهاب، وهي قادرة على بلوغ اهداف بابعاد هائلة وبدون علم مسبق. وبما ان الارهاب مسألة ذات صبغة عالمية، فان الاستراتيجيات التي تنشأ لمحاربته يتعين ان تكون عالمية ايضا. لذلك يجب على الأمم في مواجهتها لشبكة «القاعدة»، المنظمة غير الخاضعة لأية دولة أو تشريع، ان تتواصل الى فهم انه من اجل حماية نفسها ضد تهديداتها، فمن الضروري ان توجد بهذا الخصوص مسئولية ذات نسق جماعي، سواء على الصعيد الوطني أم على الصعيدين الاقليمي والعالمي. وهذا شيء يجب تطبيقه ايضا في حالة الشرق الاوسط، وهي منطقة تواجه حاليا تهديدات جديدة تنبع من استخدام اسلحة التدمير الشامل الحديثة، وبدأت تعاني من التأثيرات المفيدة التي تتحملها العولمة الاقتصادية، فهذا الجزء من العالم طافح بالصواريخ البالستية، حيث بدأت الامم التي تكون الاقليم في تجهيز نفسها بتسلح غير تقليدي، ليس كيماويا او بيولوجيا فحسب، وانما هي تنوي ربما في المستقبل القريب تجاوز ذلك. وحضور خلايا ارهابية هنا ذات بعد فوق قومي يجعل نشاطاتها في الشرق الاوسط تفترض تهديدا عالميا اكبر بكثير من مجرد مشكلة اقليمية بسيطة. هذا هو السبب الكامن وراء انشاء تحالف دولي، هدفه البحث عن طرق لحل مشكلة الشرق الاوسط، ولقد عقد رباعي الشركاء العالميين، المشكل من الولايات المتحدة والاتحاد الأوروبي وروسيا والأمم المتحدة، عدة اجتماعات في الاشهر الاخيرة وليس مستبعدا ان يتحول هذا الرباعي الى هيئة رسمية. وكذلك اعلن الرئيس جورج بوش من جانبه انه سيعلن قريبا عن خطة محددة تسمح باعادة احياء عملية سياسية تفضي الى حل للازمة. ولقد وافق الشركاء الأربعة الذين يشكلون هذا التحالف الدولي على ان تضطلع الولايات المتحدة بالزعامة، في الوقت نفسه الذي اعترفت واشنطن بضرورة ان تلعب الاطراف الثلاثة الاخرى المشاركة بذلك الاتحاد ادوارا رئيسية في هذه العملية، فالحرب الباردة التي تغذت كثيرا من صراع الشرق الاوسط انتهت وكنتيجة لذلك يرغب الشركاء الاربعة بشكل حاسم بالحيلولة دون اي نوع من التوتر، بالوضع الحالي للمنطقة. ولا تلتقي مصالح هؤلاء الشركاء الاربعة في الشرق الاوسط في مجرد المساعدة التي ينوون تقديمها للعرب او الاسرائيليين، بل على عكس ذلك تماما، تأتي كنتيجة مباشرة لضروراتهم الاستراتيجية الخاصة بهم وهذا شيء يجب ألا تنساه اسرائيل ولا العالم العربي. ويتمتع هذا التشكيل الرباعي الذي لا يزال محط نقاش بامكانيات لا تنكر وبقولي هذا فاني لا اشير الى قدرته العسكرية بالضبط او استعداده الجيد لارسال قوات، ذلك ان القوات المسلحة ضرورية لكسب الحروب او لضمان اتفاقات سلام، لكن جيشا لا يستطيع بأي حال، ان يحل مكان إتفاق، ولا يستطيع السيطرة على اي وضع لا اتفاق فيه، فالمجتمع الدولي يستطيع ممارسة تأثيره عن طريق توسيع نطاق، او التنصل من مساعداته السياسية والاقتصادية او من خلال تحديد دقيق لمستوى الشرعية التي يمنحها لكل دولة او كيان، وهكذا على سبيل المثال، كان بامكانه القيام بذلك بادراجه او شطبه لأية دولة او كيان من قائمة رعاة الارهاب. يعد الاقتصاد الاسرائيلي في يومنا هذا نصفه عالمي «وهو الجزء الذي يعمل بدون ان توقفه الازمة التي تعاني منها اسرائيل، ونصف اخر وطني وهو الجزء الاسير من اقتصادها المتأثر بالوضع الامني الراهن، وبطريقة مشابهة سيتعين علينا ان نعود انفسنا على فكرة انه عند الاشارة الى البيئة الدفاعية الاستراتيجية سيكون على اسرائيل العمل انطلاقا من بعض الاوضاع التي هي بدورها عالمية جزئيا ومحلية في جانبها الاخر. لذلك فان على دولة اسرائيل المشاركة في كل انواع التحالفات ضد التهديدات العالمية وتوظيف قوتها العسكرية في الوقت نفسه لحماية نفسها ضد اعدائها الخاصين بها. وترتبط عولمة الاستراتيجيات الامنية هذه بالشرق الاوسط على وجه الخصوص لأنه في ميدان هذا الصراع لن يكون هناك أبدا طرفان متورطان فقط، ذلك انهم سيكونون ثلاثة دائما فهناك الاسرائيليون والفلسطينيون والرباعي العالمي المشارك، وهذا يعني ايضا ان اسرائيل تحتاج الى التوصل الى فهم مصالحها الخاصة مع الرباعي المذكور، فالارهاب ظاهرة تعرقل بشكل ملحوظ اقامة سلام حقيقي مع الفلسطينيين والعالم العربي. وفي كل مرة ترفض مجموعة فلسطينية عملية السلام، او تنفذ هجوما بالقنابل او باطلاق النار، فان مصداقية قضيتهم تضيع، فلقد وصلت دول مثل مصر والاردن الى اتفاقات سلام مع اسرائيل من دون الحاجة للجوء الى الارهاب واستلموا مقابل ذلك مياها واراضي. ولقد هيأ الفلسطينيون انفسهم لفرصة اقامة دولتهم الخاصة بهم، لكن رفضهم للعرض الذي اعطي لهم في كامب ديفيد انتهى الى تدمير الثقة والنية الحسنة. ومع ذلك فان من الممكن ان نكون في السياق الجديد الذي يقترحه الشركاء العالميون الاربعة وتحت زعامة الرئيس الأميركي جورج بوش، قادرين على تجديد جهودنا في سبيل بلوغ السلام، على ان نكون قادرين على الدفاع عن انفسنا في مواجهة التهديدات الجديدة التي تتربص بنا. وفي هذا السياق، يحتاج الطرفان المنغمسان في الصراع الى مساعدة هؤلاء الشركاء العالميين لتجاوز التراجعات السياسية الراهنة التي يكابدانها، والتي يدفع كل من الشعبين بسببها ثمنا باهظا جدا. واذا كنا قادرين على العودة الى طاولة المفاوضات، فنحن قادرون ايضا على اقامة دولتين تتعايشان بسلام، وتتمكنان من تدبير امورهما بعمق في اطار هذا الاقتصاد العالمي واشاعة الازدهار. ترجمة: باسل ابو حمدة عن «الموندو» اسبانيا