الكتاب الذي نقلب معا صفحاته الآن كتاب غير عادي، ويمكن القول عنه انه كتاب حضاري بامتياز، ففي كل حضارة كتاب عظيم من هذا النوع يلقي الضوء على روحها، على افضل مافيها، على رجالها عندما يحدقون في مصارعهم ومع ذلك يمضون في الطريق الى تلك المصارع بعزم الرجال، على ساعة اللقاء مع القدر، عندما يكون النصر حقا وصدقا صبر ساعة. واذا كان هناك كتاب يقترب في روحه من الكتاب الذي نناقشه هنا فانه يتمثل فيما تركه اسامه بن منقذ عن روح الفروسية الاسلامية العربية في مواجهة العدوان الصليبي على شرق المتوسط. لكن ماهو «الهاجاكوري» حقا، بأي معنى يمكن ان نفهمه؟ لماذا يهمنا هذا الكتاب الذي يتعين علينا لكي نقلب صفحاته ان ننفض عنه تراب القرون؟ ماهي الرسالة التي تصلنا عبر صفحاته؟ كيف تخدمنا هذه الرسالة في مواجهة واقع لايفتقر الى الصعوبة ولا التعقيد؟ قبل ان نتصدى لأي من علامات الاستفهام هذه، دعنا ندرك مجموعة من الحقائق المتعلقة بهذا الكتاب الثمين والنادر، فهو في اصله الياباني يعرف باسم «هاجاكوري كيكيجاكي» وهو العنوان الذي يعرف بما ترجمته «ملاحظات حول ماسمع في ظلال وريقات الشجر» وقد ترجم الى الانجليزية وصدر بها لاول مرة في عام 1979 تحت عنوان «الهاجاكوري»، كتاب الساموراي». شأن العديد من عيون الفكر والابداع الشرقيين، فإن «الهاجاكوري» من ناحية الشكل يتألف اصلا من 1300 مقطع تختزل طرفة او تأملا او فكرة يتكامل التعبير عنها في اضيق حيز يمكن تصوره، وقد اكتمل اصله في عام 1716 ومن يومها اعتبر عملا من اعمال «البوشيدو» الكلاسيكية التي تختزل «طريق المحارب». لكن ماذا عن مؤلف «الهاجاكوري»؟ ما الذي نعرفه عنه بالضبط؟ كيف انعكست حياته في هذه الحكمة المعمقة التي تتناثر كنوزها عبر صفحات الكتاب؟ الحقيقة الواضحة في مواجهة علامات الاستفهام هذه هي اننا لا نعرف الكثير في هذا الصدد، غير انه من المعتقد ان «الهاجاكوري» قد تم املاؤه من قبل ياماموتو تسونيتومو (1659 ـ 1719) وهو نبيل ينتمي الى مرتبة وسيطة كان تابعا لنابيشيما ميتسوشيجي (1632 ـ 1700) وهو دايميو مقاطعة هايزين (مقاطعة ساجا) وكان بدوره تابعا لتاشيرو تسوراموتو. وتعبر الفكرة الاولى في الكتاب التي تدور حول ان «البوشيدو طريق الموت» عن الطرح الاساسي الذي يجري تفصيل القول فيه على امتداد الكتاب كله، حيث يجري التشديد على ان الساموراي المتأهب والراغب في اي لحظة في الموت يمكنه ان يكرس ذاته لسيده. ويلفت نظرنا حقا في المسيرة المدهشة لهذا الكتاب انه اتى على صفحاته حين من الدهر كانت الدليل الذي لاغنى للاتباع من المحاربين الاشد في مقاطعة هايزين. ومن منظور دارسي الاعمال الكلاسيكية الشرقية عامة واليابانية خاصة فإن القيمة الاساسية لهذا الكتاب هي انه احد المصادر الاساسية لدراسة تاريخ البوشيدو، اي طريق الساموراي. لكن هل الامور تقف عند هذا الحد حقا؟ هل نحن امام عمل كلاسيكي محض؟ هل قيمته انه تأريخ للافكار فحسب؟ لاول وهلة قد يبدو من المستحيل ان نتصدى لعلامات الاستفهام هذه، ولو بمجرد المقاربة المعرفية، غير اننا لو امعنا النظر لادركنا ان جوهر الاقتراب من «الهاجاكوري» او محاولة الوصول الى جوهره هو تلمس لمسيرة الحركة السياسية والعقيدية في الكثير من ارجاء العالم، حيث يعد النضال من اجل حياة افضل حتى لو تضمن عبور ارض الموت هو المنهاج الوحيد المتاح والممكن والمنطقي والعقلي. ما تخفيه الأوراق كل من يطالع، بحب وتعاطف، هذا الكتاب عليه الا ينسى ان «الهاجاكوري» هي كلمة يابانية معناها «الاوراق المخفية» او «ما تخفيه الاوراق»، وهي احالة ذكية الى فكرة قوامها الدعوة الى تأمل جوهر الاشباع وعدم الاكتفاء بما يبدو على السطح. نشر هذا الكتاب في العاشر من سبتمبر عام 1716، وهو في جوهره عبارة عن تجميع لاقوال فلسفية مأثورة املاها المؤلف الذي كان قريبا من نابيشيما ميتسوشيجي الحاكم الثالث لمقاطعة ساجا. وهذا الكتاب يعد عملا بالغ الاهمية من منظور الكثيرين على امتداد العالم، ليس بسبب تلك الاقوال الفلسفية المأثورة التي تشمل كل دروب الحياة ماهو منها جاد او هزلي، وانما لأنه في واقع الامر يتيح لنا ان نطل على جوهر طريقة حياة وحركة وفكر، لايمكن القول انها اصبحت تنتمي الى التاريخ ولا مجال لها في عالمنا. لكن هذا الكتاب على الرغم من اهميته اوقع الساموراي (طبقة المحاربين الارستقراطية اليابانية) في المشكلة نفسها التي تواجها المؤسسة العسكرية الحديثة في العديد من دول العالم، وهي: كيف يمكنك ان تظل محاربا فخورا ومنضبطا في وقت السلم؟ والمتابع للاحداث والحياة العسكرية يجد ان هناك العديد من التيارات التي تتصارع معا حول القضية، فالتصحيح السياسي والميزانيات الضخمة قضت على الكثير من الاستعدادات والاخلاقيات العسكرية. ولك ان تتخيل حال الساموراي المتمسك بعسكريته، غير الخائف من الموت، الذي يتمسك بالشرف، وهو يرى الركود والرتابة التي آل اليها حال العسكرية اليوم. المؤلف نفسه حرم من الانتحار على طريقة معلمه بأمر عسكري، ولا شك في ان هذا الموقف زاده بؤسا واحباطا، ومن المحقق انه ترك بصمته بقوة على هذا العمل، في نهاية المطاف. ربما لذلك فان هذا الكتاب ليس كتابا عن الساموراي فقط، لكنه ايضا آخر فصول الشجاعة من جانب نوعية من البشر غربت شمس حركتهم وتفكيرهم، ولم يبق لنا الا نور يشبه شعاعاً من شمس غاربة. وتتطابق فلسفة «الهاجاكوري» مع فلسفة «الزن» وهي فلسفة بوذية جوهرها القول ان بمقدور المرء ان ينفذ الى طبيعة الحقيقة عن طريق التأمل وكذلك مع الكونفوشيوسية (تعاليم كونفوشيوس الاخلاقية) التي كانت سائدة في اليابان من عام 1600 الى عام 1868. ويمكن القول ان «الهاجاكوري» تعبير صادق عن اخلاص المؤلف وولائه، ولقد كان على اتصال دائم وتفاعل مستمر تأثيرا وتأثرا بقضايا عصره، واستطاع ببراعة فائقة ان يعبر عنها بين دفتي هذا الكتاب، الذي قد يختلف الكثيرون مع رؤيته للحياة وتفسيره للوجود لكنهم في نهاية المطاف لايمكنهم الا التسليم بنبل طروحات المؤلف وبارتفاع السقف الاخلاقي والانساني لما يقوله ومايدعونا اليه. ما الذي يعنيه «الهاجاكوري»؟ كثيرون هم الذين رددوا هذا السؤال على امتداد العالم. والحقيقة الاساسية في محاولة الرد عليه هي انه ليست هناك اجابة سهلة يمكن طرحها في مواجهة علامة الاستفهام هذه. يمكن بأبسط المعاني التعريف بالهاجاكوري من خلال التحديد بالسلب، اي من خلال القول ما الذي لم يكنه الهاجاكوري، فهو ابتداء ليس فلسفة متكاملة جرى التفكير فيها بعمق والتعبير عنها بتماسك وتكامل، وبهذا المعنى فإنه لايضم طرحا منطقيا جرى التأمل فيه بشكل وثيق. بل الامر على العكس من ذلك تماما، حيث ان نظرة واحدة على هذا الكتاب كفيلة بايضاح ان محتواه نقيض لما يميل المثقفون الى طرحه وهو ابعد ما يكون عن الاسلوب الاكاديمي والمدروس. انه ببساطة سجل، او تفريغ ان شئت لحوارات دامت سبع سنوات، ويتباين موضوع هذه الحوارات بشدة متراوحا مابين عمق مشاعر المؤلف حيال طريقة الساموراي ومابين مناقشات حول طقوس فعل الشاي الياباني او الكيفية التي اكتسبت دور بعينها اسماءها بها. فضلا عن ذلك، فان هذا الكتاب لم يقصد به، فيما يبدو، ان يصل الى ايدي جمهور القراء، ففي مقدمة كتبها المؤلف نراه يدعو الى القاء الفصول الاحد عشر التي يتألف منها الكتاب فتصبح طعمة للنار، وهو ينقل عن أبيه قوله: «بعد قراءة الكتب وما الى ذلك، من الافضل حرقها او القاؤها بعيدا. يقال ان قراءة الكتب هو عمل البلاط الامبراطوري، لكن عمل آل ناكانو يكمن في البسالة الحربية واحكام القبضة على الحراب المتخذة من خشب البلوط». لقد كان المؤلف هو الساموراي المطلق، بمعنى ان افكاره كانت تقف غالبا عند حدود اقطاعية نابيشيما، وقد ظل هذا الكتاب لسنوات طويلة الملكية السرية لقبيلة نابيشيما. من ناحية اخرى يمكن النظر الى «الهاجاكوري» باعتباره تعبيرا عن اخلاص ياموموتو، فتطرفه ونزوعه الفردي لم يكبح جماحهما اي توقع لحكم خارجي ومن المشكوك فيه ان يكون قد استشعر في المقام الاول اي نوع من كبح الجماح وقد شجع رعاته وربما وضعه الجغرافي تطرفه والفكرة القائلة ان فكره ليس عرضة لانصاف الحلول او للتثبيط. ويلفت نظرنا حقا ان المؤلف قد شدد على الموت باعتباره اعظم الاعمال التي بمقدور الساموراي القيام بها من اجل سيده، ولكنه بالقطع لم يكن رجلا رومانسيا عاكفا على افكار سوداء، كان يدرك على نحو لماح طبيعة الوقائع والقضايا المثارة في عصره، واستجاب لها في اطار تأملاته، وهي التأملات التي وضعها بين دفتي «الهاجاكوري». ولن يكون من الصواب تماما الاشارة الى ان كلمات هذا الرجل الغامض بصورة نسبية كان لها تأثير كبير على تفكير اليابان. ولكن المرء لايجافيه الصواب اذا قال انه في كلمات هذا الرجل ينعكس تطرف احد تياراتها. هكذا تكلم تسونيتومو لأننا نفعل كل ما نقوم به اعتمادا على بطولتنا، فاننا نصبح اكثر اهتماما بأنفسنا، وندير ظهورنا للحقيقة، لكن الاشياء على الرغم من ذلك لا تتغير، لكن مانقوم به من وجهة نظر الآخرين ضيق وضعيف وغير كاف. وعندما يكون المرء غير قادر على التعامل بذكاء فمن الضروري ان يتخذ له صديقا ذكيا يستشيره في اموره. ودور المستشار هو ان ينير له الطريق عندما يكون بصدد اتخاذ قرار ما، وسيجيء هذا القرار كما لو كان قد جاء بعد تفكير عميق وخبرة واسعة، فذكاء المرء مثل الشجرة الضخمة الضاربة جذورها في اعماق الارض. عندما نتعلم