من بداياته التي اختلف عليها المؤرخون الا ان الخط العربي ما زال ذلك الوعاء الجمالي الحامل للحكمة والشعر والمقولات، وحينما برع الخطاطون العرب في تمييز انواعه واشكاله ، وفندوا فيه جملة منها اشتهرت وراجت الا ان الخط ايضا لم ينكفئ على نفسه، ومثلما قفزت الى الوجود القصيدة الحداثية حينما حاول الشعراء فك القيود الكلاسيكية عن ابداعاتهم قفز فن الحروفية الى اللوحة البصرية، وتحولت تقاليد الحرف والخط الى عالم اللون والشكل، وجاء التجريد ليحيل الاثنين الى ضربة بصرية ترسل اشاراتها ودلالاتها في كل اتجاه امام المتلقي. اليوم تحمل اللوحة الحروفية الحداثية النص القرآني والحديث الشريف واقوال العرب، وتحمل معها ايضا نبض مبدعها لتصبح الشبكة اكثر تعقيدا ووضوحا في الوقت نفسه.. وتبقى لوحة الخط العربي ذات الخصوصية والاشارة الرامزة التي تعبر الى قلب المتلقي وذهنه وروحه، تحيي ذلك الفضاء القريب او البعيد بينها وبين هذا المتلقي، لينتصر صاحب ذلك الخط الذي طوح بالانحناءات، والانكسارات الحادة في حروف الكلمات الى ذلك المدى البعيد والشاسع.. فيحدث البصري الفريد القابض على لحظات السكون والحركة.. تراودك هذه الاختلاجات حينما تدلف الى معرض الخطاط النجفي حسن مسعودي الذي يقدم الآن في معرض «هنر جاليري» بدبي ما يزيد على ثلاثين لوحة حروفية تجرد فيها حرف العربية من اعبائه الكثيرة لينطلق الى ذلك الفضاء البصري المؤسس للدلالات التي تتراكم امام عين المشاهد.. حروف في كلمات شعرية، وحروف في الحكمة والمواويل. وفي بحث اخر كما يقدمه صالة «هنر جاليري» انه ربط بين الشرق والغرب والماضي والحاضر، التقليدي والحديث بألوانه وتكويناته وضربات الفرشاة العريضة التي تحكمت باتقان في مد وجزر تلك الالوان، ومنمنمات خطية تقفز من حالة الثبات الى حالات التحرك، انها محاولات التقاط اللون للتخلص من حبس تلك الفرشاة الغليظة العريضة.. حينما تلقى النظرة الاولى على لوحات الخطاط مسعودي تدرك مدى السرعة التي تم فيها ايصال الشحنة في الحرف من طرفه الاول الى منتهاه، يصاحبك في هذا المسير روح مبدعة تضغط بغزارة اللون عند الاطراف وتبخل عليه في القلب.. ان هذه النظرة الاولى هي المفتاح الذي يأخذك الى ذلك العالم الروحي وهو ايضا الذي ينقلك الى محطات بارزة في الحضارة الاسلامية والعربية، انه التاريخ وتاريخ التراكمات، بين العربية الناقلة للعقل والروح العربية وبين اللون في الطبيعة وخارجها وبين الانسان في حركة تلك الفرشاة العريضة. في تقديم صالة «هنر جاليري» نقرأ عن اعمال حسن مسعود من تحت الفرشاة الغليظة التي نجحت تأثيرات ماتيس وخطوط بيكاسو القوية والتنفس في حروف صغيرة تنطلق في دوائر هلامية، وفي آخرها تلف على شكل دائرة سريعة لتثبت براءتها من الهندسة لكنها هي خفة الحركة. في هذا الفضاء الروحي في التعامل مع الحرف وفي التضاد المعاكس من خلال اطلاق تجريدية الى تشظياتها المطلقة من خلال الحركة يقدم الخطاط حسن مسعودي في معرضه ومن خلال الثلاثين لوحة سيرة روحية لحروف العربية وحكمتها وشعرها.. عمل المسعودي خطاطا منذ العام 1961 في بغداد وتعلم الاساليب الخطية الكلاسيكية اثناء الممارسة، ثم تعرف على كبار الخطاطين كخطاط بغداد هاشم البغدادي وخطاط اسطنبول الشهير حامد الآمدي، وفي العام 1981 الف كتابا عن الخط العربي الكلاسيكي باللغتين العربية والفرنسية. اقام العديد من المعارض الدولية داخل وخارج الوطن العربي وحصل على العديد من الجوائز.. كما اسس مدرسة للخط اسماها مدرسة مسعودي اختصها باسلوبه الذي برع فيه. افتتحت معرض الخطاط حسن مسعودي في معرض «هنر جاليري» منى المري المدير التنفيذي لنادي دبي للصحافة يوم الاثنين الماضي، ويستمر المعرض لغاية 27 يونيو الجاري..