التأكيد لن اغفر لنفسي جريمة قتلي لولدي الوحيد، لو انفجر الآن باب غرفة العمليات متشظيا عن واحد من اطباء القلب الذين يجرون لطفلي عملية جراحية خطيرة في قلبه الرقيق، ليشطر قلبي ، ببرود اعصابه الانجليزية فاتكا لآخر امل لدي انا وامه التي تتكور فوق المقعد الملاصق لي في اشهر مستشفيات لندن مواصلة تلاوتها لآيات القرآن الكريم تارة، والتضرع الى الله تارة اخرى، متوسلة من بين خيوط دموعها ان ينقذ طفلها الذي منحه اياها بعد انجابها لثلاث بنات، لو خرج لينطق بملامح وجه محايد بكلمتين حارقتين «مات الطفل». حتما ستغادر زوجتي الحياة في الحال اما انا فسأظل على قيد الحياة ليس حبا في الحياة ولكن لكي اتجرع كل ثانية حريق انتقام القدر مني.. مني انا وحدي.. لذنب.. بل لجريمة ارتكبتها ولم يعرف بها اي مخلوق غيري جريمة ارتكبتها في حق انسان وديع طيب مسالم على اية حال لم تكن جريمة زنى في عرضه ولم تكن جريمة قتل له او لاحد من افراد اسرته فقط كانت مجرد سرقة بدأت بمزاح وانتهت بتصرف لص محترف، لو كنت اعرف ان سرقة اربعين الف درهم اماراتي قد تكلفني حياة ابني بالاضافة لما انفقته حتى الآن على العملية والعلاج من اضعاف ذلك المبلغ لما فكرت فيها على الاطلاق ـ لعنة الله على الشيطان ـ كأنه هو الذي كان يسوقني لارتكاب ذلك عندما دفعني الى التلصص على زملائي المدرسين ليلا من خلف زجاج حجرة المعلمين بالمدرسة النائية التي اعمل بها والتي اذهب اليها مع البعض منهم لاعداد دروس اليوم التالي، في بعض الليالي في كل مرة اذهب لاداء ذلك كنت ادخل مباشرة من باب الحجرة واجلس على طاولتي في الغرفة واعد الدرس فيما لايزيد على نصف ساعة، ثم اغادر الى بيتي الذي يجاور المدرسة كبقية مساكن المعلمين في القرى النائية بدولة الامارات، لكن في هذه المرة سيطرت على ذهني فكرة طائشة!! «لماذا لا اداهم الزملاء المنهمكين في تحضير دروسهم منعزلين بكل كياناتهم عن كل ما حولهم خاصة ان الجالس في اضاءة الحجرة لا يمكنه ان يرى الواقف في الظلام المحيط بها؟!». تسللت بحرص شديد الى النوافذ الخلفية ،انا واثق ان احدا منهم لن يتمكن من الاستماع الى صوت احتكاك قدمي بالارض، ليس فقط لانني خلعت نعلي وسرت حافيا بل لان هدير مكيفات الهواء التي تغمر فراغ الحجرة بفيض برودتها ستحول تماما دون التقاط أدق الآذان لاي صوت خارج الغرفة وبينما كنت احاول حبس ضحكة قررت ان اطلقها حينما يجفل الزملاء لصراخي المفاجيء اذ بالضحكة او حتى مجرد التفكير في اطلاقها قد تلاشى تماما من سقف ذاكرتي عندما لمحت زميلنا معلم التربية الاسلامية الشيخ خلف المنوفي يقف وحيدا في الغرفة متلفتا حوله مصوبا نظرات حذرة في كل الجهات!! حتى في الجهة التي اقف فيها متدثرا بظلام آخر الشهر العربي!! جمدت في مكاني بشكل غريزي لم يكتف بهذا.. توجه الى باب الحجرة مد عنقه خارجه ادار عينيه بحرص اكثر واكثر.. خمنت