يستمد هذا الكتاب أهميته من أنه يعد من الكتب النادرة التي تنهض في وجه سلسلة الاصدارات التي انطلقت في الاعوام الأخيرة ضد العولمة وتجلياتها الاقتصادية والاستهلاكية، فهو يشدد على ان العولمة ليست شراً كلها كما يذهب البعض، وانها لاتعني بالضرورة المساس بالثقافات الوطنية، بل قد تؤدي الى تعزيزها. والمؤلف يناقش هذا كله من منظور محدد، هو صناعة السياحة. وفي الرحلة الهائلة عبر صفحات هذا الكتاب نحن على موعد مع تحليل مميز لما تعنيه السياحة باعتبارها أحد أهم مظاهر بدايات الاقتصاد المعولم ومع رؤية متكاملة لمد الجسور بين السياحة وإيجاد السلع وبينها وبين مفهوم الحداثة. حظيت السياحة بدور مهم في الاقتصاديات المتطورة منذ اواسط القرن التاسع عشر، ان لم يكن قبل ذلك، الا ان تطور المفاهيم التحليلية التي سعت لايضاح هذه الظاهرة، اصبح له شأن مهم في الآونة الاخيرة. ويذكر المؤلف كيفن ميثان في مستهل الكتاب عددا من الاسباب التي تعلل اتخاذ هذه الوجهة، وفي اقلها اعتباره نهجا لاستشراف متابعة العطلات بحسبانها قضية فرعية لتجارة اكثر جدية في عالم الانتاج الصناعي. وبالطبع، ليس هناك شيء يقف ثابتا بعد ان اصبحت السياحة الآن تجارة او صناعة عالمية. وهناك، في اطار العلوم الاجتماعية، تغيرات جوهرية مثل الانتقال باتجاه رؤية الاستهلاك وليس الانتاج، كاهتمام جدي للاستطلاع، ومن الموضوعات الرئيسية التي يلقى الضوء عليها على امتداد هذا الكتاب المدى الذي تستطيع هذه المفاهيم ان تسهم من خلاله في فهم السياحة كظاهرة اجتماعية. وبالطبع، فليس هناك اي حدث او ظاهرة تقفز الى الوجود من دون مقدمات، وعندما ينحى اسلوب الكتابة عن الرحلات جانبا، فإن اول محاولة شاملة لفهم السياحة من منظور العلوم الاجتماعية تحدث عنه دين ماكانل في كتابه «السائح» الصادر عام 1976. وعلى الرغم من الاخطاء التي وقع فيها فإن هذا الكتاب يفتح آفاق السياحة بفعالية على تحليل غني بالمعلومات نظريا ومعمم اكثر مما كان الوضع السابق. ويمكن الحكم على اهميته المستمرة بالامتداد الذي سبق ان تم التنويه اليه والقضايا التي اثارها واستمر يؤثر من ناحية المقاربتين الاجتماعية والانثروبولوجية باتجاه الوصول الى تحليل للسياحة. اما التطور الرئيسي الآخر فكان نشر كتاب جون أوري «نظرة السائح» عام 1990 الذي كان له ذلك الأثر الفعال في تطور التحليل الاجتماعي النظري الغني بالمعلومات والخاص بالسياحة ومفهومها. ولكن عالم القرن الحادي والعشرين هو مكان مختلف بالنسبة لباريس عقد السبعينيات وكذلك لندن في اواسط الثمانينيات، اللذين غذيا اعمال ماكانل واوري على التوالي. وخلال هذه الفترة انتقلنا من نماذج التحليل الاجتماعي الذي تعامل مع العصرنة، الى تلك النماذج التي تعاملت مع فترة مابعد العصرنة واقرب من ذلك بكثير التعامل مع نماذج بدأت في تقويم التغيرات الاقتصادية والاجتماعية والثقافية والسياسية بموجب مصطلح العولمة. آفاق السياحة وحدودها فضلا عن مثل هذه التطورات النظرية فقد كانت هناك الكثير من التغيرات المهمة في اطار المفهوم النظري وخارجه، وليس ادل على ذلك سوى انتشار الدورات المهنية والدرجات العلمية في ميدان ادارة السياحة والعطلات وحسن الضيافة. ومن الجوانب المثيرة للجدل ان احد الملامح الاكثر عرضة للبحث هي نمو الدراسات السياحية في اطار