ظهرت مدينة بروفان التي تعود الى القرون الوسطى وتبعد 80 كلم عن باريس على لائحة اليونسكو لتراث الانسانية العالمي. تقدم المدينة التي احتفظت بنسيج مديني اصلي شهادة غنية على تطور الاسواق التجارية الدولية، وعلى المبادلات الاقتصادية والثقافية في أوروبا. إنها مدينة ساحرة، تروي كل بلاطة فيها عراقة الماضي بكل سخاء. تحمل شوارعها اسماء موحية تضع الزائر في اجواء القرون الوسطى، فهناك مثلاً، شارع الألبسة وشارع سوق الأحصنة وشارع التبن، وزقاق الصباغين وزقاق هولندا وبرج الأغراض ومستودع الضرائب إلخ. أمكنة كثيرة في مدينة بروفان تنتمي اليوم الى تراث الانسانية. اجتمعت لجنة اليونسكو للتراث العالمي بين 11 و16 ديسمبر 2001 في مدينة هلسنكي في فنلندا وأدرجت مدينة بروفان على لائحتها الشهيرة للتراث العالمي، الى جانب مدن اسطورية مثل سمرقند في اوزبكستان ووسط فيينا التاريخي في النمسا وغويا في البرازيل ومدينة الصويرة في المغرب وموقع تسوديلو للفن الصخري في بوتسوانا الذي يطلق عليه أحياناً «لوفر الصحراء» يوجد اليوم 721 موقعاً ثقافياً او طبيعياً في 124 بلداً تقدر «بقيمة عالمية استثنائية» تحظى بحماية اليونسكو. تلبي مدينة بروفان معيارين من اصل ستة معايير ممكنة لتصنيفها من الممتلكات الثقافية: فهي «تشهد على تبادل نفوذ له اهميته خلال فترة معينة او في حيز ثقافي معين، اثر على تطور الفن المعماري او التقنية او الفنون الاثرية او تخطيط المدن او على ابداع المناظر» و«تقدم نموذجاً هاماً لنوع من البناء او لمجموعة معمارية او لمناظر تعبر عن مرحلة او مراحل ذات دلالة في تاريخ البشرية» في الواقع ان هذه المدينة العائدة للقرون الوسطى المحصنة التي تقع في وسط منطقة «كونت دو شامباني» المنيعة، عرفت المحافظة على نسيجها المديني الاصلي، وهي تشهد على تأثير اقتصادي وتجاري وثقافي له اهميته في القرنين الحادي والثاني عشر وعلى تخطيط المدينة كما كان آنذاك. لكن نماذج البناء، فهي تؤكد بداية المبادلات الاقتصادية والثقافية في اوروبا. مثلت بروفان في القرن الحادي عشر نظراً لموقعها على مفترق حوالي عشرين طريقاً معبرا لابد من اجتيازه بين منطقة فلاندر وايطاليا اللتين كانتا منطلقا للتجارة. وعرف مجمل «كونتات شامبانيا» استغلال هذا الموقع وشجعوا اقامة الاسواق في مايو وسبتمبر التي عرفت ذروتها في القرنين الثاني والثالث عشر وأمن هؤلاء النبلاء لضمان نجاح الاسواق وللحصول على الثروة، حماية التجار، فكانوا يرافقون القوافل القادمة الى اسواقهم ويضمنون سلامة التجار عندهم مثل: اقامة المحاكم وفض النزاعات وصياغة العقود وملاحقة المخالفين في مختلف انحاء اوروبا. منحت هذه الميزات شهرة لأسواق بروفان وحثت على تطوير النشاطات الحرفية المحلية بفضل اهمية المبادلات وهكذا اصبحت صناعة الشراشف اختصاصاً مشهوراً في انحاء اوروبا يقول المؤرخ جان فافيي في معجمه عن فرنسا القروسطية: «حاز النقد المصنوع في محترف بروفان للنقود على شهرة الى حد تم تقليده حتى في ايطاليا» وادت المبادلات التجارية الى مبادلات ثقافية غنية جداً لكن تطور الطرق التجارية في القرن الرابع عشر بسبب الحروب الدينية وتفشي الاوبئة اثرتا على انهيار اسواق منطقة شامبانيا. اطلق الرومانسيون على مدينة بروفان اسم «البندقية الصغيرة» لقنواتها وسواقيها، وعرفت المدينة الحفاظ على زقاقاتها المتعرجة وعلى أصالة فعلية وعلى الكثير من السحر الذي يمنحها اياه تنوع المعالم الاثرية، فغالبيتها تعود الى القرنين الحادي والثاني عشر نذكر على سبيل المثال لؤلؤتها المتمثلة بـ 150 قبوا كانت تستعمل لتخزين السلع وشبكة انفاق تحت أرضية محفورة في الصخر الكلسي، وبيوت التجار والفنادق حيث كانوا يأكلون. بروفان هي ايضاً حصن عسكري بجدرانها وببرج القيصر فيها المنتصب على قمة صخرة حيث انطلق منه تطور المدينة في القرن الحادي عشر كما تحوي تراثاً دينياً غنياً مثل كنيسة سان كيرياس وسان ايول وسانت كروا. تستمد بروفان سحرها من كونها لم تعرف الدمار خلال الحروب ولا عمليات الترميم في القرن التاسع عشر الناجمة عن الثورة الصناعية والمدينية، لهذا شمل التصنيف وسط المدينة التاريخية ومحيطها. ولقد عرفت خلال العقود الثلاثة الماضية ورش ترميم كثيرة، كما اعدت البلدية فيها برنامجاً لتنشيط السياحة من (حفلات تاريخية ودورات فروسية) نتج عن ذلك زيارة 500 ألف سائح في العام يؤمون شوارع المدينة التي صنفها بروسبير ميريمي عام 1875 كمعلم تاريخي.