من الطبيعي أن يعقد الانسان صداقات حميمة مع أبناء جنسه.. يحس بهم ويحسون به.. يشاطرهم أفراحهم وأحزانهم.. يتعلم منهم ويعلمهم.. لكن هناك من عقد صداقات لا تختلف بطبيعتها عن العلاقات الانسانية الطبيعية لكنها ليست مع بني البشر.. سعيد بن علي الشامسي أحد القلائل الذين استطاعوا كسر القاعدة وارتبطوا بعلاقات حميمة ووثيقة مع البحر.. علاقة صداقة وحب واحترام متبادل استمرت قرابة الاثنى عشر عاما.. تعلم من البحر الكثير واكتسب منه مهارات لا تعد وتحصى، تعلم فنونه وعرف كيفية التعامل معه، سبر أغواره، وأصبح صديقاً حميماً للأزرق المترامي، وعاشقاً للسفر والترحال والتنقل من ميناء لآخر.. وهكذا ظلت المحبة قائمة حتى اليوم فالحنين دائما موجود حتى وان حالت ظروف الحياة الحالية لعدم التقاء الصديقين كما ينبغي.. ولد سعيد بن علي الشامسي في امارة رأس الخيمة وذلك في عام 1928 وهو يذكر سنة ميلاده على وجه التحديد عكس معظم كبار السن الذين يربطون تاريخ ميلادهم بحادثة شهيرة مثل عام «الطبعة» أو عام «الرحمة» أو سنة «الجديري» وغيرها، أما الفضل في ذلك فانه يرجع الى والده الذي أرخ تاريخ ميلاده مسجلا في كتاب حفظه لديه.. كان والده رحمه الله من أولئك «الطواويش» المشهورين المعدودين الذين حققوا شهرة واسعة في دول الخليج في تلك الفترة في عمليات بيع وشراء اللؤلؤ.. يقول سعيد عن ذلك: كان الوالد رحمه الله طواشا من الذين امتهنوا هذه المهنة في الخليج وهم معدودون من أمثال محمد بن أحمد بن دلموك في دبي، وأحمد بن خلف بن عتيبة في أبوظبي ومرزوق بن كامل ومحمد بن كامل وفي أم القيوين هناك عبدالله بن راشد وفي جزيرة زعاب هناك أحمد بن عمران.. هؤلاء المشاهير في زمان اللؤلؤ اضافة الى الكثيرين الذين كانوا يشترون «القماش» ويبيعونه. ويفتح الشامسي قلبه لحديث الذكريات حيث يقول: أهل المنطقة عاشوا سابقا على أمرين رئيسيين في الحصول على لقمة العيش هما البحر والبر.. من البحر كانوا يصطادون رزقهم، ويغوصون في الهيرات بحثا عن اللؤلؤ، وفي البر كانت هناك بعض الزراعات البسيطة التي تتناسب مع طبيعة المنطقة وكانت الادوات والوسائل المستخدمة تقليدية وبسيطة مثل اليازرة ثم تطورت قليلا بعد أن أحضر ناصر بن عبداللطيف السركال مكائن الماء «الطرنبات» وبصراحة كان له الفضل في ذلك فهو أول من جلبها الى المنطقة.. ويواصل حديثه عن طبيعة الحياة في تلك الفترة وظروف المجتمع حيث أكد أن الناس كانوا يعيشون في شظف ومشقة لكن الحياة كانت مريحة والتكافل الاجتماعي كان يغطي جوانب الصعوبة الحياتية فالمجالس كانت مفتوحة وأهالي البلد كانوا متعاونين ومتعاضدين ولديهم من العادات الممتازة التي مازال جزء منها باقيا الى الان ولم تختف نهائيا حتى في زمننا الحالي.. الدراسة في الهند وباكستان تربى سعيد الشامسي في كنف والده الذي كان جل همه أن ينهل ابنه من العلم قدر استطاعته ومن أجل ذلك أخذه الى الهند وباكستان ليتعلم اللغة الانجليزية وبعض العلوم الاخرى ليكون بذلك من اوائل أهل المنطقة الذين غادروها طلبا للعلم .. يقول الشامسي: أخذني أبي الى الهند لأدرس اللغة الانجليزية منذ صغري حيث التحقت في المدارس النظامية في بومبي ومدرسة محمد علي جناح في كراتشي وكنت أمكث فيهما في كل مرة مابين 4 الى 6 أشهر، واستفدت من ذلك كثيرا حيث أجدت اللغة الانجليزية قراءة وكتابه ومحادثة اضافة الى العلوم الاخرى وتعلمت كذلك اللغة