التعليم العالي. ومع انتشار المجلات والكتب والمؤتمرات المخصصة بالتحديد للسياحة على المستوى التحليلي العام، فإن السياحة تبقى في اطار تنظيري وانتقائي ومتميز. وتعد مسألة رسم آفاق وحدود السياحة او اقامة اطار لها قضية ذات طبيعة اكاديمية ومجال يحتاج بوضوح الى نقاش، وبداية، هناك مساع لتقليص السياحة وحصرها في صيغة او مجموعة من العناوين الجوهرية المجردة، ولكن ذلك يبدو فقط انه يفضي الى بيانات تعميمية مبالغ فيها، مثل تلك التي طرحها ناش وسميث، ويعتقد هؤلاء ان السياحة ليست موجودة فقط لدى كل ثقافة، بل هي جزء من اسلوب حياة وسياقها. وبدلا من الاجابة على اي شيء فإنه يتعين سؤالان فوريان: اي سبيل؟ واي سياق؟ اما الاجماع الاكثر تعميما بين أولئك، الذين طبقوا النظرية الاجتماعية على السياحة، فهو أنه لا وجود لمقاربة واحدة تستطيع ان تنصف تنوع الانشطة وتنوع الاشكال التي تتخذها السياحة، وبدورها فإن تلك تتطلب انتقائية نظرية وذات منهج بحثي. واحدى المقاربات هي قبول السياحة على اعتبارها منفعة متميزة، ويفترض ترايب فإن التحليل السياحي يمكن ان يوصف في أحسن حالاته انضباط بيني او انضباط متعدد «ووعي لعنفوانه» ان ما يجادل حوله ترايب هو ان اي بحث يخص السياحة كحالة انضباطية كما هي بحالها ينبغي عدم الاخذ بها وان تنوع هذا المجال هو شيء ينبغي الاحتفاء به بدلا من الاساءة الى سمعته او نشينه، وبوسائل واساليب كثيرة فان ذلك يعد انعكاسا للحالة الحالية للعبة في اطار التحليل السياحي، في حين ان هناك الكثير الذي ينبغي قوله للموافقة على صيغة التنوع، بعد كل ذلك وهو مايوجد الكثير منه لاحقا، كما هناك عدد من المشكلات المرتبطة بهذا المفهوم او المقاربة. ومن نتائج تبني هذا الموقف المخاطرة بالسقوط في شكل من اشكال النسبية، حيث يمكن قول كل شيء بأن بعض النظريات تختلف عن الاخرى بدون السعي للقول ماهي الاداة التي قد يمتلكها هؤلاء او لايمتلكونها وتحت اي ظرف يمكن تطبيقها ولماذا بعض النظريات تعرض ايضاحات افضل من الاخرى ولماذا ينبغي رفض بعضها وما الى ذلك. وينبغي ثانيا أن نكون حذرين من مشكلة السقوط، ذات الصلة، في اي موقف ترضية مثل القبول بالتنوع، بدلا من محاولة تعليلها. وباختصار، فان الفكرة القائلة بأن حالة التنوع هي شيء مرغوب فيه تحتاج في حد ذاتها لان توضع موضع التساؤل ولتطبيق هذه الصيغة ينبغي التجاهل بفعالية كل مايتعلق بالصعوبات والفوضى والتناقض دون عرض هذه الصيغة على التمحيص النقدي، ودون فصل الصالح عن الطالح، ان الخطورة هنا تكمن في ان التبني غير النقدي للمفاهيم التحليلية وحتى في المناهج البحثية قد تؤدي الى الاسوأ في كل حالة وليس الافضل عندما تأتي معا. وقد تصبح الفكرة القائلة بأن التعقيد ينبغي ان يقبل وليس لتحليل مقبولة على نطاق غير تحليلي باعتبارها الطريق القويم السائد. وتقضي هذه النقطة الاخيرة الى اعتبار الاختلافات بين التنوع على المستوى التجريبي والتنوع على المستوى النظري، ولايعد خروجا على نطاق الامكانية المنطقية ان يحسب حساب السابق دون اللاحق وفي الحقيقة فإن الغرض من النظرية هو بكل دقة لتركيب وايضاح وتصميم. ان التنوع الجاري في اطار دراسة السياحة من منظور علم الاجتماع لايقع قريبا جدا من المستوى النظري بل في الواقع هامشي ولكنه على مستوى تجريبي. وخلافا لبعض