على خلاف المتاحف الكلاسيكية وغيرها من جهات الفن التقليدية، افتتح مؤخرا في باريس وفي قصر طوكيو «موقع للابداع المعاصر» صمم كمختبر للثقافات الناشئة، في مبنى جميل يعود الى عام 1930 تم تحويله الى بهو شاسع خال من الحواجز، وضع تحت تصرف الشباب المبدعين للتعريف بتجاربهم عبر الحوار مع الجمهور. يطمح «مكان العيش» هذا الى ان يكون «اختباريا ومتعدد الاشكال التعبيرية، مرنا، كونيا، ومنفتحا على التطور ويهدف الى تقريب جمهور عريض وبطريقة حميمة من فن عصر يعتبر غالبا غامضا او تعبير نخبة مثقفة، من الصعب بلوغه، او انه ايضا للاثارة ان لكلمة «ايداع» التي استعملت في تسمية الموقع بدل كلمة «فن» الاعتيادية، لها دلالاتها لان بالامكان التآلف مع اشكال احيانا مجهولة من البحث الفني، يعج المكان بمنشآت وتصاميم وعروض والعاب فيديو وعزف موسيقي ومحترفات ومؤتمرات، هذا فضلا عن مدرسة فنون، مركز فريد من نوعه في العالم، يفتتح ابوابه بين منتصف النهار وحتى منتصف الليل، وبالامكان تناول الطعام في المكان نفسه او المكوث في بهو اعد كحيز لحركة ثقافية كملتقى مبدعين يتبادلون وجهات النظر والافكار مع مدعوين اجانب او مع الجمهور الزائر. كان اختيار قصر طوكيو لاستقبال «مختبر التجارب» رمزيا في حد ذاته، ففي جناح المبنى الغربي ـ احد المباني النادرة التي تعود الى معرض عام 1937 ـ انشئ عام 1947 المتحف الوطني للفن الحديث، وكان اول متحف للفن الحديث في فرنسا. في حين اقيم في جناحه الشرقي ومنذ عام 1961 متحف الفن الحديث لمدينة باريس. وبعد انتقال متحف الفن الحديث الى مركز جورج بومبيدو على اثر افتتاحه عام 1977، استقبل قصر طوكيو عددا من المؤسسات الثقافية التي غادرته فيما بعد واقفل عام 1955. اعتمدت آن لاكاتون وجان فيليب فاسال، المعماريان اللذان كلفا باعمال تجديد المبنى عام 1999 لجعله «موقع الفن المعاصر» على قاعدة جماعة الفناء في مراكش في حركتها الدائمة وفي تعدد المحال التجارية فيها. واستحضر هذا المكان الساحر كما هضبة شايو التي شيد عليها قصر طوكيو على موقع انترنت الذي ضم كأداة تربوية اضافية وهو www.palaisdetokyo.com. طبعا،لا نجد في قصر طوكيو الشاسع والمجدد، بمساحة مشرعة امام الجمهور تبلغ 5000 م2 بينها 3500 للمعرض، حواة الافاعي كما في مراكش، لكن خيم على المكان يوم افتتاحه من قبل ليونيل جوسبان رئيس الحكومة، جو سوق يعج بالحركة، على سبيل المثال الكشك التايلاندي الذي عرض ادوات حرفية من اقنعة واحواض عرضت القطعة للبيع بأورو رمزي واحد. في «الصالون» الذي صمم كحيز فريد من نوعه، تحت السلم، وخصص لفنان او لمبدع لفترة ستة اشهر، يصممه بشكل حميم ليسترخي فيه الزوار بعض الوقت، كان الفنان البينيني ميشاك غابا الذي يعمل في امستردام ويعرض للمرة الاولى في باريس، قد اقام قاعة من متحفه للفن المعاصر الافريقي الافتراضي والغجري «بدون تحف» واثار نقاشا طريفا حول الحوار بين الثقافات. كما وضع الفنان الصيني الاصل وانغ دو، والمقيم في باريس، عند مدخل القصر تحت عنوان «نوكومنت» سلة مهملات هائلة وشفافة ملأها بصحف قديمة وبحواسيب وبأجهزة تلفزة تثبت مقاطع من محطة اورنيوز، ونشرت الفنانة الفرنسية في اماكن عديدة اصنام عرض ازياء، قدمتها جريحة او ميتة في غالبيتها، وصنعتها بورق لاصق ولبستها. وعرض الفنان الهندي سودو غوبتا على شكل عامود من الطناجر والسخانات وسطول الالمنيوم الملمعة. بشكل اكثر شاعرية اختار الفنان مايكل لين الذي يعيش في تايوان زخرفة قاعدة ارضية باشكال زهور مستعارة من القماش الذي كان يهدى الى العروسين قديما في تايوان، وفي حيز اخر كان هناك فنان شاب قد رسم جدارية وقدم للزائرين اقلاما لتلوين هذه الجدارية حسب اذواقهم، وفنانون اخرون قدموا رسوما مصورة وجداريات مزخرفة، كما استعمل الفيديو في مختلف الامكنة، اما في مختبر الصوت فيتم البحث عن اصوات الكترونية في قاعات مخصصة لذلك ومجهزة بوسائل الراحة. سر المبدعون الـ 25 الذين كانوا اوائل المدعوين لعرض اعمالهم في هذا المكان الجديد، لمدد تتراوح بين شهروستة اشهر وبشكل خاص «لاختبار» اعمالهم، يستقبل مبنى البافيون كوحدة تربوية بادارة انج لكيا، استاذ سابق في معهد الفنون في غرينوبل، سبعة فنانين مقيمين حازوا على منح دراسية واعدادية، ثمة ملاحظة، لا يوجد في قصر طوكيو حراس له بل 12 شخصا يوجهون الزوار و يساعدونهم في اكتشافاتهم ويرشدونهم الى كتاب او يتحدثون معهم ببساطة عن الفن. لم يجر الحديث يوم الافتتاح عن التدشين بل استعملت عبارة شعبية مألوفة «تعليق القدر» التي تقال عن الانتقال الى بيت جديد. اذا كانت تجربة قصر طوكيو قد نجحت واثارت اهتمام الزائرين في البحث عن اماكن اخرى للفن المعاصر، فبامكانهم زيارة حديقة «بوت شومون» في شمال باريس، اي «المسرح» الجديد الذي اقيم في مباني التلفزيون سابقا، وقد كافحت جمعية من سكان الحي للحصول على قطعة من هذه الارض لتكريسها كمركز فني. عن «اكتوالتيه ان فرانس»