لكي يرقى أي مجتمع وتسلم أسسه الأخلاقية والاجتماعية لابد من بناء ثقافة تبقيه في خط الصعود وتقيه عن شر الهبوط والتراجع، ولابد من كون تلك الثقافة جامعة مانعة، تجمع كل ما يُعنى ببنائه، وتمنع عنه كل ما يساهم في هدمه، وتتطلب تلك الثقافة أياد تعمل ليل نهار، تذكر هذا، وتنبه ذاك، وتحذر هذا، وتمنع ذاك، بأساليب تبقى متحضرة بتحضّر العصر. ومن تلك الأساليب التي أثبتت نجاحها في حقل تقويم الأسر واصلاح خللها والعمل على مواطن الضعف لحين تقويتها وايصال الغريق منها الى شاطيء الأمان، الرسائل الارشادية والعبارات التوعوية والتي تتمثل بـ «خير الكلام ما قلّ ودلّ» مع ملاحظة كون صياغتها سهلة ومفرداتها مفهومة وعباراتها واضحة كي تصل الى المتلقي بشكل سليم وتؤثر فيه وتجعله يستجيب ويترجم ذلك الى واقع تعيشه مجتمعاتنا بكل ترابط وتكافل وصلاح، وعدم تجاهل دور وسائل الإعلام المختلفة في نشر تلك الرسائل والمتهمة أصلاً في تقصيرها بنشر تلك الرسائل الارشادية والتوعوية. وللوقوف على أهمية تلك الرسائل ودورها في تقويم خلل بعض السلوكيات، كان لـ «دنيا الناس» هذه الوقفة. وللوقوف على أهمية تلك الرسائل ودورها في تقويم خلل بعض السلوكيات، كان لـ «دنيا الناس» هذه الوقفة.. تقول وداد ناصر لوتاه (موجهة أسرية) بمحاكم دبي: للرسائل التوعوية دور كبير في نشر الثقافة والوعي الصحي وفي تصحيح الكثير من المفاهيم الخاطئة عند الناس، وأرى ان قراءها ينقسمون الى قسمين، الأول هم المهتمون بزيادة معلوماتهم واثرائها، فتراهم يتابعون كل ما ينشر في وسائل الإعلام المختلفة مقروءة كانت أم مسموعه أم مرئية، وقسم لا يهتم بها فهو لا يبحث عنها ولا يعنيه شأنها إن صادفته، أما بالنسبة لنشرها في وسائل الإعلام فهي مظلومة بشكل كبير عند من يقومون بنشرها، وبالنسبة لتلك الجهات التي ترفض التعاون معنا في سبيل نشرها، فالمشكلة أكبر ولنتحدث حالياً عن الذين يتعاونون معنا ويقومون بنشر ما نرسله اليهم من رسائل توعوية تهتم بأمر الأسرة بشكل عام والمرأة والطفل وغيرهم والسلبيات التي لاحظتها أثناء متابعتي لها انها تنشر في مكان غير ملفت للنظر، فإما أن نقرأها في أسفل الصفحة أو بجانبها على اليمين أو بشكل لا تظهر فيه واضحة للعيان، أو نرى ان الخط الذي نشرت به صغير غير واضح أو تكون الرسائل بحد ذاتها غير مفهومة وقد كتبت بأسلوب ركيك أو بأسلوب معقد وعبارات طويلة تجعل قارئها يبذل جهداً كبيراً في حل طلاسمها وكأنها لغز أو تكون قد نشرت بغير وقتها، أي بعشوائية. وتضيف قائلة: أنا هنا اقترح على وسائل الإعلام المقروءة شاكرة جهودهم التي يبذلونها في سبيل ايصال الفائدة الى أفراد المجتمع أن تكون الرسالة بخط واضح كبير وأن تنشر في مكان ظاهر من الصفحة بحيث يقع نظر القاريء عليها بسرعة لا أن يقوم بالبحث عنها، ويحبذ ان تنشر بلون غير اللون العادي أو تظلل فقراتها كي تشد القاريء، وأقترح ان تشارك جميع مؤسسات الدولة بالتنسيق مع بعضها البعض بارسال عبارات تكون ذات مغزى ومعنى واضحين، وتكون مدروسة بحيث تكون مفهومة