الانظمة الاخرى او حقول دراسة حجم العمل التجريبي، فان معظمها وصفي وتفوق بكثير المساعي لتحويله الى نوع من الاطار النظري او حتى الاطر النظرية وتبدو وكأنها مشكلة جوهرية تحتاج الى حلول بدلا من تصنيفها تحت باب التنوع او اي شيء آخر مهما كان، وقد حان الوقت الآن بالتأكيد لرؤية ما يستحق الاحتفاظ وما يستحق للرفض او اعادة الصياغة وهو ما تحتاج الادوات الادراكية الى استبعاده او اعادة تشكيله والتنوع بكلمات اخرى يحتاج الى اعادة النظر والى الطرح على بساط النقاش وان يكون موضوعا للمناظرة وليس التسليم به بدون نقاش كمسلمة او حالة مرغوبة وللقيام بذلك لابد ان تكون معوقا للانتاج بمصطلح تطوير اطار تحليلي اكثر تماسكا. المعالم الجوهرية للسياحة على الرغم من تخوفاتي ازاء النظريات العالمية لانها قد تتجه نحو تحليل الاشياء الى مركباتها البسيطة فإن هناك عددا من المعالم الجوهرية للسياحة التي يمكن تنظيرها بطرق اكثر فهما وشمولية مما هي عليه حتى الآن، وفيما يلي مقاربات لفهم السياحة من منظور مشتق الى حد كبير، وليس خاص، من نظامين في العلوم الاجتماعية مترابطين ترابطا وثيقا ومن علم الانثروبولوجيا والاجتماع اللذين اسهما بدورهما اسهاما مهما باتجاه فهم السياحة باعتبارها ظاهرة اجتماعية عالمية. وقد تركت التغيرات على الصعيدين الثقافي والاقتصادي العالميين اثرها على العلوم الاجتماعية والطبيعية فعلى الرغم من ان الحالة القومية لا تزال تشكل اهمية فإن العولمة تعني ان الحدود التقليدية لعلم الاجتماع، وليس مادتها الموضوعية، تستحق المراجعة، فعلم الاجتماع على سبيل المثال بدأ يمد بصره الى ماوراء حدود الحالة القومية باعتبارها الحدود الاولى للمجتمع في حين ان الانثروبولوجيا بدأت تتخذ مواقعها الحقيقية لاول مرة منذ سنوات. وبدأ كلا النظامين ايضا بتقويم التطور وتأثير الثقافة ذات الطابع الشتاتي والانتقالي، وفضلا عن ذلك هناك تطورات مهمة في الحقول المترابطة للجغرافيا البشرية والدراسات الثقافية التي تتصارع ايضا مع قضايا تخص العولمة واهمية المكان بمصطلح التغير الثقافي ولكل هذه المجالات الاكاديمية اهتمامات الى حد ما مشتركة ولها صلة ايضا بالتقاليد المعرفية المختلفة فيما بينها. ان المقاربة هنا هي في البناء على هذه التطورات لتوفير مقاربة لها دوافع نظرية اكثر وبينية الانضباط لدراسة السياحة. ان الموضوع الرئيسي هو نقاش فكرة ان السياحة هي جزء من عملية «التسليع» واستهلاك في صميم الرأسمالية المعاصرة. (وفي افضل الاحوال فإن السياحة ينبغي فهمها باعتبارها عملية عالمية للتسليع والاستهلاك تشمل تدفق الناس ورأس المال والصور والثقافة وتنوع السياحة واضح في عالمنا المعاصر ويمكن ايضاحه ببساطة بتبني مقاربة تركز على هذه الديناميات. وهناك ايضا موضوعات فرعية تتشابك بأساليب عديدة ومنذ المحاولات الاولى لتحليل السياحة تغير العالم تغيرا كبيرا ومن ابرز العناوين الخاصة بدراسات السياحة التي لاريب انها صادقة، هي التي تخص التنامي الكبير لهذه الصناعة بحساب قيمتها الاقتصادية والانتشار العالمي، وينبغي الاخذ في الاعتبار عدد من العوامل بدءا من نمو المؤسسات متعددة الجنسية والامتداد العالمي للاقتصاد السياسي المنظم نسبيا، وفضلا عن ذلك ينبغي الاخذ في الاعتبار الاساليب التي تسعى الدولة القومية بها للتحكم