يمكن للتيارات القوية في البحر المتوسط ان تحرك المياه بالقرب من مصب نهر النيل، محولة اياها الى بحر من الطين، ولكن عندما غطس الغواصون بقيادة المستكشف الفرنسي فرانك جوديو في مياه خليج «ابوقير» في صباح احد الايام من العام الماضي، عمل مجال الرؤية الرحب على تسهيل مهمتهم، وبينما كانوا يزيلون ماتراكم على امتداد القرون من الطمي عن مجموعة من الكتل الجيرية المستقرة في قاع البحر على عمق 6.5 امتار من السطح لاحظ احد الغواصين حجرا ضخما من الغرانيت مزروعا في الطين فقام الغواصون بانتشاله لكي يقرأوا الكتابة الهيروغليفية الموجودة على بلاطة تم حفظها بشكل رائع قرابة 2000 عام. ويقول جوديو: «كنا اول من يتلقى هذه الرسالة من الماضي، وفجأة شعرنا بأننا قمنا باتصال مباشر مع العالم القديم». في الواقع انهم فعلوا ماهو اكثر من ذلك فبعد ان بعثوا صورة رقمية التقطت تحت الماء للبلاطة المنقوشة بالبريد الالكتروني الى باريس من اجل التعرف عليها عرف جوديو ان فريقه اكد على اكتشاف هيراكليون البوابة الاسطورية العريقة لمصر التي سقطت في البحر قبل حوالي 1300 عام. وعلى نحو تدريجي يتم انتشال المستوطنات الساحلية لمصر القديمة التي دفنتها الزلازل والانهيارات الهائلة للطبقة الترسبية من الارض، من اعماق البحر. وطوال قرون، اعتمد المؤرخون بشكل كبير على اعمال الرحالة المعاصرين مثل هيرودوتس وسترابو لاستقاء معلوماتهم حول كليوباترا والحكام الآخرين قبل واثناء حكم سلالة البطالمة (305 ـ 30 قبل الميلاد) ولكن خلال العقد الماضي، اثمرت حملات الاستكشاف البحرية قبالة ساحل الاسكندرية الحديثة عن انتشال الالاف من القطع الاثرية ومن بينها تماثيل عادية وتماثيل لابو الهول ومجوهرات وقطع نقدية مما وفر دلائل مهمة على واحدة من اكثر الفترات اثارة للحيرة في العصور الكلاسيكية، ويقول ابراهيم درويش من المجلس الاعلى للاثار المصرية: «الاكتشافات تلهمنا كي نواصل العمل، فما وجدناه لايمثل الا اقل من 1% مما لايزال تحت الماء». ربما يكون اهم اختراق هو اكتشاف جوديو لهيراكليون التي سميت بهذا الاسم نسبة الى البطل الاغريقي هرقل، الذي جاء قبل تأسيس مدينة الاسكندرية المجاورة من قبل الاسكندر الكبير في عام 332 قبل الميلاد وكان فريق جوديو من المعهد الاوروبي لعلم الاثار قد حدد مكان المدينة خلال حملة لهم في عام 2000، ولكن اكتشاف العام الماضي هو الذي اكد ماتوصل اليه الفريق واهم دليل على ذلك هو البلاطة التي تحمل النقش التذكاري والتي شيدها الملك نيكتاينبوس الاول في عام 380 قبل الميلاد والنقش الذي يتعلق بالرسوم الجمركية يعرف الموقع باسم «ثونيس» وهو الاسم الفرعوني لـ «هيراكليون». لكن الغواصين التابعين لجوديو قاموا ايضا بانتشال اجزاء وردية من الجرانيت او اجزاء محجوبة من مكان مقدس يعتقد علماء الاثار بانها تخص معبد آمون المقدس في هيراكليون الذي زاره هيرودوتس في القرن الخامس قبل الميلاد وعلاوة على ذلك فان المعبد انتج ثلاثة تماثيل ضخمة يبلغ ارتفاعها 5.7 أمتار وتزن 15 طنا، تصور هابي، اله خصوبة النيل، بالاضافة الى احد الفراعنة واحدى الملكات. واسفرت حملة هذا العام عن انتشال كمية اخرى من الاثار تثير الاعجاب مما يشير الى ان هيراكليون ستستمر في ارضاء علماء الاثار لفترة من الوقت وتشير النقوش التي وجدت على احد التماثيل الى ان معبد هيراكليون ظل يستخدم بصورة متواصلة طوال الجانب الاكبر من فترة حكم البطالمة وتشمل الكنوز التي اكتشفت في الموقع اشياء طقوسية رائعة من البرونز مثل مبخرة لها مقبض على شكل منقار البطة، ومغرفة يعلوها رأس نسر، وقد يشير اكتشاف قطع نقدية بيزنطية ذهبية وصلبان في المنطقة الى وجود دير مسيحي مما يثبت ان هيراكليون كانت لاتزال مأهولة حتى القرن الثامن للميلاد، وتظهر الدراسة الطبوغرافية الاخيرة لجوديو ان هيراكليون كانت نسخة قديمة من البندقية اي انها كانت مدينة تنتشر فيها القنوات المائية كانتشار الطرق. واذا كان جوديو يبدو مثل الساحر الذي يتقن خدعا مذهلة فانه يملك سرا كأسرار السحرة، الا وهو جهاز قياس مغناطيسي للرنين النووي، وهو عبارة عن جهاز استشعار قوي على شكل طوربيد يمكنه ان يكتشف وجود اثار محتملة وذلك من خلال قياس الكثافة النسبية للاشياء الغارقة في مقابل المجال المغناطيسي للارض وعندما يسحب الى السطح، يقوم جهاز القياس المغناطيسي بنقل البيانات الى السفينة التي تقوم بعملية المسح التي تقوم بنقلها الى شبكة محوسبة موصولة بنظام تحديد الموقع العالمي الذي يعتمد على الاقمار الصناعية، ويقول جوديو انه قام بمواءمة جهاز القياس المغناطيسي للاستخدام في علم الاثار بالتعاون مع مفوضية الطاقة النووية الفرنسية التي تقوم بتطوير معدات لاكتشاف الغواصات لصالح البحرية الفرنسية، كما ان الحقوق الحصرية بالاستخدام المدني لجهاز القياس المغناطيسي منحت جوديو التفوق في المنافسة. وتقول سوزان هنريكسون، وهي عضوة اميركية في طاقم جوديو من الغواصين: «اينما نغوص، نجد شيئا ما». ضرار عمير