الى حد الجزم ان هذا الرجل يريد ان يرتكب شيئا منكرا او على الاقل يعد لعمل شيء يخاف ان يراه او يعرفه احد.. تورم حب استطلاعي بشكل فوري انكمشت في مكان لا يظهر منه غير عيني زادت دهشتي عندما رأيت الشيخ خلف المنوفي يخرج من جيب جلبابه رزمة من الاوراق لم تكن واضحة لي في موضعي فتح درج مكتبه رفع منه كتابا ضخما فرد ما كان بيده وسط الكتاب اعاد النظر في كل الاتجاهات اطمأن الى عدم وجود احد وضع الكتاب بما فيه داخل الدرج اغلقه بمفتاح ضمن سلسلة مفاتيحه التي يحملها بشكل دائم في جيبه. لحظتها قررت ان اعود الى بيتي دون ان اعد الدرس وحتى لا يراني الشيخ خلف او اي مخلوق آخر انسحبت متخفيا لم انتعل نعالي الا بعد ان غادرت سور المدرسة تماما كان الحظ معي لاني لم ألتق بأحد على الاطلاق عندما سألتني زوجتي دهشة عن السبب الذي اعادني من المدرسة دون ان اعد الدرس كالعادة، اخترعت لها عذرا كاذبا مدعيا اني وجدت باب حجرة المعلمين مغلقا على غير عادته توجهت الى غرفة نومي القيت بظهري فوق السرير لم انم ليلتها ربما حتى مطلع الفجر صرت اسيرا لرغبة عارمة كاسحة «ماذا يمكن ان تكون خبيئة الشيخ خلف؟!! اكبر الظن انه خبأ اوراقا نقدية داخل المجلد لكن لماذا خبأها في المدرسة؟! لماذا لم يضعها في البنك او يحولها الى بلده كما نفعل جميعنا؟! لماذا لم يحتفظ بها في بيته؟! ربما لا تكون نقودا مجرد اوراق مهمة». في مواجهة ابتلاع دوامة الاسئلة المتضاربة لكل كياني نهضت الى العلبة التي احتفظ فيها بالاشياء القديمة ومنها مجموعة من المفاتيح المناسبة للمكاتب وادراجها لقد قررت نهائيا ان اقتحم مخبأ الشيخ خلف اكشف عن خبيئته تذكرت كلمات صديقي الفلاح الذي تركته في قريتنا منذ ان تعاقدت للعمل في الخارج منذ عشر سنوات نصحني في معرض كلامه كخبير «اذا اردت ان ترتكب جريمة في حق انسان فعليك ان تصادقه اولا!!.. تعمق صداقته الى حد الثقة بك!! حتى اذا ما ارتكبت جريمتك جعلته يشك في الجميع او حتى في نفسه ولا يشك فيك انت!!». صارحت زوجتي في اليوم التالي بان الواجب يفرض علينا ان نقوم بزيارة الى بيت الشيخ خلف، وخاصة ان زوجته جليسة في البيت لا تعمل في مدرسة البنات في القرية مثل بقية الزوجات اللاتي يعملن مما لا يشعرهن بالملل في مثل هذه المنطقة المنغلقة والبعيدة عن العمران ووسائل التسلية فيما عدا التلفاز ببرامجه المملة. بالرغم من ملامح الدهشة التي قفزت الى وجه زوجتي وهي تتابع كلماتي المرطبة بمشاعر الشفقة التي لم تعهدها مني تجاه احد، فضلا عن رأيي الناقم على تصرفات الشيخ خلف ذاته وما يسيطر عليه من بخل واقلال على نفسه وعلى اسرته حيث يعلن بشكل دائم انه لن يفكر في شراء سيارة خاصة به في مثل هذه المنطقة تساعده هو واسرته على كسر طوق العزلة وتلطيف حياة الغربة ولو بالاتصال بأقرب مدينة بها سوق ومستشفى وحديقة عامة تبعد بحوالي سبعين كيلومترا