للانسان العادي. واقترح ان يتم الاتصال بشخصيات كبيرة في مجتمعنا لأخذ تلك الرسائل منهم لأنه سيكون لها وقعها الخاص على الناس وبالتالي القيام بتطبيقها والعمل بها، خاصة إذا كان يوجد اجماع على حبهم واحترامهم لأنهم بذلك سيطبقون ما يقولون لأنهم يحبونهم، وهذا له دور كبير في تقبل الناس لتلك الرسائل واهتمامهم بها وقراءتها وتطبيق ما جاء بها، وهذا ما أثبته علم النفس الحديث بأن الناس تنساق وراء من تحبهم. وأنا كإعلامية غير راضية أبداً عن تلك الرسائل التي يتم نشرها لأنها قليلة والمساحة المتاحة غير كافية ونحن نطمح لأن تخصص لنا مساحة في الوسائل المرئية حتى ولو كانت لا تتجاوز الدقيقة أو نصف الدقيقة وسيكون لها التأثير الكبير دون أدنى شك وسنرى جميعنا كيف ان الكثير من الأمور سوف تتغير وتنصلح، خاصة في ظل تطور وسائل الإعلام وعزوف الناس عن القراءة ومتابعتهم للتلفاز بشكل مستمر، وكم سيكون التأثير كبيراً على مشهد يبث في التلفاز نرى خلاله ولداً صغيراً ضائعاً وهو يبكي ويقول: «فراقكما سبب ضياعي» لن تكلفنا الكثير وأظن ان أسرنا ودولتنا تستحق منا الكثير، وان ذلك لا يعد كثيرا في حقها وكلنا تابعنا ذلك الإعلان الذي يبث منذ فترة على قناة الـ MBC عن ذلك الشاب الذي توفي وكان لا يصلي، وكم كان له تأثير على شبابنا، وأنا كموجهة أسرية ألتقي كثيراً مع الأحداث. وأخيراً أدعو جميع الأسر للاعتناء بأبنائهم وأطالبهم بمتابعة ما ينشر من رسائل توعية وأدعو أيضاً وسائل الإعلام ان تهتم أكثر وان تفسح مزيداً من المجال أمام الجهات التي تعنى بالأسرة. أما الدكتورة لارنا بدر الدين استشارية الطب الوقائي وصحة الاطفال بوزارة الصحة، فتعيدنا الى البداية بقولها: بدأنا بنشر الرسائل التوعوية والارشادية منذ أكثر من عشرين عاماً ولاقت الاهتمام المطلوب من القائمين عليها ومن القراء وكانت البداية من مراكز رعاية الطفولة والأمومة في الشارقة وتطورت شيئا فشيئاً وأصبحت معظم المناطق ترسل هذه الارشادات الى وسائل الإعلام.. في البداية كان لها ردود فعل ايجابية كثيرة وأصبحت تقل وتتلاشى حتى أكاد أقول انها أصبحت مشلولة في وقتنا وما ذلك الا لأن التطور اجتاح جميع مجالاتنا، وفي هذا المجال فهي كانت تنشر في أكثر من وسيلة إعلامية، أما الآ فنرى ان الدور اقتصر على الجرائد وكان الناس فيما مضى يهتمون بمتابعة الصحف وقراءتها يومياً لأنها كانت وسيلة التثقيف السريعة والآنية أما الآن فنرى ان الانترنت والفضائيات قد طغت على الوسائل التقليدية. عدم التنسيق وكنا في البداية نقوم بالتقييم وندرك مواطن الضعف والسلبية ونعمل على تصحيحها لأنه كان هنالك تنسيق بين جميع الجهات التي تحب المشاركة بتلك الرسائل اما الآن فأصبح الامر عشوائياً فترى المؤسسة الفلانية ترسل لمحرر الصحيفة فإذا كانت علاقته طيبة معها نشر لها وان لم تكن كذلك لم ينشر لها هذا اولاً اما ثانياً فنرى ان الكثير من تلك الرسائل ضعيفة في بنيتها ميتة في هدفها فلغتها غير واضحة ومفرداتها صعبة وثالثاً التوقيت وهو الأمر الأهم في