وتنظيم اتجاهات العولمة للنظام السياحي خدمة لاغراضها الخاصة مثل استخدام السياحة لتحقيق النمو الاقتصادي والتطوير. إن أي كتاب يتعامل مع السياحة باعتبارها اداة استهلاك ينبغي ان يعالج قضية «التسلع» باعتبارها شأنا مركزيا اي الاساليب التي تصبح فيها الثقافة المادية والناس والاماكن متشيئة لاغراض السوق العالمية، ولكن هذه المناقشات التي تحيط هذا الطرح بصورة عامة غلفت بمصطلحات ومعاني سلبية، وتبدو مكونات الفرضية التسليعية ايضا خاضعة لافتراض الحتمية التي ترى ان انتشار علاقات السلعة الرأسمالية هي وسيلة تدمير تؤدي الى تآكل الثقافات والسياحة هي واحدة من الآليات الرئيسية المتسببة في تحقيق ذلك ووفقا لهذا المنظور فانه يؤكد على الاقل في صياغته الأولية باعتبار السياحة اداة تدمير حتمية للثقافة والتراث القومي، لكن بعض المفكرين لا يتفقون في هذا الرأي ويرون ان المشكلة هنا لها صلة بالوسائل التي يتم فهم السلع والقيمة الرمزية من خلالها، وخاصة في النماذج المستقاة من رأي ماركس في تبادل القيمة واستخدامها، كما سيتم تناولها لاحقا. وان «التسليع» الذي كان موضوعة جانبية هو في الحقيقة مسألة مركزية بالنسبة للقاعدة الشاملة للسياحة واكثر من ذلك فان السياحة هي مظهر من العمليات العالمية للتسلع وليس نظاما منفصلا محتوى ذاتيا. وتنتمي مجموعة اخرى من القضايا الى الوسائل التي يكون فيها وقع مثل هذه العمليات متصلاً في مستويات متنوعة ووفقا لموازين فراغية من حيث التراث الثقافي والهوية والطابع المحلي. والسياحة وفقا لجميع امتداداتها العالمية بصورة غير قابلة للانتقاص مرتبطة بخصوصية الامكنة والعمليات التي يتم بموجبها وضع علامات للمواقع، وتفرز جانبا بعيدا عن الروتين وتصبح فعليا السلع التي تباع في السوق العالمية، وبهذا المعنى فهناك حاجة لدراسة الاساليب التي تعرض فيها ممتلكات صناعة السياحة المنظمة والعالمية في المستوى المحلي للحياة اليومية. وبداية هناك النماذج الفعلية للطلب والاستهلاك من قبل السياح انفسهم ودوافعهم وقيمهم، ثانيا هناك ايضا حاجة لاعتبار كيف لهذه المطالب ان تؤثر بالمجتمعات المستضيفة من حيث قيمها الثقافية مثل تنظيم العمل ونوعية العلاقات وبصورة فعلية فان ذلك يعني تحليل السياحة من حيث العلاقات واشكال الوساطة بين المستوى الواسع للنظام السياحي العالمي والمستوى الدقيق للتجارب المعاشة، وبإسلوب آخر من حيث التفاعل البيني والديناميات التي توجد بين العالمي والمحلي. ولامفر من القول بأن لاتساع حجم المادة الموضوع المطروح للنقاش استبعادات ايضا. وتاليا محاولات لاظتلاع تفاصيل الموضوعات التي طرحت لاستطلاع وعلاقتها مع تطور العصرنة التي ستوفر مراجعة نظرية ونصية للفصول التالية. ما هي العصرنة بالضبط؟ تعود العصرنة كصيغة ليست محصورة في النظام الاجتماعي بل كصيغة لاعطاء تصور للعالم لتاريخ يبدأ بصورة تقليدية من فترة التنور الفكري في اواخر القرن السابع عشر، وبالنسبة للمنظرين الاجتماعيين في القرن التاسع عشر فإن التغيرات الكاسحة التي سببتها الثورة الصناعية بدأت تحتل مكان الاشكال التقليدية للتنظيم الاجتماعي مع ظهور النظام الرأسمالي واقتضى ذلك بدوره وسائل جديدة لتنظيم العمالة معتمدا على وضع روتين للعمل وترشيد الانتاج ونمو الطبقة البيروقراطية. ووصف مثل هذا التطور بأنه