اقوال العظماء وافعالهم من اجل ان نسلح انفسنا بالثقة ونسير على خطى حكمتهم ونقضي على الانانية قبل ان تعرف طريقها الينا، عندما نفعل ذلك فان الامور تسير على مايرام ويقال ان شخصا اتخذ من اخوته الصغار اتباعا، وكان عندما يذهب الى اي مكان يصطحبهم معه ويستشيرهم في كل كبيرة وصغيرة، في كل اموره الشخصية والعامة .. وقيل عن هذا الشخص انه لن يخذل ابدا. ان تكون تابعا صادقا وأمينا فذلك لايعني سوى انك تسدي النصح لذلك الشخص، تقدم له الخير وتبعد عنه الشر، وتزيح عنك مذمة الاهتمام بالنفس. ولو ان العالم اجمع فيه شخصان او ثلاثة اشخاص من هذا النوع، فسوف تكون الحياة اكثر امنا واستقرارا. ان تقدم لشخص ما نصيحة يصوب بها اخطاءه فهذا شيء عظيم لكن الطريقة التي تفعل بها ذلك في غاية الصعوبة، واكتشاف نقاط القوة والضعف في شخص ما امر سهل للغاية لكن متى وكيف تفعل ذلك هذا هو الاهم والاصعب، فقبل ان تقدم نصيحة او نقدا لابد ان تعلم مسبقا ما اذا كان ذلك الشخص على استعداد لان يتقبل تلك النصحية او النقد ام لا. لابد ان تقترب منه وتعمق في داخله وتخاطبه بالاشياء المحببة اليه وتبرز له بين الحين والآخر صفاته الجيدة، ولابد ان تشجعه بالاطراء والثناء عليه، بمعنى آخر تكتسب ثقته اولا ثم تبدأ في علاجه بتقديم النصائح للقضاء على العيوب، اما اذا بدأت بنقد عيوبه وأضعفت ثقته بنفسه فكيف تتوقع منه ان يكون انسانا افضل واجمل؟ التثاؤب امام الآخرين ـ على الرغم من عفويته ـ عادة سيئة يمكنك التغلب عليها ببعض التمارين البسيطة، فاذا شعرت بانك سوف تتثاءب فقم بحك جبهتك في الاتجاه لاعلى وسوف يتوقف على الفور شعورك بالتثاؤب، واذا لم تفلح هذه التجربة، فجرب غيرها بان تلعق شفتيك وفمك مغلق فان لم تستطع فحاول اخفاء التثاؤب بيدك مثلا بطريقة لا يشعر من حولك بما تفعل. عندما كان العاهل ميتسوشيجي تلميذا صغيرا، وجاء عليه الدور في قراءة احد الدروس، نادى على زملائه واصدقائه قائلا: من فضلكم تعالوا لكي تستمعوا الى ما سوف اقول فمن الصعب ان يقرأ الانسان شيئا ما دون ان يجد آذانا صاغية! وعندما سمع المعلم ذلك قال للتلاميذ: تلك هي الروح التي يجب ان تسود في جميع امور حياتكم. من الاقوال المأثورة: ـ اذا استطعت ان تفهم مسألة، فسوف تفهم عشرا. ـ سواء أكنت تتحدث مع شخص ما بطريقة رسمية او اخوية فلابد ان تنظر الى عينيه، فتحية الحديث ان تنظر الى عيني محدثك في البداية والنهاية والحديث من دون النظر اليه دليل عدم الاهتمام. ـ الساموراي الخارج عن الجماعة وبلا جواد ليس «ساموراي» على الاطلاق. ـ من تعاليم الساموراي ان تستيقظ في الرابعة صباحا وتستحم وتتهندم وتتناول افطارك عند بزوغ الشمس وان تأوي الى الفراش عندما يحل الظلام. يحكى ان رجلا كان مغرما بالتنين حتى ان ملابسه وضع عليها صور التنين وكذلك زين بها حجرات منزله بل صنع الاثاث على هيئة تنين وذات مرة وهو ينظر من النافذة رأى تنيناً، فمات من الخوف والمعنى ان هناك اشخاصا يتشدقون بالقيم والمباديء والمثل والكلام الكبير لكن عند اول تجربة عملية يسقطون في الاختبار. هناك طريقة واحدة لكي تصنع من طفل «ساموراي» وهي ان تمحو كلمة «الخوف» من قاموس حياته، فلا بد ان ينشأ هذا الطفل على الشجاعة وعدم الخوف، فاذا نشأ طفل ما على الجبن فسسيظل جبانا طوال حياته والخطأ الشائع الذي يقع فيه كثير من الآباء والامهات هو ان يخوفوا ابناءهم باشياء معينة حتى يتوقفوا عن البكاء. التعرض للكوارث والمحن والصعاب لايكفي معها ان يقول الانسان انه غير محظوظ او قليل البخت، فمواجهة الصعاب تتطلب ان يمضي المرء قدما وهو مبتسم، ان مواجهة كل كارثة تعني عبور عقبة تزيدك سموا ورفعة مثلما ترتفع السفينة لأعلى كلما ارتفع منسوب المياه. المحارب الجيد هو الذي يجب ان يكون يقظا حتى في الكلام الذي يتفوه به، فاذا لم يكن دقيقا في اختيار الفاظه وكلماته فسيجيء يوم يتفوه فيه بقول كلمات من عينة : «انه جبان»، عندئذ سوف اهرب «و» انه لشيء مخيف، فهناك بعض الاشخاص لديهم القدرة على التغلغل في الاعماق البشرية من خلال سماع لفظ او كلمة او تعبير. العلاقات السيئة بين الرؤساء السابقين والحاليين، والاباء والابناء، والكبار والصغار تأتي من نوازع انانية والدليل على ذلك انه لاتوجد مثل هذه العلاقات السيئة بين الزعيم واتباعه. المحارب المثالي لايجب ان يقول شيئا مخيفا ولو كان عابرا، ويجب ان يدرب عقله على ذلك. فعن طريق الاشياء التافهة ايضا يمكن التغلغل الى اعماق الشخص. لو اعطاك انسان بعضا من افكاره، فتقبلها بالشكر والعرفان، حتى لو كانت تافهة، فلو لم تفعل ذلك فلن يعطيك افكارا اخرى قد تفيدك، من الافضل ان ترسل الافكار وتستقبلها بطريقة حميمة. في اوقات السعادة يكون الغرور والتهور خطرا على صاحبه، فلو لم يكن الانسان حكيما متعقلا في الاوقات العادية فلن يكون قادرا على التحكم في عواطفه .. فالذي يسير منتشيا في وقت الرخاء سوف يمشي مترنحا عند الشدائد. الحياة قصيرة، لذلك فمن الافضل ان تفعل فيها كل ماتحب، ومن الغباء ان تعيش هذا الحلم في عالم يفعل ما لاتحب. ومن الضروري الا تقول هذه الحكمة للشباب حتى لايخطئوا فهمها فأنا مثلا احب النوم حتى انني اتمنى ان اموت وانا نائم. المعنى الحقيقي لفن السلوك الراقي هو ان تكون سريعا في البداية والنهاية وهادئا في الوسط. اذا كان هناك شيء يجب ان يقال فلابد ان يقال فورا فاذا قيل فيما بعد فانه يبدو كما لو كان اعتذارا. الخوذة تبدو ثقيلة في نظر البعض، ولكن عندما تهاجم قلعة او ما شابه ذلك وتجد الطلقات والسهام وقطع الحجارة الكبيرة تنهال فوق رأسك عندئذ فقط تدرك انها خفيفة للغاية. ليس هناك اشد ألما من الاعتذار فكلنا يريد ان تستمر الحياة بلا اعتذار. عندما كنت صغيرا، كنت احتفظ بمفكرة ادون فيها اعتذاراتي يوميا، ولم يمر يوم دون ان اسجل ما بين عشرين الى ثلاثين اعتذارا وعندما وجدت ان الاعتذارات ليس لها نهاية توقفت عن التدوين لقد تأكدت ان الحياة بلا اخطاء مستحيلة. عندما تريد ان تقرأ شيئا بصوت عال اقرأه من بطنك وليس من فمك لانك اذا فعلت ذلك فلن يتحمل فمك هذا الصوت. اذا كان المرء منطلقا من قاعدة صلبة فلن يعاني من التفاصيل او المشكلات غير المتوقعة التي تواجهه. عندما تريد ان تسلم شيئا مهما