يفر اليها جميع المعلمين بعائلاتهم كل يوم خميس تقريبا لكن الشيخ خلف وحده ومعه زوجته واطفاله السبعة هم حصيلة زواجه منذ ثمانية اعوام فقط كل اسرته تقضي اوقات العطلات فضلا عن كل الاوقات امام التلفاز والذي اشتراه لهم مرغما بعد عامين من زواجه واحضار زوجته الى هذه المنطقة الموحشة وبعد ان هددته بطلب الطلاق والعودة الى بيت اهلها وكانت حجته الظاهرة في الرفض انه رجل دين وان التلفاز حرام لكن زملاءه من المعلمين وزوجاتهم كانوا متيقنين ان السبب ليس الحلال والحرام وانما هو البخل، ما بين ثمن التلفاز والكهرباء التي يستهلكها التلفاز وخاصة ان زوجته ستتفرغ لقتل الوقت بمشاهدته وكانت حجتهم الرئيسة في هذا التفسير انه لو كان التلفاز حراما فهل السيارة التي يجهر برفضه المطلق لشرائها حرام هي الاخرى؟ وكان اكثر المعلمين نقدا لتصرفاته الى حد الهجوم عليه سرا وعلانية هو انا لدرجة انني كنت احرض الزملاء على عدم مساعدته بشراء الاشياء والحاجات التي كان يكلف بها زملاءه الذاهبين الى المدينة ادعي لهم ان تصرفنا هذا معه سيدفعه حتما الى التفكير في شراء سيارة تكون باب الفرج لاسرته التي يعتقلها داخل بيته منذ ثماني سنوات. بالرغم من استغراب زوجتي من فكرة الزيارة، الا انها وافقت في الحال وفي المساء قمنا بالزيارة وبعد العودة الى بيتنا سردت لي زوجتي بطريقة عفوية وناقمة على تصرفات الشيخ خلف مع زوجته واولاده فقد بكت لها زوجته وهي تشكو تقتيره الشديد لدرجة انه يرفض السفر الى مصر في العطلة الصيفية هذا العام ايضا مثل العام الماضي وهي مشتاقة لرؤية اهلها وخاصة انها منذ فترة بدأت ترى احلاما مفزعة تقلقها على اسرتها لدرجة انها هددته بانها ستبيع ما تلبسه من ذهب وتشتري تذاكر طائرة لها ولاولادها ولن تعود الى الامارات معه مرة اخرى ولذلك حاول ان ينتزع من ذراعيها ما اشتراه لها من ذهب على مدى الاعوام الماضية لكنه فشل بل اكثر من هذا انها قررت هجره في الفراش ولم تسمح له بالاقتراب منها منذ اسبوع وهو الذي لا يتركها ليلة واحدة منذ ان تزوجها. بدأت الخيوط تتجمع اما عيني لابد ان الشيخ خلف خاف من زوجته على مدخراته التي يحتفظ بها في بيته مدعيا ان وضع المال في البنك حرام لما فيه من شبهة الربا فتحت شهيتي اكثر واكثر لفتح درج الشيخ خلف. اخذت اتودد اليه عارضا خدماتي تسللت الى قلبه من نقطة ضعفه «ان سيارتي تحت امرك انت واسرتك فنحن اخوة في الغربة، ومن كان عنده فضل ظهر فليعد به على من لا ظهر لا». اصطحبته هو وجميع افراد اسرته الى المدينة المجاورة والاسواق التي بهرتهم وحديقة الالعاب التي وقف امامها جميعهم محملقين مذهولين غير مصدقين ان الدنيا يوجد بها اماكن اخرى غير الجبال العالية السوداء التي تخنق القرية. خلال اسبوع واحد كان الشيخ خلف يحبني ويثق في اكثر من حبه وثقته في زوجته صارحني بأشياء كثيرة الا ما خبأة في