عندما طرحت المحاصيل المعدلة وراثياً في الاسواق لاول مرة في عام 1996، حذر المعارضون لها من أنها قد تلحق ضرراً خطيراً بالبيئة وصحة الانسان، اما المؤيدون فردوا على ذلك بالقول ان التقنية الجديدة تعتبر آمنة وستوفر «الغذاء للعالم» كما كتب نورمان بورلوج، المهندس الزراعي الحائز على جائزة نوبل، في مقالة افتتاحية في «وول ستريت جورنال». ومنذ ذلك الحين اثار الجدل سخونة حول هذه القضية بأكثر مما القى الضوء عليها، لكن المحاصيل المعدلة وراثياً راكمت ما يكفي من السجلات لكي تبدأ عملية تقويم لما تعني حقاً بالنسبة للمزارعين والبيئة. وعلى الرغم من العدد القليل من التحذيرات، إلا انه لا يوجد دليل حقيقي على ان المحاصيل المعدلة وراثيا قد الحقت ضرراً بصحة الانسان او البيئة خلال الاعوام الخمسة الماضية، التي شهدت ارتفاعاً مطرداً في استخدامها، ولكنها لم تجعل العالم مكاناً افضل، لقد افرزت المحاصيل المعدلة وراثيا فوائد بيئية حقيقية، وان كانت غير مبهرة، كما انها دفعت المنتوج باتجاه تصاعدي بالنسبة للمزارعين الذين يستخدمون الاساليب الزراعية الآلية في الدول الصناعية، وهم المزارعون انفسهم الذين ينتجون كميات كبيرة من الغذاء لدرجة انهم يواجهون صعوبة في بيعها بسعر مربح. ان المسقبل القريب يعد بالمزيد من تلك النتائج غير ان المحاصيل المنتجة بالتقنية الحيوية والتي قد تساعد حقاً في اطعام جوعى العالم تظل مجرد وعد مستقبلي غامض، وفي غضون ذلك فإن التطورات الجريئة في الاستنسال التقليدي تعني ان النباتات المعدلة وراثيا تقدم فوائد اقل مما كنا نعتقد في السابق. ومن الواضح ان المحاصيل المعدلة وراثيا لم تفرز النتيجة الكارثية التي حذر منها النقاد، ففي عام 1998، أثار ارباد بوزتاي وهو عالم في كيمياء النبات ومقره اسكتلندا، ضجة عندما زعم ان البطاطا المعدلة وراثيا تسببت في ظهور تشوهات لدى الفئران التي تناولتها. لكن معظم العلماء اتفقوا على ان تجارب بوزتاي كانت معيبة بشكل خطير، ولا يوجد حتى الآن دليل مقنع على صحة مزاعمه. وتخوف الكثيرون من الاسوأ في السنة التالية عندما افاد باحثون في الولايات المتحدة بأن يرقات الفراشة الملكة ماتت في المختبر بعد تناولها لاوراق من نبتة الصقلاب مغبرة بحبوب لقاح مأخوذة من نبات ذرة معدل وراثيا، وكان هذا النبات قد عدل لكي يضم مورثة لشكل من اشكال السموم البكتيرية التي تعمل كمبيد حشري، وعلى حين غرة، بدا وكأن جميع حقول الذرة المتمايلة يمكنها ان تكون حقول موت لواحد من اكثر انواع الفراش محبة لدى الانسان في اميركا الشمالية، لكن عامين من دراسات المتابعة اظهرت ان حبوب اللقاح لمعظم انواع الذرة التي تحوي السم البكتيري لا تعتبر سامة جداً وان اليرقات، في الحقل، لا يبدو انها تتناول ما يكفي منها لايذاء نفسها، ويبدو ان هذه الدراسات قد حلت القضية الرئيسية وساعدت في اقناع الهيئة الاميركية لحماية البيئة على المصادقة من جديد على زراعة الذرة التي تحوي جينة السم البكتيري لخمس سنوات اضافية. ومع ذلك فإن القضية لم يغلق ملفها ولاتزال هناك اسئلة تثار حولها ومن هذه الاسئلة، على سبيل المثال، كم مرة تناولت يرقات الفراش حبوب اللقاح الخاصة بالذرة التي تحتوي على مستويات عالية من السموم ومتى تدخل هذه السموم الى اوراق النبات الذي يعتبر غذاء لليرقات؟ وحتى ان كانت حبوب اللقاح لا تقتل اليرقات فهل هناك آثار مضرة على المدى الطويل؟ في الواقع انه لا احد يعلم ذلك على وجه اليقين حتى في الوقت الذي يقوم المزارعون بزراعة الذرة التي تحوي جينة السم البكتيري على ملايين الهيكتارات من الاراضي الزراعية في انحاء الولايات المتحدة. بعد وقت قصير من اندلاع الجدل حول يرقات الفراش، ظهر على السطح خوف آخر يتعلق بصحة الانسان ومن جديد كانت الذرة المعدلة وراثيا هي المسئولة ومجددا لا يوجد دليل واضح على انها تسببت في ظهور اية مشكلة حقيقية وفي هذه المرة المتهم هو نوع من الذرة يدعى «ستارلنك» يحوي نوعاً اخر من السم البكتيري يدعى «كراي 9 سي» وقد جعلت تركيبته «كراي 9سي» احتمال تطوير بعض الاشخاص حساسية له، ولهذا فإن الهيئة الاميركية لحماية البيئة وافقت على زراعة الذرة كطعام حيواني فقط، ولكن في سبتمبر 2000، ظهرت آثار للذرة من نوع «ستارلنك» في بعض انواع الاطعمة وسرعان ما تبين ان نوعاً آخر من الذرة ملوث، وعلى اثر ذلك عانت الصادرات الاميركية من الذرة وتم سحب ستارلنك من الاسواق منذ ذلك الحين، ولا احد يعلم حتى الآن ما اذا كان احد ما قد عانى بالفعل من حساسية ازاء الذرة، مع انه من المستبعد حدوث ضرر خطير او واسع النطاق، ومع ذلك فإن هذا الحادث عزز الفكرة في اذهان الجمهور بأن الهندسة الوراثية قد تجعل الغذاء غير آمن. والمخاوف الاخرى التي تم التعبير عنها منذ البداية تتمثل في احتمال انتقال المورثات من المحاصيل المعدلة وراثياً الى الاعشاب القريبة منها في العائلة، مما ينجم عنه ظهور «اعشاب سوبر» تصعب السيطرة عليها، ان هذا الامر لم يحدث حتى الآن، مع ان نسخة اخف من الخطر نفسه ظهرت في كندا، فقد عثر الباحثون هناك على نباتات من نوع اللفت المنتج للزيت مقاومة لانواع ثلاثة من المبيدات العشبية، مع انه لا توجد اي بذرة تجارية تحمل اكثر من مورثة واحدة للمقاومة، ويعتبر هذا التجمع للمورثات المقاومة دليلاً على قدرتها على الانتشار من خلال تهجين انواع مختلفة من النباتات المقاومة للمبيدات العشبية عن طريق انتقال حبوب اللقاح بواسطة الرياح والحشرات وهذه النباتات المقاومة والتي يمكن ان تظهر كأعشاب في المروج والحقول المزروعة بمحاصيل اخرى، هي اقرب ما تكون من «الاعشاب السوبر» التي كان يتخوف منها علماء البيئة منذ البداية. ضرار عمير