عندما بدأت الكتابة عام تسعة وخمسين من القرن الماضي، والنشر عام ثلاثة وستين، لم يكن ممكنا نشر كلمة واحدة إلا بعد المرور على الرقيب، أذكر أول مرة وقعت عيناي، فيها على الرقيب، كان ذلك في صالة تحرير جريدة المساء التي نشرت فيها قصصي الأولى، في صفحتها الأدبية التي كان يشرف عليها الأديب والفنان الراحل عبد الفتاح الجمل، الذي أهديت إليه أول كتبي «أوراق شاب عاش منذ ألف عام». كان الرقيب موظفاً في وزارة الاعلام، يتبع إدارة اسمها مكتب الصحافة وكان يجيء مزودا بتعليمات محددة، أي مزود بنقاط محددة ممنوع النشر عنها أو الخوض فيها، أما فيما يتعلق بالأدب فكان الأمر يعتمد على خبرته وثقافته ومدى استيعابه لما يقرأه، وعندما تفرغت للعمل الصحفي، والتحقت بدار أخبار اليوم عام تسعة وستين، كنت أرى الرقيب في صالة التحرير، كان موعده ثابتا يجيء في الرابعة بعد الظهر ويمكث حتى العاشرة ليلا تقريبا بعد طبع الجريدة، يراجع ما نشر فيها سطرا سطراً ويقارنه بتجارب المطبعة التي وافق عليها، وبعد أن يتأكد من التمام يوقع النسخة، هكذا يمكن طرح الجريدة في الأسواق، كثيرا ما كان الرقيب يتصل برئاسته عبر الهاتف، وتظل السماعة ملتصقة بأذنه وقتا ليس بالهين. الغريب أنني لا أذكر ملامح أحد هؤلاء الرقباء، تتداخل وجوههم وصفاتهم لتتلاشى في المعنى الوظيفي لما كانوا يقومون به من مهام، انه الرقيب وكفى رفض رقيب جريدة المساء أكثر من قصة قصيرة لي. رأيت تأشيرته الحمراء على تجارب الطبع، لم تكن الماكينات في ذلك الوقت تدار بالحاسب الآلي، ولكن كانت الحروف تصف بمادة الرصاص وترص في قوالب، ثم تطبع الصفحات بمادة الزنك، كانت هذه الطريق حديثة وقتئذ، تعرف باللينوتيب، كنت أرى الأسف عالقا بملامح عبد الفتاح الجمل وهو يخبرني: الرقيب رفض قصتك. كنت أطرق موضوعات تتعلق بالحرية، والظلم الاجتماعي، وقبل اعتقالي عام ستة وستين كتبت أكثر من قصة عن التعذيب في المعتقلات أذكر منها قصة القلعة عام ثلاثة وستين، ورسالة فتاة من الشمال عام أربعة وستين، و المغول عام ستة وستين، كنت أعبر من خلال تجارب الآخرين وتوقعي لما يمكن أن يحدث لي، إلى أن أعتقلت بالفعل وأمضيت ستة أشهر صعبة، مررت خلالها بتجربة الحبس الانفرادي والتعذيب البدني خلال مرحلة التحقيق في معتقل القلعة الرهيب، بعد خروجي عام ستة وستين وكان ذلك تلبية لطلب جان بول سارتر قبل وصوله إلى القاهرة برفقة سيمون دوبوفوار من الاستاذ محمد حسنين هيكل، لقد طلب الافراج عن مجموعة الأدباء والمثقفين الذين كنت بينهم وتمت الاستجابة إلى طلبه وقد رحل سارتر عن عالمنا ولم ألتقى به شخصيا قط، بعد خروجي أصبحت قضية مقاومة القهر أعمق، لم أعد أراها في لحظتي الراهنة، إنما عبر الماضي ومن خلال تخيل المستقبل أيضا . هل كان إتقاني للغة السرد في العصر المملوكي أحد وسائل مراوغة الرقيب ؟ الآن يمكنني القول : نعم، عندما كتبت هداية أهل الودي لبعض ما جرى في المقشرة، تخيلت أنني عثرت على مخطوطة قديمة في مسجد قديم بالجمالية وأنني أنشر قصة، قدمت المخطوط المتوهم بشرح أصفه فيه، وتحدثت عن موضوعه، إذ كان يتضمن مذكرات آمر سجن المقشرة أحد السجون المملوكية البشعة، ونواة القصة حادثة حقيقية، إذ تسلم آمر السجن أربعين فلاحا لوضعهم في الحبس إلى حين عرضهم على السلطان بسبب ذنب اقترفوه أو اتهموا به، بعد أيام اكتشف آمر السجن هروبهم فنزل إلى الطريق وقبض على عدد من العوام أحصاهم فوجدهم اثنين وأربعين، عندئذ قتل اثنين وامر بتشديد الحراسة على الأربعين حتى لا يتكرر الهروب الجماعي، المهم أن يسلم عهدته تامة غير منقوصة. فوجئت بنشر القصة في المساء كاملة غير منقوصة، بدا عبد الفتاح الجمل سعيدا للغاية، قال لي همسا أن الرقيب أجاز النص على أساس أنه مخطوط حقيقي، يمت إلى العصر الملوكي . هكذا نشرت أيضا رواية الزيني بركات في مجلة روز اليوسف بعد ثلاثة أعوام، إذ كانت لغتها الحقيقية توحي بالقدم، وأحداثها تدور في القرن السادس عشر الميلادي، هكذا ظهرت سلسلة في روز اليوسف المصرية، وعندما تقرر نشرها في وزارة الثقافة السورية اعتبرها الرقيب رواية عن مصر، رغم أن الأجهزة البوليسية في سوريا أكثر ضراوة، وكان لابد أن يمضى أكثر من ربع قرن حتى تتحول الرواية إلى مسلسل تليفزيوني أخرجه الفنان الراحل يحيي العلمي والذي بذل جهودا عديدة لتقديمها، أستغرق الأمر منه أكثر من ربع قرن. عرفت الرقابة أولا من خلال النشر في الصحف، ثم بدأت أتعرف عليه كرقيب على الكتب، عندما أعددت مجموعتي القصصية الأولى للنشر أوراق شاب عاش منذ ألف عام، كان لابد من عرضها على رقابة الكتب، كانت الرقابة على الكتب تتبع هيئة الاستعلامات، إحدى مؤسسات وزارة الاعلام، في ذلك الوقت كانت تحتل مبنى شهير في وسط المدينة، الرقابة على الكتب تشغل عدة حجرات من الطابق السادس، كان المؤلف أو الناشر يذهب إلى المكتب، يسلم مخطوط الكتاب الذي يريد نشره من نسختين، ويحدد له ميعاد ليتسلمه، في الموعد المحدد يتم تسليمه المخطط، إما سليما تماما، وإما بعد حذف بعض الفقرات منه أو رفض طبعه مع عدم التصريح بالأسباب وفي حالة الموافقة على الطبع، سواء كان النص كاملا أو ناقصا، تمهر الصفحة الأولى بتعبير الموافقة مع ختم النسر الرسمي، عندئذ يمكن الدفع بالنص إلى المطبعة، لا يمكن لأي مسئول عن مطبعة أن يقبل نصا بدون موافقة الرقابة وختم النسر، بعد الانتهاء من الطبع، يتم تسليم المؤلف أو من ينوب عنه، أو يقوم الناشر بتلك المهمة، يتم تسليم خمس نسخ للحصول على موافقة الرقابة النهائية والتوقيع وختم النسر مرة أخرى، هذه المرة على الصفحة الأولى من الكتاب، بدون هذا الختم لا يمكن لشركات التوزيع أن تقبل النسخ، أو تطرحه في الأسواق. مازلت أذكر صديقي سمير ندا الذي تولى إصدار كتاب الطليعة التي طبعت كتابي الأول، جاء إلى مقهى الفيشاوي يحمل خبرا سعيدا، مازلت أرى ملامح وجهه المتهللة، الطيبة، عندما ظهر أمامي، ليعلن المدام سعاد وقعت على النسخ الخاصة بالرقابة، حتى الآن لم التق بالسيدة سعاد، لا أعرف ملامحها، هذه الرقيبة التي أجهلها كان ممكنا لأي سبب لا أعلمه أن تعوق مساري كله بمنع التصريح بطبع الكتاب. ظل هذا الوضع فيما يتعلق بالكتب متبعا حتى عام ستة وسبعين، عندما أعلن الرئيس أنور السادات، الغاء الرقابة على الكتب، أسوة بالغاء الرقابة على الصحف لقد تولى الرئيس السادات السلطة فعلا في مايو سنة واحد وسبعين عندما أقصى