في كل صباح تتجمع مئات الحافلات والجرارات المكتظة بالركاب في سهل مغبر بالقرب من مدينة بيشاور الحدودية في باكستان، وهناك يقوم عدد كبير من العاملين بمفوضية شئون اللاجئين التابعة للامم المتحدة بتسجيل اسماء الواصلين الجدد، وهم لاجئون افغان عائدون الى وطنهم، وارسالهم في طريقهم الى افغانستان عبر ممر خيبر. ويحمل هؤلاء اللاجئون معهم امتعتهم وممتلكاتهم الهزيلة التي ربما يكون اثمن ما فيها القوائم الخشبية واطارات النوافذ. فقد قام هؤلاء بهدم بيوتهم الطينية في باكستان لاستخراج الخشب منها، فالخشب غال، والقوائم والدعائم الخشبية تستحق ان تحمل للوطن لبناء بيت جديد. وتعتبر عودة اللاجئين الافغان من باكستان وايران من اكبر واسرع الهجرات الجماعية في التاريخ الانساني فخلال اقل من ثلاثة اشهر احصت مفوضية شئون اللاجئين اكثر من 920 الف عائد، اضف الى ذلك العدد مئات الألوف من العائدين والمهجرين الذين يتم تسجيلهم. ولايزال هناك ثلاثة ملايين لاجيء افغاني على الاقل يعيشون حتى الآن في ايران، وباكستان، لذلك فإن الهجرة الجماعية ربما تستمر لعدة شهور اخرى هذا في حال حافظت افغانستان على حالة السلم النسبي الحالية واستمرت في توفير الفرص الاقتصادية لابنائها. وهنا تكمن المشكلة فاللاجئون العائدون في ايران وباكستان الذين يعبرون الحدود متفائلون. لكننا قمنا بزيارة قرى تعج بالعائدين بالقرب من منطقة باميان حيث تدنو الامكانيات الاقتصادية هناك من الصفر حيث يعيشون في الخيام ينتظرون بفارغ الصبر وصول مواد الاغاثة من مفوضية اللاجئين ووكالات الاغاثة الاخرى لبناء منازل جديدة على انقاض قراهم. ومن المفاجيء حقا ان عدداً كبيراً من هؤلاء العائدين حوالي 40 بالمئة يتجهون الى العاصمة كابول المكتظة بالسكان ويلتقي المرء بالعديد من الشباب الافغان العائدين من ايران، فهم عمال بناء وعمال مصانع يرتدون ملابس عصرية، وهم ذاهبون الى كابول. لكن هل سيجدون فرص عمل في انتظارهم هناك؟ كيف سيكون تأثيرهم الاجتماعي على افغانستان؟ كانت الامم المتحدة قد خططت لعودة 800 الف لاجيء على مدار العام الحالي لكن عدد العائدين تجاوز ذلك الحد بكثير، وتواجه وكالات الاغاثة ضغوطاً غير عادية لتلبية احتياجات العائدين ومجتمعاتهم ومليارات الدولارات التي تعهدت الاطراف الدولية في فورة سقوط طالبان لم تظهر كلها بعد. وتعاني مفوضية شئون اللاجئين الآن عجزاً بقيمة 92 مليون دولار من ميزانيتها البالغة 271 مليون دولار لافغانستان لعام 2002 كما اضطر برنامج الغذاء العالمي ايضا الى تقليص كميات الطعام التي يوزعها بسبب العجز المالي. وكذلك فإن برنامج التنمية التابع للامم المتحدة لم يحصل بعد على موافقة الحكومة ودعم المتبرعين ليقوم بمهامه كما ينبغي. وقد تكون افغانستان اصعب مهمة لإعادة بناء بلد في تاريخ مجتمع الاغاثة الدولية وهناك خوف كبير من انزلاق البلد مجدداً الى الحرب الاهلية المرتبطة بالاثنيات او ان تبقى منهكة اقتصادية واللاجئون العائدون الآن سيبقون تحت وصاية المجتمع الدولي او يصبحون لاجئين مجدداً. وفوق ذلك فإن الازمة التي سببها الجفاف في افغانستان لم تنته بعد، ومع امكانات تحسن الانتاج الزراعي في جزء كبير من الشمال الافغاني هذه السنة افضل من السنة السابقة فإن الجنوب لايزال يعاني من جفاف كارثي وسيحتاج البلد لكميات كبيرة من الاعانات الغذائية لسنة اخرى على الاقل.ادارة بوش ترى الازمة في افغانستان على انها في جوهرها ازمة سياسية وعسكرية في سياق الحرب العالمية على الارهاب، بالطبع هذا صحيح.لكنها ايضا ازمة انسانية. وحتى الساعة، فإن الاستجابة الدولية للازمة السياسية والعسكرية كانت اسرع بكثير من استجابتها للازمة الانسانية. ومن الواضح ان مزيداً من التأخير في اعانات اعادة البناء سوف يعرض حياة الناس للخطر ويهدد الاستقرار السياسي للبلد، ويجب على المجتمع الدولي بقيادة الولايات المتحدة ان يوفوا بوعودهم للشعب الافغاني. ترجمة : علي محمد عن « واشنطن بوست»