بدا في السابق ان الوقود الاحفوري الاقدر والاكثر تلويثا قد انقضى عهده في عالم يغلب عليه الغاز الرخيص والمخاوف من الانحباس الحراري، ولكن يبدو الان ايضا ان هذا الوقود وهو الفحم الحجري، مهيأ للعودة بشكل تغلب عليه صبغة نيران القرون الوسط اكثر من صبغة مصدر الطاقة الملائم للقرن الحادي والعشرين. لم يسمع علماء البيئة بعد بهذه الخطط، ولكنهم عندما يسمعون بها، فانهم سيحتجون عليها بشدة، وذلك لانه، وتحت غطاء تقديم اسلوب «نظيف» لتحرير الطاقة من احتياطي الفحم، فان المهندسين يعدون طريقة لزيادة كمية الفحم التي يستطيع العالم ان يضع يده عليها، وحتى وان حرق جزءا منه لاشباع جوعنا للطاقة، فان كميات هائلة من الكربون يمكن ان تطلق في الجو مسببة تسخينا في درجات الحرارة في جميع انحاء الكرة الارضية، والسؤال الذي يطرح نفسه هنا بقوة هو: هل يملك المهندسون جوابا قد يجعل استغلال مصدر الطاقة هذا امكانية فعلية؟ تتلخص الفكرة في التخلص من مناجم الفحم وحرق الفحم في اماكن وجوده عميقا تحت الارض، ويأمل المهندسون بأن يتمكنوا عن طريق اشعال حرائق دائمة في الشقوق العميقة في الارض على عملية التعدين التقليدية، من استغلال الابخرة الناتجة عن الحرائق كوقود لتوربينات الغاز على سطح الارض، ومن شأن الاحتراق تحت الارض ان يحرر طاقة مئات المليارات وربما تريليونات الاطنان من الفحم، الذي ما كان بالامكان الوصول اليه بطريقة اخرى، وعلى مستوى العالم، هنالك تحمس متنامي لهذه الخطط، وفي بريطانيا، سيقوم المهندسون هذا العام باختيار شق للفحم في مكان ما عميق تحت اراضي الريف الانجليزي لكي يكون موقعا للتجربة التي قد تحيي صناعة الفحم الميتة في البلاد. اذن هل خرج الفحم الحجري اخيرا من سجنه؟ او كما سيقول علماء البيئة عندما يسمعون الانباء، هل عدنا الى طريق الكارثة المناخية؟ لقد عرف علماء الجيولوجيا منذ زمن بعيد ان هناك كميات من الفحم الحجري تحت الارض تفوق ماهو موجود من النفط والغاز الطبيعي، فهذا المخزون غير المستغل على مستوى العالم يحتوي على عدة تريليونات من الاطنان من الكربون، وحتى الان تبدو احتمالات استغلال الجانب الاعظم من ذلك الفحم بعيدة بسبب تكلفة عمليات التعدين وظهور مصادر للطاقة ارخص وانظف. لكن تحويل الفحم تحت الارض الى غاز يعد بتغير هذا الوضع كلية، فهو يقدم امكانية الحصول على «طاقة نظيفة ورخيصة وصديقة للبيئة» كما يقول ماليت من «كسيرو» وهي هيئة بحث حكومية في استراليا، التي تضم اكبر الاحتياطيات في العالم من الفحم. وتتمثل الحنكة في تحويل الفحم تحت الارض الى غاز في اشعال حرائق في شقوق للفحم الحجري تحت الارض وابقائها محترقة طوال سنوات عن طريق ضخ الهواء، او الاكسجين والبخار، الى حفرة في الارض اعدت خصيصا لهذا الغرض، وتعمل الحرارة العالية والضغط العالي الذي تحدثه هذه العملية على اكسدة الفحم بصورة جزئية، مما يحلله الى خليط من ثاني اكسيد الكربون وغازات اخرى قابلة للاحتراق اهمها الميثان والهيدروجين، يمكن تجميعها عند السطح وحرقها في طوربين للغاز لتوليد الكهرباء. تعود اصول فكرة تحويل الفحم الى غاز الى القرن التاسع عشر في اوروبا وامريكا الشمالية، فقد كانت الامدادات الاولى من الغاز للتدفئة والطبخ تأتي من الفحم او غاز المدن المصنع في مصانع الغاز، ولكن خلال القرن الماضي، تمت تنحية الغاز المستخرج من الفحم للاستخدام المنزلي من قبل الغاز الطبيعي المستخرج من مخزون نفطي تحت الارض، وفي فترة احدث حمل الغاز الطبيعي دور الفحم كوقود رئيسي لمحطات توليد الكهرباء كذلك، نظرا لانه مصدر للوقود اكثر تركيزا واسهل معالجة ويحتوي ملوثات اقل. اما الان، فان صناعة الفحم الحجري تعود للضوء من جديد، وتتمثل احدى الافكار في بناء نمط جديد من مصانع الغاز التي تعمل على تحويل الفحم الى شيء شبيه بالغاز الطبيعي عن طريق تسخينه في حاويات مضغوطة ولكن الفكرة لاتزال غير مقبولة ففي حين يعتبر الفحم اكثر وفرة من الغاز الطبيعي، الا انه لايعتبر ارخص تكلفة في الوقت الراهن، كما ان تحويله الى غاز يجعل الامور اكثر كلفة، ففي الولايات المتحدة خصصت الحكومة الفيدرالية 1.8 مليون دولار في الثمانينيات والتسعينيات من القرن الماضي لتنفيذ مشروعات تجارية بهذا الخصوص دون ان تحقيق نجاح يذكر. وعلى الرغم من الجهود التي تبذل في الولايات المتحدة وغيرها من دول العالم، الا انه لم يستطع احد ان يجعل الغاز المشتق من الفحم الحجري منافسا للغاز الطبيعي من ناحية تجارية، ومع ذلك تستمر المحاولات في البحث عن بدائل للنفط والغاز تكون اقل كلفة واقل تلويثا واكثر وفرة، ولكنها تبقى مجرد محاولات قد يكتب لها النجاح وقد لاتنال نصيبها منه. ضرار عمير