عددا من أنصار الرئيس جمال عبد الناصر فيما تسمى أولا بحركة التصحيح، أي تصحيح مسار ثورة يوليو التي قامت عام اثنين وخمسين، وكان السادات أحد قادتها، ثم تحولت حركة مايو إلى ثورة مايو فيما بعد وتم رفع شعارات الديمقراطية وانتهاء الرقابة، أذكر أنني في مايو وخلال خضم المقالات التي راحت تروج لعودة الديمقراطية، ونهاية الدكتاتورية، وتبشر بالزمن الجديد، زمن الحريات، أن كتبت مقالا صغيرا انبه فيه إلى ضرورة الغاء الرقابة على الكتب، ولكن لم يتوقف عنده أحد، كان لابد أن تمر خمس سنوات حتى يصدر قرار بالغاء الرقابة على الكتب، جرى ذلك عام ستة وسبعين، وهكذا نشأ وضع جديد أصبح ممكنا للمؤلف أن يتجه مباشرة إلى أي مطبعة ويدفع بكتابه إليها، بواسطته مباشرة، أو من خلال ناشر، هكذا طبعت أول كتاب لي في ظل الظروف الجديدة، ذكر ما جرى دفع به الناشر إلى المطبعة رأسا، بالطبع حدث تقدم نسبي، أقول نسبي لأن الأمر كان له ظاهر وباطن، في الظاهر تم الغاء الرقيب الموظف الذي مرت من خلاله كافة الأعمال الأدبية منذ بداية القرن الماضي وحتى عام ستة وسبعين . كانت الرقابة على المطبوعات تتبع وزارة الداخلية مباشرة خلال النصف الأول من القرن، ثم أصبحت تتبع وزارة الاعلام بعد ثورة يوليو والتي كان اسمها أولا وزارة الإرشاد القومي، هذا في الظاهر، لقد اختفى الرقيب الرسمي، ولكن أصبح صاحب المطبعة رقيبا بدرجة ما، فإذا شك في مضمون كتاب يبادر إلى إبلاغ المباحث العامة بوزارة الداخلية والتي تحتفظ بعلاقات وثيقة بجميع أصحاب دور الطبع، وهؤلاء من مصلحتهم أن تكون العلاقة جيدة، لقد كان من الضروري للمطابع أن تحصل على ترخيص من وزارة الداخلية لممارسة النشاط، تماما مثل السلاح الذي يجب أن يحصل صاحبه على ترخيص من وزارة الداخلية أيضا،كان ذلك حتى سنوات قريبة، قبل ظهور الحواسب الآلية والتي يمكن من خلالها صف كتاب كامل على قرص مدمج لا يزيد وزنه على عشرة جرامات، ويمكن طبعه في عدة نسخ من خلال ماكينات متطورة، صغيرة الحجم، لقد ألغى التطور التكنولوجي جزءا كبيرا من الرقابة الفعلية على الكتب، وقد استفدت شخصيا من البدايات، عندما ظهرت في السبعينيات وسيلة طبع رخيصة، الماستر حيث يتم الطبع بالتصوير لعدة مئات من النسخ، هكذا أقدمت بمعونة الفنان الراحل محمود بقشيش على طبع قصتين قصيرتين في عام ستة وسبعين، وفي وقت كان معظم الأدباء يواجهون صعوبة في نشر إنتاجهم، خاصة ذلك الذي يحتوي على رؤية نقدية للواقع، طبعت قصتي نوبة حراسة والعري بطريقة الماستر الرخيصة التكاليف، وشهدت السبعينيات انتشار مطبوعات الماستر، بل ان كتبا كاملة، ومجلات هامة طبعت بهذه الطريقة، حدث تطور سريع في وسائط النشر خلال السنوات الأخيرة، وذروة هذا التطور ظهور مواقع عديدة على شبكة الاتصالات الدولية إنترنت ومن يطلع على هذه المواقع التي لا تخضع لرقيب وما ينشر فيها سيجد فارقا كبيرا بين ما يطبع على الورق الآن وما ينشر على تلك المواقع، غير أن أشكالا أخرى وأخطر من الرقابة بدأت في الظهور منذ منتصف السبعينيات نتيجة تزايد المد الأصولي، والذي أدى إلى ما أسميه رقابة المناخ التي تتسرب إلى داخل الذات، وتلك الأخطر على الإطلاق بالنسبة للكاتب!