ذلك نرى انه غير سليم فنرى أنه في يوم الغذاء العالمي تنشر توعيات عن المرور او الحريق وهذا سببه عدم التنسيق بين تلك المؤسسات . لا الوم المرأة ولا تلوم الدكتورة لارنا المرأة في ذلك فتقول: ولست الوم المرأة او المجتمع في عدم متابعتهم او قراءتهم لها في الوقت الحالي لأن الخطأ هو خطأ المؤسسات ومن المعلوم ان من احدى قيم الصحة العامة هي القيم الاخلاقية وهي المحرك لجعل اي برنامج فعال ومن تلك القيم ألا تلقي اللوم على مستهلكين الصح الأم او الأب لأنه يجب عليك دراسة وضع المجتمع ولا يصح ان اقول للمرأة انك لا تقرأين لأنه بذلك سينعكس سلباً على المجتمع وإن كانت المرأة لا تقرأ فبإمكاني ان انشر تلك الرسائل في التلفاز عن طريق صورة معبرة او مقطع مصور او رسالة مقروءة عندها سيقرأها المشاهد رغماً عنه وستصله وشيئاً فشيئاً سنراه قد تلقاها وعمل بها. انه الاسلوب الاعلامي المعروف عالمياً وتأثيره الشديد على النفس. واقترحت منذ فترة ان تقرأ رسائل التوعية على مسامع المتصلين بمؤسسة الاتصالات في حال طلب رقم معين تقوم آلة التسجيل باسماع المتصل ريثما يأتيها الرقم بقراءة تلك الرسائل على مسمعه وسيكون لها تأثير لا بأس به. واحب أن ألمح الى امر وهو الا تنقلب تلك الرسائل سلبياً على النظرة العامة للمجتمع خاصة وان جرائدنا تطوف البلاد العربية جمعاء فيجب ان تكون شاملة ولا تعكس صورة غير صحيحة عن دولتنا فمثلاً نشر رسالة تقول (احذروا الشرب من الصنابير العامة) فستعطي فكرة خاطئة عن دولتنا وسيتساءل الناس في الخارج هل مياههم غير صالحة للشرب هل يفتقدون للمياه العذبة هل وهل؟ خطاب الارشاد ويقول محمود حمد رئيس وحدة الاعلام في ادارة الدفاع المدني بدبي: ان الهدف الرئيسي الذي تسعى اليه كافة البرامج التوعوية الوقائية هو جعل النصوص الارشادية جزءاً من ثقافة الفرد وسلوكه وتحفيز قدرته على اعادة انتاجها سلوكياً كرؤية واعية للمخاطر وقدرة على تحليلها واعادة تركيبها واستنتاج الحلول والمعالجات لها، وكذلك على شكل مهارات تطبيقية تساعده على مواجهة كافة المخاطر، لكن هذه العملية المعرفية المعقدة تشترط قبل كل شيء من الجهة التي تتصدى لها ان تكون قادرةعلى تشخيص اطرافها الرئيسية (المخاطر ـ المعلومة عن المخاطر ـ المتلقي) وان تتمكن من وضعها في الترتيب المنطقي للأولويات بما يخدم تحقيق هدف ـ استيعاب المعلومة وادراكها وانطباعها في منظومته السلوكية ـ ومثل هذا التوجه يفترض فهما دقيقاً ـ لموضوع الارشاد ـ من النواحي العلمية الفكرية والمهنية التطبيقية والقدرةعلى ابتداع لغة الخطاب المناسب لكل فئة اجتماعية واستنباط الجوانب الاكثر قدرةعلى التأثير في وعي الفرد بموضوع الارشاد في الزمان والمكان المعينين، وايجاد الارتباطات الشرطية بين تلك الارشادات وبين عناصر الواقع المحيطة بتلك الفئة او الفرد لتكون مرجعية معرفية محسوسة يحتكم اليها وتحفزه لادراك تلك الارشادات ومن ثم الاهتداء بها، والقدرة على وضع البرامج التوعوية في اطر زمنية ملائمة بحيث تكون البيئة المحيطة بالملتقي