نتيجة للاختلاف اي بزيادة التخصص في وظائف محددة. ووضع هذا المبدأ الاساسي كفكرة اولية تقول أن العلاقات الاجتماعية في عهد العصرنة تتكون على اسسس جوهرية مختلفة بالنسبة لأزمنة ما قبل العصرنة وعلى سبيل المثال فيما كانت الترتيبات الاجتماعية لفترة ما قبل العصرنة تعتمد على الاسرة والبيت كوحدة انتاج فان هذه الصورة في عهد العصرنة تعرض فيها العمل للانقسام عن البيت واصبح منظما على اساس اجر العمل، وبدوره فان هذا التنظيم تم تنظيمه حول توقيت الساعة في مقابل ايقاع الانتاج الزراعي الموسمي لفترة ما قبل العصرنة ويمكن ايضا الاشارة الى الاختلاف الذي بدأ يحدث بين البيت ووقت العطلات باعتبار ذلك انشطارا في العمل عن المنزل. ويعد التحضر، من حيث التنظيم الحيزي للعصرنة، تطورا اساسيا، ومكن ذلك انتاج المصانع من زيادة ميزان الاقتصاديات وتوفير تركيز على النشاط السياسي من خلال تطور اشكال الحكومة المحلية ومصدرا للهوية المدنية من خلال صورة المجتمع المتمركز ومرافق العطلات. واعطى التحضر ايضا ارتفاعا في حجم الاسواق التي تمت تلبية احتياجاتها من خلال انتاج المصانع الكبير. كما مرت علاقات العمالة ايضا بسلسلة من التغييرات، وكان الانتاج في المصانع مختلفا عن الانتاج الرامي الى تلبية احتياجات كل من الافراد والعائلات. واصبحت العمالة منظمة من خلال صيغ العقود الشخصية كما تم تنظيم الوصول الى السلع من خلال اقتصاد الاجر وفي ضوء التفسير الماركسي التقليدي لهذه العملية فان الناس تعرضوا للتغريب عن وسائل الانتاج واصبحت العلاقات الاجتماعية وسيطة وباتت بصورة فعلية مقنعة من خلال الاشكال السلعية. ورأى كل من جيدنز (1991) وهارفي (1989) ان اعادة تنظيم المكان والوقت يعد عنصرا اساسيا في هذه العملية، والعلاقات الاجتماعية تتطلب التنسيق بين عدد كبير من الناس وهو ما يمكن تحقيقه فقط من خلال انتزاع العلاقات الاجتماعية من السباقات المحلية وعبر مرور الوقت، وعلى الرغم من ان ذلك قد يبدو مجردا الا انه يمكن ايضاحه وفقا للطريقة التالية: ان اي سائح يثمن السفر الى بلد آخر يشتري تذكرة تبين رحلة طيران محددة ومغادرة ووقت الوصول وفي المقابل يتطلب ذلك تنسيقا ما بين الوكيل الذي يبيع التذكرة وشركة الطيران وسلطات المطار في نقاط المغادرة والوصول ومفاوضات المعاهدات الدولية التي تنظم خطوط الرحلات الجوية ومتطلبات التأشيرة وتحويلات العملات وما الى ذلك من اجراءات، ويمكن لهذه الاجراءات ان تعمل فقط اذا كان هناك نظام عالمي لحساب الوقت الذي يشارك فيه جميع الاطراف والانظمة البيروقراطية التي تضمن التنسيق في داخل كل بلد وبين البلدان. أن النقطة المهمة هنا هي لا ساليب التي لاتنفذ فيها العلاقات بين الناس بأشكال عصرية للتنظيم الاجتماعي على اساس العلاقات وجها لوجه نظرا لان ذلك هو الاسلوب المتبع في مجتمعات ما قبل العصرنة لكن هذه العلاقات تتم بصورة متزايدة من خلال صيغ بيروقراطية منطقية خاصة بالتنظيم وبتنظيم اجر العمل. وترتبط العصرنة ايضا بفكرة التقدم والتغيير وبصورة خاصة فكرة امتداد دقيق لتطور اجتماعي تنحى فيه مجتمعات ما قبل العصرنة بمجيء مسيرة متقدمة لعصرنة يصفها هارفي بأنها لا تملك احتراما لماضيها الخاص وان الفكرة القائلة أن العصرنة تشكل قطيعة جوهرية مع الماضي، ليس فقط صيغا تنظيمية بل ايضا صيغا