الدرج، ولذلك كان اصراري على فض هذا السر يتفاقم ويتفاقم الى حد الانفجار المتوحش. في الليلة الموعودة اخترت الوقت المناسب الذي تخلو فيها المدرسة بل تخلو فيها طرقات القرية من البشر وقت صلاة العشاء في مسجد القرية فاولا يحرص الجميع على ادائها في المسجد وثانيا فترة ادائها اطول من صلاة المغرب بما يردفها من الشفع والوتر.. ولكأن الشيطان كان يخطط معي لبست قفازا في يدي ادخلت اول مفتاح في قفل الدرج لتجربته دار دورة كاملة فتح الدرج في ثانية في الحال فتحت المجلد الضخم الذي اعرفه من لون الغلاف الازرق وكانت مفاجأة مذهلة عثرت على رزمة كبيرة من ورق (البنكنوت) من فئة الخمسمئة درهم لم اعدها وضعتها في جيبي وضعت الكتاب في مكانه اغلقت الدرج انطلقت في الحال الى المسجد كي الحقهم في الركعة قبل الاخيرة دون ان اتوضأ شعرت ببدايات الارتياح عندما رآني كل الزملاء معهم في صلاة العشاء تعمدت بعد انهاء الصلاة والسنة ان اقف معهم امام باب المسجد للتحدث في اي شيء كعادة المعلمين بل اكثر من هذا تعمدت ان افتعل خلافا بيني وبين احد الزملاء، حتى لكون ذلك حدثا بارزا يتذكره الجميع، ويكون دليل اثبات على اني يوم كذا كنت مع الزملاء في صلاة العشاء. في الوقت نفسه الذي وطنت نفسي على عدم الذهاب الى المدرسة ليلا، وصرت اصطحب معي امام الجميع دفاتر اعداد الدروس الى البيت، واقوم باعداد الدرس في بيتي بحجة ان بعض الزملاء يستمتع بالاستماع الى المذياع اثناء الاعداد مما يسبب لي تشتيتا ذهنيا. توقعت ان يفاجأ جميع هيئة التدريس في اليوم التالي بصراخ الشيخ خلف لذلك وطنت نفسي طوال الليل على نسيان الامر برمته قررت ان اقنع نفسي وخاصة في لحظات ما قبل النوم بأن شيئا على الاطلاق لم يقع وبأنني لم امد يدي مطلقا تجاه درج الشيخ خلف وبأنني لم ار ابدا الشيخ وهو يخبيء فلوسه، وبأنه لم يكن هناك فلوس منذ البداية حتى اراها او اخذها طول الليل وانا احاول بالايحاء والتلقين ان اقنع نفسي وازرع في اللاشعور كل هذا حتى استيقظ في صباح اليوم التالي ناسيا كل ما جرى اتبعت نصيحة المرحوم ابي جندي حراسة الاماكن الاثرية، عندما كنت اذهب اليه بطعام العشاء في موقعه القريب من بيتنا وحينما كان يكون لديه «نبطشية» ليل، وكثيرا ما كان يحاول ان يتقاتل مع زملائه لكي يفوز بها بالرغم من ان معظم زملائه كان يهرب منها بينما كان المرحوم ابي يبيت ليله منقبا عن بقايا القطع الاثرية التي لم تكتشف بعد ولم تسجل في السجلات، وبين وقت واخر كان يعثر على تمثال فرعوني صغير الحجم، او قطعة من الذهب وكان هذا هو السر الذي يجعله يطلب مني ان اتى اليه بطعام العشاء لانه كان يخبيء داخل انية العشاء الفارغة بعض ما استولى عليه ومع اني لم اكن قد تجاوزت العاشرة بعد الا انه كان يثق بي ويتعامل معي كرجل كبير يتحمل المسئولية ويحفظ السر عن الجميع حتى عن امي واخوتي كان من نصائحه الغالية