بدأت القصة كلها برسالة كتبت على عجل وقعت في يد الشرطة الصقلية، عندما اقتحمت الشقة الخاصة باحدى صديقات مايتو ميسينا دينارو الكثر في اواخر صيف عام 1993. وجاء في الرسالة تلك: «يتعين علي ان اغادر الآن. لا استطيع ان اشرح السبب، لكن الامور لا تبدو على ما يرام بالنسبة لي. انني اناضل من اجل قضية لا احد يفهمها بالشكل المناسب هذه الايام، ولكننا في النهاية سنكتشف من الذي كان على صواب. وبهذا الوداع المبهم، رتب دينارو «31 عاماً» ملابسه من ماركة فيرساتشي، واختفى في ظلمة الليل لكي ينضم الى المجتمع المتنامي لافراد المافيا الكبار المسجلين رسمياً على انهم اشخاص هاربون من وجه العدالة. وفي حالة دينارو، فان هذا يعني هروبه من ثلاثة احكام بالسجن مدى الحياة صدرت ضده غيابياً لجرآئم قتل عديدة ارتكبها، والسجن لمدة 15 عاماً اضافية لتهريب المخدرات وعدد من الاحكام المتعلقة بالكفالة والمتصلة بعمليات قتل اخرى وحالات ابتزاز ومشروعات لغسيل الاموال. وقبل ان يلوذ بالفرار، كان دينارو، الذي يعني اسمه «مال» بالايطالية، يدير امبراطورية الجريمة المزدهرة الخاصة بعائلته في مقاطعة تراباني بغربي صقلية، حيث لم ينجح ظهوره كمهندس بناء وكمزارع يقوم باعمال شرعية في خداع احد. كان والده دون فرانشيسكو قد اختبأ عن الاعين قبل ذلك بعامين، عندما بدأت القوات المناهضة للمافيا تضيق الخناق عليه. وكان دينارو مسئولاً عن العمليات اليومية التي كانت تدر مبالغ هائلة من العملة الصعبة، والتي كانت تنفذها عصبة من «الجنود» من اصحاب الرتب المتدنية. وتدين عائلة دينارو بكل شيء الى تبعيتها لعائلة المافيا المسيطرة في الجزيرة والمنحدرة من منطقة حول مدينة كورليوني الواقعة جنوبي عاصمة الجزيرة باليرمو. وفي ظل تعاقب لرؤساء لا يرحمون للعائلة، استطاعت العائلة الكورليونية ان تسحق العائلات الصقلية المنافسة بصورة تدريجية، ثم انطلقت لتوسيع آفاق امبراطوريتها على البر الايطالي. وعلى الرغم من انها عملت غالباً يداً بيد فيما يتعلق بصفقات المخدرات مع جماعات مثل كامورا في نابولي، وكالابريان في اندرانجيتا، الا ان نطاقها وثروتها واتصالاتها وجرأتها في القتل كل ذلك وضعها في فئة خاصة بها. وفي الوقت الذي شهد اختفاء مايتو دينارو عن الانظار وعمله بالسر، كان مصنفاً كأبرز المرشحين لمنصب رأس العائلة. غير ان مهمة اصطياده اعيقت بشكل خطير بسبب عدم وجود اية صورة حديثة له. فالملصقات التي تضعها الشرطة لابلاغ الجمهور بأنه مطلوب مبنية على اساس صورة مأخوذة من صورة لجواز سفر عثر عليها في احد مخابئه قبل سنوات، وهي تظهره شاباً وسيماً يضع نظارات شمسية. وبوجود القدوة التي يمثلها والده، عرف دينارو جيداً كيف يصمد في وجه الملاحقة. وقد يتعجب الغرباء من السهولة التي يستطيع بها أفراد المافيا الكبار أن يتهربوا من القانون طوال سنوات، ولكن الأمر يعتبر شيئا «ثقافياً» كما يشير أحد قدامى ضباط الشرطة في باليرمو. فقد تعلمت الأجيال من الصقليين ان تغطي على المجرمين الذين يعيشون بين ظهرانيهم. ويقول الضابط الكبير: «يستطيع الهارب من القانون ان يتجنب الاعتقال طالما ان الناس العاديين المحيطين به خائفون جداً ان يبلّغوا عنه وهناك ما يكفي من المال لشراء اشخاص آخرين مستعدين للتغطية عليه، وهو ما ينطبق بالتأكيد على حالة مايتو دينارو». كانت عائلة دينارو تخضع في الأصل لـ «سيلفاتوري رينا»، وهو عامل مزرعة شبه أمّي ولكنه داهية شق طريقه الى القمة بالقتل وجميع انواع الجرائم. وظل رينا مطارداً لأكثر من 20 عاماً قبل ان يلقى القبض عليه في عام 1993. وقد تنفس بعض من مساعديه الصعداء لسقوط الرجل الذي لقبوه بـ «الوحش». اما الزعيم الثاني الذي رضخت له عائلة دينارو فهو برناردو بروفنزانو الملقب «بيرني الجرّار» بسبب الطريقة الوحشية التي يقلب بها منافسيه. وهو لا يقل دهاء ولا وحشية عن رينا. وتعود اخر صورة له الى اربعين سنة خلت. ويقول احد القضاة في باليرمو: «ان سر بقاء بيرني على قيد الحياة هو حقيقة انه لا يتوفر له صورة ولا صوت ولا عشيقات ولا بيت». وبحسب شهادة العديد من أفراد المافيا السابقين الذين تحولّوا الى شهود رسميين، فان دينارو كان ينظر بازدراء لرؤسائه ويعتبرهم عائقاً امام عملية تحديث «كوزا نوسترا»، أي عصابة المافيا. ويقول أحد المسئولين في مكتب المدعي العام الصقلي: ابلغنا المطلعون على بواطن الامور ان ماتيو كان يتحدث دائماً عن الحاجة للتعايش مع الزمن. وهو يرى نفسه كشخصية تنفيذية في عصابة مافيا اصبحت نشاطاً اجرامياً متعدد الجنسيات ويتعين عليه فعل كل شيء لتجنب المواجهة المباشرة مع الدولة. يعتبر دينارو المرشح الاوفر حظاً لترأس المافيا في صقلية في ظل الانباء التي تتحدث عن اصابة بروفنزانو البالغ من العمر 69 عاماً بمرض خطير في الكلى. فهو الذي يحتل المرتبة الثانية بعد بروفنزانو والكل يخافه ويحسب له الف حساب داخل المافيا. ولكن هذا قد لا يتأتى، كما يشير المراقبون، بدون صراع داخلي على السلطة لا احد يعلم كم سيزهق من ارواح.