فكرية، وتنشيء ايضا تمايزا بين المعاصر والتقليدي. وهناك عنصر آخر ينبغي اخذه في الاعتبار وهو حالة الامة ففي مصطلحات المفهوم العادي والادراك الطبيعي فان احوال الامة تتجه الى النظر اليها من منظور الكيانات الطبيعية التي تتضمن سلسلة من السمات الاساسية يتقاسمها سكان هذه الامة اي هوية وطنية متميزة، لكن مثل هذه التقسيمات هي من نتاج العصرنة وتوضع ايضا في تباين حاد في مقابل مجتمع ما قبل العصرنة والمجتمع البدائي. وينحصر المجتمع الثاني اما بالتاريخ او بأمكنة اخرى التي يندفع من خلالها في مسيرة تقدميه نحو العصرنة، وبهذه الطريقة فإن كلا من المجتمع البدائي والتقليدي ينظر اليهما كنقيضين للعصرنة، وصفتين لاشخاص ومكانهما في وضع الاستمرار، وكما سنرى فإن ذلك هو تصنيف جوهري لا يدعم الكثير من صيغ السياحة فقط بل اشكالا كثيرة من التحليل السياحي. ان مفاهيم التغريب والانقسام ما بين الماضي والحاضر والمعاصر والبدائي لا تزال تسم الاساليب التي ينظر فيها الى كثير من اشكال السياحة 55 وتحلل وعلى الرغم من الميل الى التفكير بمصطلح العهود التاريخية مثل العصرنة، أو ما بعد العصرية فإن هناك تحذيرا واحدا مهما. وكما بالنسبة لكل التصنيفات العريضة للتاريخ، فإن هناك خطورة القول، على سبيل المثال، ان العصرنة لا تتكون فقط من مجموعة قابلة للتعريف في المواصفات، ولكن الاكثر اهمية ان تطبيق هذه المواصفات كانت كلاهما كونية وآنية، ان انتشار العصرنة كان عملية غير منظمة وكان لذلك نتائج من حيث العولمة والتطور وكلاهما سيتم التطرق اليه في فصول لاحقة وسيجري الآن التركيز على تحديد معالم العمل وتمييزه عن العطلات وهو تمايز مفهومي يقارن ايضا بفضاءات العطلات واختلافها عن فضاءات العمل وكيف يقود ذلك دوره الى انشاء صيغ عصرية لفضاء العطلات مثل المنتجعات البحرية، وفي الواقع فإن النموذج الذي رسخ في هذه السنوات المبكرة للسياحة العصرية الجماهيرية هو هيكل لايزال يتشكل ومن جانب صياغة السياحة في المجتمع المعاصر. فضاءات سياحية للعصرنة على الرغم من انه يمكن رؤية جذور السياحة العصرية في «الجولات الكبرى» في القرن الثامن عشر الا ان تطوير المنتجعات البحرية بدءا من القرن التاسع عشر وما تلاه هو الذي ارسى النمط السائد للسياحة الجماهيرية، واصبحت المنتجعات الاولى اماكن للاستجمام المائي مخصصة للاثرياء والاعيان واصبحت الرحلات على متن القطارات اسفارا يومية للطبقة العاملة يقصدون فيها التوجه الى اعمالهم في المجتمع الحضري. وادى ارتفاع اجور العمال، وفيما بعد وضع قوانين للعطلات مدفوعة الاجر، الى ان الغالبية من سكان المجتمع الحضري في الاقطار الصناعية اصبح لديهم الوقت والمال الذي يمكنهم من قضاء عطلات خلال العالم. ووضعت علامات على المنتجعات البحرية تميزها عن باقي المناطق من حيث الانشطة التي يمكن ممارستها هناك. واصبح النمط السائد ان العطلات تؤخذ خلال اشهر الصيف في اماكن التي خصصت لقضاء العطلات وهكذا فإن تطور هذه المنتجعات ارتبط لا محالة بالرأسمالية وعكس ايضا التقسيمات الاجتماعية في تلك المراحل الزمنية وارتبطت منتجعات واماكن بطبقات اجتماعية معينة، وفي المملكة المتحدة على سبيل المثال ارتبطت برايتون بوجهاء المدينة الانيقين في حين ان بلاكبول ومنتجعات اخرى على ساحل لانكشايم اصبحت ملاذا للطبقة