ـ رحمة الله عليه ـ التي كان يرددها في اذني دائما «يا أمين يابنى لكي تحفظ سر اية خبيئة لا تبح بها لاي مخلوق حتى ولو كانت زوجتك لاتبح بها الا الى الارض نعم فاذا ما حفرت الارض وخبأت فيها اي شيء فتأكد انها لن تفضي بالسر إلا لك وحدك دون غيرك، ولذلك ما ان عدت الى بيتي ليلتها حتى اغلقت على نفسي حجرتي الخاصة، والتي اخصصها لاستقبال بعض زملائي الذين يشاركونني تدخين الجوزة والشيشة البريئة وغير البريئة. رفعت «الموكت» انتزعت بلاطة تحت جهاز التلفاز المتصل «بالدش» الاوروبي الذي لا اشغله الا بعد ان اطمئن لنوم الزوجة والاولاد خبأت الاربعين الف درهم في باطن الارض واعدت البلاطة وسحبت فوقها «الموكت» وكأن كل ما حدث الليلة مشهد فاضح تدخل الرقيب بمقصه وتم انتزاعه تماما من الذاكرة، وشعرت بسكينة كاملة وانا ادعو لابي بالرحمة. مر اسبوع ولم يصرح الشيخ خلف بشيء، ولم يكن لدي غير ثلاث تفسيرات لموقفه ذلك، فإما انه لم يكتشف الموضوع حتى الان او يكون قد اكتشفه ولكن لم يصرح به لاحد، حتى لا يشمت فيه احد وخاصة زوجته التي تتهمه بالبخل، والاحتمال الثالث ان الحدث كله لم يقع وان مارأيته وعشته كان مجرد حلم او خيال و توهم وهذا الاحتمال هو الذي ازعجني وجعلني ارتبك ذهنيا لدرجة انني اثناء اليوم الدراسي عندما داهمتني هذه الفكرة، فكرت ان اذهب الى البيت في غياب الزوجة والاولاد في مدارسهم واكشف عن المكان الذي خبأت فيه الفلوس واتأكد من سلامة قواي العقلية لكن قبل ان انفذ الفكرة وبينما كنت اواصل تصحيح بعض مسائل الحساب لتلاميذ الصف، بدأت تصل الى مسامعي من غرفة المعلمين اصوات صاخبة ولغط. الحاسة السادسة انبأتني بأن الشيخ خلف قد اكتشف ضياع فلوسه، كرد فعل تلقائي فكرت فكرت ان اترك الحصة واسرع اليه ولكن هذه الفكرة اطحت بها بعيدا فالان اصبحت انا في حاجة الى الاسترخاء فوق مقعدي في الصف واواصل بالايحاء وتلقيني لنفسي بأنني اجهل كل شيء عن هذا الموضوع وانني سأفاجأ به لاول مرة. وكما توقعت من قبل وزع الشيخ خلف التهم جزافا على بعض الزملاء وخاصة الذين يأتون لتحضير دروسهم في المدرسة ولم يقترب مني ابدا في بداية الامر ادعى ان مبلغا من المال كان يضعه في الدرج سرق، سألته ببرءة في حضور الزملاء، امتأكد من انك وضعتها في الدرج ياشيخ؟! قد تكون تركتها في البيت ونسيت لكنه اصر بفزع حتى البكاء وقد استحال وجهه الى لون اصفر باهت واخذت اصابع يده ترتعش ومقدمات الانهيار التام شرعت تزحف على كل كيانه لذلك سارعت مستفسرا عن المبلغ الذي يزعجه الى هذا الحد؟ اهو خمسمائة درهم ام الف درهم وبأن صحته اثمن من اموال الدنيا وان الله سيعوضه خيرا، لم يتحمل كلامي ولا كلام الزملاء الذين طفقوا يواسونه بلا اهتمام الى ان فجر قنبلته في وجوهنا جميعا حينما قال صارخا كأنه يخرج بقايا روحه «يا ناس المبلغ اربعون الف درهم مدخراتي عن العام الماضي والعام هذا». وشهقنا جميعا في لحظة واحدة وخرسنا للحظات ثم انفجرت انا فيه من قبيل الشفقة والتوبيخ لمن احب «هل جننت يا شيخ خلف؟! هلا هناك انسان عاقل يضع هذا المبلغ الضخم في المدرسة؟ لماذا لم تضعه في البنك؟ لمذا لم تحتفظ به في بيتك؟!». وايدني جميع الزملاء وانهالوا عليه لوما وتوبيخا بل وسخرية من تصرفاته غير السوية واقترح البعض ان يبلغ الشرطة حتى تأتي وترفع البصمات وتكشف السارق كنت اول المؤيدين لهذا الرأي ولكي اكسب ثقة الزملاء وحبهم جهرت امام الجميع مخاطبا الشيخ خلف: بداية يجب عليك الا تتهم احدا من زملائك كلهم والحمد لله فوق الشبهات وليسوا في حاجة الى المال ولكن انا يمكن ان اشك في العامل الهندي الذي أتى به حمد الفراش لينظف المدرسة بدلا عنه، لن تخرج السرقة بعيدا عنه هيا ياشيخ خلف معي الان في سيارتي الى مركز الشرطة لتقديم البلاغ». وفي الشرطة اتهم بعض زملائه والعامل الهندي، وتم التحقيق معهم، ولم يخرجوا منهم بأية نتيجة ولكنهم سخروا من تصرفاته وهو المعلم، ولم اتركه وحيدا اصطحبته في سيارتي الى اكثر من مشعوذ ونصاب نسمع عنه في اي مكان في الامارات حتى يكشف لنا عن السارق، وبالطبع دون جدوى ولانني اوحيت لنفسي بأنني لست السارق لذا لم اكن اتأثر كثيرا ببكائه الملتاع ولا بدعائه المر على السارق متوسلا الى الله بأن يصرف هذا المال على المرض ولا يستمتع به ابدا. ايامها كنت منشغلا عن دعائه بالاخلاص الشديد في مساعدته ولم اعط بالا لدهشة زملائه في المدرسة لهذه الاريحية، وهذا الكرم الذي اصابني فجأة، وانا الذي اعتدت انا أخرج من القرية الى المدن الاخرى سرا حتى لا اقدم لاحد منهم اية خدمة او مساعدة واذا ما تصادف وكلفني احدهم بشراء شيء، فهم يعلمون انني حتما سأضيف الى ثمن السلعة اجرة المشوار وواصلت التحرك باخلاص مع الشيخ خلف الى ان خرج من كل ما حدث صفر اليدين وراح يجتر آلامه واحزانه وحيدا بعد ان بدأت اتملص منه ايضا وينفر منه الجميع لما اصاب المدرسة وكل العاملين فيها من سخرية كل المدارس المحيطة بنا حتى وصل الامر الى الادارة التعليمية التي اوصت بنقل الشيخ خلف من هذه المدرسة الى احدى مدارس المدينة. حاولت ان اقنع نفسي بالتعاطف معه لكن مشاعر اخرى من الغيرة منه والحقد عليه كانت الاقوى فهذا الساذج منذ ان تزوج وهو ينجب كل عام طفلا ذكرا، بينما انا بالكاد تمكنت من انجاب طفل ذكر وحيد، وباقي انجابي بنات وهو ايضا من المدرسين القلائل الذين يحصلون على تقدير امتياز بينما انا بالكاد جيد مما يجعلني مهددا بانهاء خدماتي وتفنيشي وهو بالرغم من ان زوجته لا تعمل الا انه يدخر ويشتري في بلده الاراضي الزراعية، بينما انا اضيع مالي في الكلام الفارغ احسست انني انتصرت عليه وهزمته، ولكن قبل ان اتلذذ بتجرع كأس انتصاري حتى اخره، فاجأني مرض ابني الوحيد. لم اكن احسب ان الامر خطير ظننت انه مرض عارض