الاوردية.. ويضيف: كان والدي رحمه الله شغوفا بالعلم يريدني أن أنهل من مختلف العلوم حيث قرر بعد مدة أن يرسلني الى مصر حتى أواصل تعليمي في جامعة الازهر، الا أنه عدل عن الفكرة بحكم انه لم يكن له أحد من المعارف في مصر فاقلع عن الفكرة.. اما عن تعليمه في الامارة فكان على يد القاضي أحمد بن حجر برأس الخيمة حيث كان يعلمهم العلوم الدينية في منطقة المعيريض، وبعد فترة قام المغفورله باذن الله الشيخ سلطان بن سالم القاسمي حاكم رأس الخيمة آنذاك بجلب قاض آخر هو مشعان العنزي من العراق ونهل على يديه من علوم النحو والبديع والبيان والقوافي وبعض العلوم المبدئية كما استطاع حفظ ألفية ابن مالك في النحو، و كان الشيخ حميد بن محمد القاسمي والشيخ كايد بن محمد القاسمي وعبد الله بن عبد العزيز بن احمد من اللذين درسوا معه في هذه المرحلة. مراحل التعليم ومن المواقف التي لا ينساها الشامسي في حياته عند الشيخ مشعان عندما كان يحفظ ألفية بن مالك هو ومجموعة من أقرانه الذين كان عددهم لا يتجاوز أصابع اليد الواحدة، وكان هو يحفظ في اليوم 25 بيتا من الالفية بينما الاخرون لا يحفظون سوى 7 أبيات، وفي أحدى جلسات الدراسة وبينما كان سعيد يسمع ما حفظه وبحضور والده رحمه الله اذ بالمعلم يهيل عليه كلمات العتاب وينهره على عدم حفظه سوى ابيات معدودات ، فما كان منه الا أن قوى ارادته واستجمع قواه وقال للمعلم كيف تهاجمني أمام والدي وتنتقد حفظي وأنا أكثر الطلاب حفظا من الآخرين والذين لا يحفظون سوى 7 أبيات بينما أحفظ أنا 25 بيتا من الالفية؟! فرد عليه الشيخ مشعان ردا لايزال يذكره بل أصبح من الحكم المفضلة لديه والتي لم ينسها مع طول الفترة وعدد الليالي التي تواترت على هذه الكلمات حيث قال له: اياك أعني وأفهمي ياجارة!! أما عن مراحل التعليم فيقول الشامسي: لم تكن هناك مراحل تعليمية نظامية كما هو متبع حاليا، كما لم تكن هناك فصول دراسية أو طلبة منتظمون في تلك الحقبة، كانت الدراسة بالوسائل التقليدية وكنا مجموعة بسيطة نتلقى بعض علوم اللغة والفقه والنحو وبعض العلوم الاخرى اضافة الى ذلك فقد كنت أقرأ بعض الكتب التي كانت تقع بين أيدينا من هنا وهناك، ولم أكن أركز على نوعيات معينة أو مجالات بعينها وانما أقرأ كل شيء.. قصة الصداقة مع البحر وعن قصة صداقته الطويلة مع البحر وحياة السفر والتجارة يقول: رأس الخيمة كانت شهيرة بالسفن وأهلها كانوا يتباهون بامتلاكهم للسفن حيث كانت بالنسبة لهم في ذلك الوقت مصدر رزق مهم، وفي احدى المرات استشرت الوالد لنقوم بشراء سفينة أسوة بأقراننا وزملائنا الا انه لم يقتنع بالفكرة لانه لم يكن من أهل البحر ولا تستهويه السفن ..ولكن وبعد فترة من الزمن وخاصة بعد أن بدأت تجارة القماش تتردى وتتدهور بسبب ظهور اللؤلؤ الصناعي من اليابان ، بدأ يقتنع بالموضوع.. ويتابع حديثه شاكرا الله العلي القدير الذي يفتح أبواباً جديدة للرزق دائما كلما تغلقت الابواب الاخرى حيث بدأ الناس يلجأون الى البحر والسفر بعد انتهاء عصر اللؤلؤ وبالتالي وافق الوالد على شراء «البوم» وبدأت في مشاوير السفر، وانطلقنا الى الهند ثم عدن ومنها الى زنجبار والصومال وبدأنا في نقل البضائع من البصرة الى افريقيا وبالعكس.. ومن أشهر أصحاب السفن الذين عملوا في البحرآنذاك عيسى بن علي بن مفتول و سلطان بن سيف بن سيفان وحمد البادي وجاسم بن عبيد العبدولي وعلي بن سالم الزعابي.. وحول كيفية تعلمه