مثل رسالة او غيرها، امسكها بيدك جيدا، وانت تسير، واعطها الى الشخص المعني يدا بيد. عموما فان النظر في المرأة والتجمل ليس كافيا لكي يكون مظهر الانسان حسنا، وكثير من الناس يكون مظهرهم العام متواضعا لانهم لايطيلون النظر في المرآة. التدريب على الخطابة يبدأ بتصحيح خطب الآخرين في المنزل والتدريب على كتابة الخطابات .. يبدأ بالاهتمام بكتابة السطر الاول. على المرء ألا يتردد في تصحيح نفسه اذا وقع في خطأ، ولو فعل ذلك من دون تأخير فإن اخطاءه سوف تتلاشى الى الأبد، لكنه اذا حاول اخفاء اخطائه فسوف تتراكم وتسبب له آلاما كبيرة. المهمة الاساسية للخطاط هي ان يتصف بعدم الاهمال، لكنه بهذه الطريقة ستكون خطوطه جامدة وبلا طعم، وعلى الانسان ان يتحرر من القيود ويخرج على المألوف في كل شيء. لا يستطيع الحكم على شخص ما بأنه سعيد او شقي من خلال تصرفاته اليومية، فالسعادة والشقاء مسألة قدرية، والافعال الطيبة والشريرة هي التي تحدد طريقة المرء في الحياة اما الثواب والعقاب فهما درس اخلاقي نتعلمه كل يوم. عدّ البشر امر تافه لان العد يتعامل مع الخسارة والمكسب، والعقل الذي يحسب المكسب والخسارة لا يتوقف. الموت تعتبره خسارة والحياة نحسبها مكسبا لذلك لا يعير الكثيرون منا الموت اهتماما وهؤلاء تافهون. اذا كان امام المرء خيار واحد بين الحياة والموت فمن الافضل ان يختار الحياة، مادام ليس هناك مايسيء الى سمعته ، واذا كنت امام خيار ان تأكل اولا تأكل، فلا تأكل، واذا كنت امام خيار ان تذهب او لا تذهب، فلا تذهب والمعنى انه اذا كان الفعل يحتمل خيارين فلا يستحق ان تفعله . على المرء الا يتعجل اتخاذ القرارات المصيرية وقبل ان يتخذ اي قرار لابد ان يأخذ شهيقا وزفيرا 7 مرات. ان تتفوق على الآخرين فإن ذلك لايعني سوى ان تجعل الناس يتحدثون عنك. من أجل الحياة لا الموت وبعد، فقد مر على الحكم والاقوال المأثورة ما يقرب من ثلاثمئة عام وعلى الرغم من ذلك فقد تراها صالحة لعالم اليوم او كأنها كتبت بالامس. وهذه الاقوال المأثورة كانت هي الدليل او المرشد الذي كانت تسير على نهجه فصول الساموراي، وكانت هذه العبارات القوية بمثابة دروس لهم في السلوك والتصرفات، كما كانت تحمل ايضا في طياتها توجيهات وارشادات وتعليمات. ويمكن القول ان هذا الكتاب كان بمثابة ميثاق الشرف للساموراي، ينهل منه سلوكه اليومي، منذ ان يستيقظ في الرابعة فجرا، وحتى يخلد الى النوم عند مغيب الشمس. وعلى الرغم من العبارات القصيرة والقوية، الا ان هذا الكتاب لايمكن ان نعتبره كتابا في الفلسفة كما قد يفهم البعض لكنه كتاب اشبه بالوعاء الذي جمع عصارة الخبرات والحكم والقول الجزل والافكار المثيرة والارشادات المهمة على مدى سبع سنوات تغطي جميع دروب الحياة من الحرب الى الموسيقى ومن الاستيقاظ المبكر الى التواضع ومن مواجهة المحن والشدائد الى فن السلوك وعلى الرغم من ان هذا الكتاب كان سريا، مقصورا على الجنود المحاربين، الا انه بعد ذلك بسنوات سُمح بتداوله بين الاجيال المتعاقبة لنشر تعاليم الساموراي التي هي على وجه الدقة، فن الحياة بجميع صورها وبكل تفاصيلها.