مثل بقية الاطفال، لم اصدق التشخيص الاولي الذي قام به طبيب المستشفى الحكومي قلت لزوجتي المنهارة «صدقيني، اطباء المستشفيات الحكومية لا يفهمون شيئا، لابد ان نذهب به الى مستشفى متخصص في امراض القلب». لستة اشهر مضت وانا وزوجتي والطفل نهرول بين عيادات ومستشفيات متخصصة في حالة القلب التي يعاني منها ولدي واخيرا انصعنا الى نصيحة واحدة اجمعوا عليها، لابد من اجراء عملية لدى هذا المستشفى الانجليزي على وجه التحديد وبأصابع هذا الدكتور بالذات فهو الاقدر في العالم كله على اجراء هذا النوع من الجراحة في عضلات وصمامات القلب، ومع ذلك كان الدكتور صريحا معنا الى حد القسوة حينما قال لي وهو يطلب مني التوقيع بصفتي ولي امر الطفل على موافقة بإجراء العملية دون مسئولية الدكتور عن النتائج بالرغم من بذله هو والطاقم الذي سيساعده جميع انواع العناية والمجهود المطلوب. «النتائج في هذا النوع من الجراحة لم تصل بعد الى مئة في المئة». بالرغم من ان صدى صراخ وعويل الشيخ خلف لضياع ماله مازال يحفر في اعماقي بخنجر من لهب بالرغم من ان دعاءه حينما كنت اصطحبه بسيارتي الى الشرطة او السحرة والمشايخ لم يزل يسكب في كل خلايا اعصابي العذاب واليقين بأن ما يحدث لولدي الوحيد هو ثمرة ذلك الدعاء واستجابة من السماء لدعاء ذلك المظلوم المطعون في اعز مايملك، الا انني لم افكر في رد المبلغ اليه مرة اخرى وايضا لا استطيع رفع «الموكيت» وشق بطن الارض واخراجه، كلما فكرت في فعل هذا اصاب برعشة في يدي واستشعر بمقدمات شلل لقد وضعت نفسي بنفسي في مرجل بركاني ثائر لايهدأ صرت كمن يخنق نفسه بيديه فلا يداه قادرتان على اكمال الخنق حتى يموت ويستريح ولا هو بقادر على النكوص عن اصدار حكمه على نفسه بالموت، واكثر ما يعذبني ان احساسا قويا انتصب داخلي متحديا بأنني سأفقد ابني وكل اموالي مع ان زوجتي كلما انتهت من قراءة جزء من القرآن الكريم تخبرني بأنها تشعر بارتياح كبير ويغمرها تفاؤل عظيم بأن ربنا سينجي طفلها، وتردد بأن «هذا البلاء الذي حل بنا فجأة هو مجرد اختبار من الله ليعرف مدى صبرنا». اما انا فأعرف ان هذا عقاب على ما جنته يداي، ناجيت الله كثيرا، توسلت له ان يعاقبني انا ويترك ابني ويفعل بي ما يشاء ابني ليس له ذنب، تضرعت اليه نذرت رد المبلغ الى صاحبه، نذرت التبرع بمثله بل بضعفه الى مرضى القلب، انا على استعداد ان اتبرع بكل مالي في مقابل الا اشعر في لحظة واحدة بأنني من قتل ابني بالتأكيد لن اغفر لنفسي جريمة قتلي لولدي الوحيد، لو انفجر باب غرفة العمليات هذا الان متشظيا عن واحد من الاطباء ليشطر قلبي بكلمتين «مات الطفل!!» ـ قاص وروائي مصري مقيم في الامارات حصل على عدة جوائز ادبية صدرت له الروايات التالية «حلم الاستاذ جمال» بيروت 1992 و«هذا ما حدث للاستاذ القاهرة 1987» وله في القصة «حضرات السادة العشاق» و«حتى لايطول الانتظار»