فنون البحر قال سعيد بن علي الشامسي: كان ذلك على يد معلم السفينة ابراهيم الموسى الذي كان يعطيني أنا وابنه محمد الموسى دروسا في علوم البحر الى ان اتقناها.. أما عن أهم الادوات المستخدمة في سفن البحر قال ان هناك اربع ادوات مرتبطة ببعضها وهي في غاية الاهمية أولها الكمال وبه يتم قياس الشمس ودرجاتها على الخارطة ، ثم هناك الخوارط، ثم «التوبدال» وهو الذي يرمى وراء السفينة ويكون مربوطا بخيط ويتم من خلاله معرفة الاميال التي قطعتها السفينة.. خط سير الرحلات وحول خط سير الرحلة يقول انه كان طويلا جدا وتبدأ الانطلاقة نحو البصرة التي يتم جلب التمر منها لنأخذه الى عدن وزنجبار والصومال لنبيعه هناك، ومن هذه المدن نجلب الجندل وزيت جوز الهند والدهن والبضائع المتفرقة لنبيعها على التجار عند عودتنا الى البلاد.. ويشير الى أن السفينة كانت تقوم برحلتين في كل عام، و كل رحلة كانت تستغرق حوالي أربعة أشهر بالسفن الشراعية، وكانت كل سفينة تحمل حوالي 17 شخصا جميعهم من أبناء البلد، وكان التقسيم الاداري في السفينة يبدأ من عند المعلم وهوالمسئول عن تحديد مسار السفينة، ثم يأتي النوخذة المسئول عن حركة الشراع ، ثم يأتي المجدمي وهو المسئول الرئيسي عن البحارة، ثم السكونية وهم الذين يمسكون عجلة القيادة ويتناوبون عليها، والباقون هم البحرية وهناك الطباخ أيضا.. ويتم تزويد السفينة بالزاد و«الماكلة» وكانت عبارة عن الارز والسح والخبز وغيره أما السمك فكان من البحر يتم اصطياده بشكل يومي تقريبا.. ويتذكر الشامسي سنين الحرب العالمية الثانية والتي شحت خلالها الأرزاق، وقلت المواد الغذائية، فما كان منهم الا أن ضاعفوا جهودهم في جلب المواد الغذائية من عدن ونتج عن ذلك ربحا جيدا يتناسب مع حجم العمل والجهد الذي بذل في جلب السكر والأرز والطحين والاقمشة من عدن لسد الاحتياجات المتزايدة التي شعر بها أفراد المجتمع طوال فترة الحرب العالمية.. الظروف الاجتماعية في بلدان السفر وحول الظروف الاجتماعية في البلدان التي كانوا يشدون العزم اليها قال: كانت متطورة بالمقارنة الى ما كنا عليه سابقا خاصة عدن التي كانت مركزا تجاريا شهيرا اضافة الى أنها كانت منظمة اداريا بحكم كونها مستعمرة انجليزية، كما كانت تشهد عدالة اجتماعية بالرغم من بعض الظلم الذي كان يعاني منه المواطنون بحكم كونهم مستعمرين، وزنجبارأيضا كانت تشهد رفاهية ونعمة خاصة خلال فترة حكم آل بوسعيد سلاطين عمان الذين كانوا يحكمونها، ولقد زرتها مرتين في حكمهم، الاولى في عهد السلطان عبدالله البوسعيدي والثانيه في فترة حكم ابنه جمشيد بن عبدالله البوسعيدي وهو آخر السلاطين العمانيين في زنجبار، عموما كان العمانيون كثير منهم يعيشون في زنجبار، وكانت البلاد منظمة والناس يعيشون في رغد من الحياة وفي أمان واطمئنان الى أن تغيرت الظروف السياسية فيها.. اعتزال حياة البحر بعد ذلك وبعد رفقة حوالي 12 عاما ترك سعيد الشامسي البحر واعتزل الاسفار والترحال لكنه يؤكد أن البحر أعطاه الكثير، يقول الشامسي: من أعظم فوائد البحر التي مازلت أنعم بها الى يومنا هذا الصحة والعافية.. فالبحر أعطانا الهواء النقي الذي أبعد الامراض عنا، وفي البحر كانت الحركة الدؤوبة التي أشتدت بها أجسامنا مما أعطانا قدرة على التحمل مازلنا نشد بها أزرنا الى يومنا الحاضر.. وعن أسباب اعتزاله حياة الاسفار يقول: لقد منْ الله علينا بمجيء صاحب السمو الشيخ زايد بن سلطان آل نهيان رئيس الدولة حفظه الله، وفتح الله على يديه أبواب الرزق، وأنفجرت آبار النفط جالبة الخيرات للبلاد.. ومن ثم قام الاتحاد بتعاون وثيق بين الحكام الذين عملوا على لم الشمل، وأسسوا قاعدة أساسية يفتخر بها كل انسان، وأصبحنا نفاخر الناس بالعدالة الاجتماعية السائدة في الدولة، والديمقراطية المفتوحة على مصراعيها في مجلس كل حاكم حيث يستطيع الانسان الدخول في أي وقت، والتحدث في أي موضوع ، واذا كان على حق أخذ حقه فورا أما ان كان على غير ذلك فانه يجد النصيحة والتوجيه.. نحمد الله على ذلك كثيرا، وكل ما نتمناه هو أن يمد الله في عمر باني هذه النهضة الشيخ زايد واخوانه حكام الامارات.. ويعود الى الذاكرة بعد ما ترك البحر قائلا: لقد انتقلنا بعدها الى دبي ، وقضيت بها فترة من الزمن مارست خلالها بعض الاعمال التجارية لمدة طويلة، ثم انتقلت الى الشارقة بعد حكم الشيخ سلطان بن محمد القاسمي حفظه الله ومازلت بها أزاول نفس الانشطة والاعمال التجارية التي بدأتها ومعظمها في مجال العقارات.. وبصراحة شديدة فان صاحب السمو الشيخ سلطان بن محمد جاء الى الشارقة بالبركة والخير، وتغيرت المدينة كثيرا في عهده عما كانت عليه، وأصبحت الان مدينة الثقافة والعلوم.. كما أن مدينة دبي تطورت كثيرا بدرجة عالية عما كانت عليه في الماضي والفضل في ذلك يعود الى المغفور له باذن الله تعالى الشيخ راشد بن سعيد الذي طور البلاد بنظرته الثاقبة التي كانت تسبق عصره بعشرات السنين، ومن بعده أكمل أنجاله حفظهم الله مسيرته وأستطاعوا أن يجعلوا من دبي مركزا عالميا للمال والاعمال.. وفيما يتعلق بحياته الخاصة يقول الشامسي: لقد قرر والدي أن يزوجني وأنا أبن الثامنة عشرة من عمري عندها لم أكن أعرف ماذا يعني الزواج ..ولكنها كانت عادة العرب لحفظ أبنائهم وصيانتهم من أمور الحياة السلبية.. تزوجت وأنجبت ستة من الاولاد انتقل أثنان منهم الى رحمة الله .. أكبر أولادي هو علي ثم عادل ثم شامس وهادف وكلهم ولله الحمد أكملوا تعليمهم في الولايات المتحدة الامريكية.. تعليم الابناء يتابع حديثه عن مباديء الاخلاق التي حرص أن يزرعها في أبنائه كما تعلمها من والده فيقول: كنت أسعى أن يكون أبنائي خائفين الله في المقام الاول، وأن يكونوا على درجة من الاستقامه وأن يكونوا صادقين في تعاملهم مع الناس، بارين لأهلهم وذويهم.. والحمدلله زرعت هذه الامور فيهم منذ صغرهم وهي الان موجودة والحمدلله سيرتهم جيدة وصالحة.. ويقول الشامسي عن زمن النهضة والتطور: الحمدلله بفضله فان الامور جيدة والخير كثير، وأدعوا الله من كل قلبي أن يديم على هذه المنطقة وكل دول الخليج الأمن والأمان والسلام، وأن يحفظ حكام المنطقة وعلى رأسهم صاحب السمو الشيخ زايد بن سلطان آل نهيان.. الحنين الى الماضي أما عن الايام الخوالي أيام البحر فيقول: مازال الحنين موجوداً، وما زلت أشتاق بقوة الى البحر، وفي كثير من الاحيان أطفيء شوقي بالذهاب مع ابني في رحلات بحرية في يخته.. كما أني أصبحت من هواة السفر، حيث أصبحت كثير السفر في الاونة الاخيرة للسياحة والعمل في آن واحد.. ولكن ايامنا لن ننساها أبدا ما حيينا، فهي عشقنا الخالد، وهي شوقنا الابدي الذي لن يبارح صدورنا، فما زلنا نعيش تلك الايام في مخيلتنا، وما زالت أحاديثنا وذكرياتنا نرددها عن تلك الحقبة الغالية التي طواها التاريخ لكن لم تطوها قلوبنا أبدا.. حوار: سامي الريامي