عنصراً فاعلاً في نشرها وتكريسها ومشجعاً على اعتمادها وتطبيقها، والادراك الدقيق لمستوى وعي واهتمامات تلك الفئات التي نتوجه لها لأن غياب ذلك يجعلنا نصرخ في واد والمتلقي في واد اخر فنكون في معزل عمن نسعى لاكتسابهم لبرنامجنا. ويعد الارتقاء بالوعي الوقائي للفرد موضوع برنامجنا الارشادي وهدفه ومعيار نجاحه او فشله. واذا ما علمنا ان الانسان يتلقى المعلومات الخارجية عبر حواسه فإن ذلك يدعونا الى توظيف تلك الحواس في ايصال المعلومة الارشادية بمضمون وشكل يحفز مدارك الانسان على استنطاقها وجعلها ضمن منظومة مفاهيمه المعرفية ومنهج رؤيته وصولاً الى انعكاسها في سلوكه ومهاراته ومبادراته ومعالجاته. ويحدد رئيس وحدة الاعلام المشكلة بقوله: لكن المشكلة الجوهرية في توجهاتنا التوعوية تكمن في اعتقاد معظم تلك العناصر واعتماد خطاب الوعظ والامر والتخويف واحياناً التبسيط الساذج الذي يستخف بعقل المتلقي، لأن بعضنا مازال اسير زمن انصرم عنا واداء انقرض، لهذا نجد فئات واسعة من المجتمع تمر على ارشاداتنا بلا مبالاة رغم نبل مقاصدها وضرورة الاهتداء بها لتأمين السلامة وحماية النفس من المخاطر المختلفة، كما ان هناك فئات تدرك ان الاستجابة لميل تعميق الوعي الوقائي يعني القبول بمستلزمات وشروط الوقاية والسلامة بما فيها من كلفة ـ مالية وجهد مستديم ـ مما يجعلها تتغافل او تتهرب من تلك المسئوليات او تحاول الانتقاص منها لتقليل التكاليف وبالتالي تحجم عن دعم مثل هذه المشاريع بما في ذلك الجزء المعرفي. قدوة نموذجية ويقول خليفة المحرزي موجه اسري: من الواضح لأي متابع لشئون الاسرة في دولة الامارات ان المجتمع الاماراتي مر بثلاث مراحل مختلفة، اولاً مرحلة ما قبل البترول ومرحلة معايشة البترول، ومرحلة ما بعد البترول ولكل مرحلة ظروف معينة يجب الانتباه لها فالمرحلة الأولى اتسمت بالبساطة والطيبة والحب والتماسك الاسري والترابط الاجتماعي الذي عاشه الاجداد والمرحلة الثانية تمثلت في تقلص دور الاسرة في ظل انتشار الغنى والمادة ففقد الاستقرار واصاب المجتمع فجوة كبيرة جداً حيث كان المجتمع يؤمن بوحدة المصير والعيش الآمن المترابط اما وقد دخلت المادة وفحشها المجتمع ودياره فأصبح من الصعب وجود تلك الروابط الاسرية المتكاملة والمرحلة الثالثة والتي بدأت منذ بداية التسعينيات من هذا الجيل الذي هو اكثر وعياً وتطلعاً وتشعباً وثقافة وهذا ما يجعله بحاجة الى مزيد من الوعي والعناية والمتابعة من قبل مؤسسات اجتماعية واسرية يكون لها دورها الفعال في تدعيم المبادئ والاسس الاخلاقية ونشرها بين افراد المجتمع والمشكلة التي نعاني منها انه لا توجد استراتيجية واضحة من قبل المؤسسات المعنية بهذا الامر في وقتنا الحالي فلذلك يظهر عملها بشكل عشوائي غير منسق ولو نظرنا الى تلك الرسائل التوعوية التي اقتصر الامر عليها لوجدنا انها تخدم الشكل اكثر مما تخدم المضمون وهو مهمشة لا تقوم بأداء واجبها حتى ان رسائل الاعلام لا تقدم لها الدعم المطلوب لاحياء دورها في المجتمع. تحقيق : محمد زاهر