العاملة القادمين من المراكز الحضرية المليئة بالمصانع وليس غريبا ان تقوم مجموعات كبيرة من العمال بقضاء عطلات الاجازة معا بنفس الطريقة التي يعملون بها ويعيشون بها مع بعض، بينما يستطيع القطاع الاكثر ثراء من السكان الاقامة في فنادق في حين ان الاقل غنى يقيمون في منازل اقامة ارخص اذن حتى في المنتجعات تظهر الطبقات الاجتماعية التي تعكس مكانتها الاجتماعية بصورة عامة، وعلى الرغم من ان مثل هذه الانماط كانت بصورة عامة تتكرر في اطار كل الاقتصاديات المتطورة فقد كانت هناك اختلافات وطنية مهمة. لقد كان نمو تلك الاماكن السياحية البحرية لاستهلاك العطلات سريعا، وعلى العموم غير مخطط، وغالبا ما تتم نتيجة عمليات تعهد الغرض منها الربح فقط، وتبع تمدين المنتجعات نمطا مختلفا اختلافا حادا يختلف عن المدن الصناعية، واصبحت من حيث الشكل والقيمة المادية مختلفة في العديد من الاشكال لأنها خصصت لقضاء المتع، وانشأت في الاماكن الجغرافية البعيدة عن الساحل منتجعات صحية داخلية وتم تطوير منتجعات شتوية رياضية خدمت الاغراض ذاتها وهي تخصيص مساحات للنشاط السياحي. وخلال الفترة ما بين الحربين الاولى والثانية ظهرت بلدات سياحية اطلق عليها «بلدات الباجالو» وكانت نتيجة لعدم وجود تخطيط والتطوير الافتراضي حيث كانت تباع مساحات صغيرة من الاراضي يقوم المشترون ببناء اكواخهم او بيت العطلات عليها ومعظمهم شيد على شكل وطراز عربات السكة الحديد القديمة، واصبحت المنازل الدائمة او بالتحديد نصف الدائمة في متناول أيدي قطاع متزايد من المجتمع، وقد استقطب هذا النوع من مساكن قضاء العطلات، التي يبنيها اصحابها بأيديهم، قطاعا محددا من المجتمع كان يتوق شوقا اليها بعد حياة اتسمت ببساطة اكثر، ومرة اخرى فان تنوعات مثل هذا التطوير اكتشفت في اماكن اخرى في السويد في حين ان الاتجاه في الولايات المتحدة وكندا كان ارسال الابناء بعيدا لقضاء عطلات الصيف في مخيمات إستجمامية. واتخذ هذا الشكل من التطور اتجاها مختلفا في المملكة المتحدة والمانيا خلال عقدي عشرينيات وثلاثينيات القرن العشرين مع اشكال لتنظيم اكبر للسياحة على شكل مخيمات العطلات. وفي اطار تلك المخيمات كانت تقدم كل معالم العطلات في حزم قياسية تتضمن انماطا من الانشطة المخطط لها تخضع للاشراف وتنظم من قبل مضيفات ومضيفي المخيم وكانت المخيمات معزولة عن محيط بيئتها ولها طابعها المادي وفضاءها الاجتماعي المحدد، وهو احد اشكال تطور المناطق الخاصة المعزولة عن الاماكن الاخرى، ومع وجود كل احتياجات المصطافين داخل المخيم لا توجد اي ضرورة للخروج من اطاره وفي العادة فإن تلك المناطق المسيجة غالبا ما تكون مريحة ومأمونة وخالية من اي مخاطر ويعمل في اطارها اشخاص يتحملون مسئولية الترفيه والطعام وحتى العناية بالاطفال .. ونظرا لان السفر الى الخارج، خارج قدرة قطاع كبير من الناس ولذلك فإن هذه المساحات السياحية بشكل عام خصصت لأسواق السياحة الداخلية، ان تطوير هذا الشكل من صناعة العطلات هو مؤشر للعصرنة من زوايا عديدة واكثرها بروزا الاختلافات الاجتماعية والطبقية وهناك مظهر اضافي هو تنظيم حزم عطلات شاملة ومظاهرة السيطرة والادارة للمشرفين على المخيمات، كل تلك العوامل اصبح ينظر اليها باعتبارها اداة انتاج عصرية اقتصادية موازية للانتاج الصناعي الجماهيري.